ارشيف من :أخبار لبنانية

عيون تبحث عن بارقة حياة بين أمواج البحر وما ترميه من الناعمة إلى الرملة البيضاء: يوم الانتظار الطويل

عيون تبحث عن بارقة حياة بين أمواج البحر وما ترميه 
من الناعمة إلى الرملة البيضاء: يوم الانتظار الطويل
كتب جعفر العطار - السفير


لم يكن خبر وقوع الطائرة المتوجهة من مطار بيروت الدولي الى أثيوبيا، قد حل على المواطنين بعد. فالطائرة، التابعة للخطوط الجوية الأثيوبية كانت قد أقلعت من المطار عند الساعة الثانية والنصف فجراً.

انها السادسة والنصف صباحاً. حركة المارة، من تخوم طريق المطار الى منطقة خلدة، تبدو عادية: حافلات مدرسية تتنقل على الطرق، سيارات متعددة، حركة سير خفيفة.

والحديث عن الكارثة، كان بعد بعيداً التداول العام.

تبدأ الصور تتغير، رويداً رويدا، ومع الوصول الى منطقة خلدة من الجهة البحرية، حيث أربع سيارات مركونة الى جانب الرصيف قبالة الشاطئ البحري. تشتد العواصف لبرهة. تخفف السيارات من سرعتها، ويسأل من بداخلها: «خير.. شو فيه ؟«، فيأتيه الجواب بصوت خافت «وقعت طائرة مدنية في البحر».

الطائرة بعيدة جداً عن الشاطئ. لا تراها عين. تقف زمرة من الشبان أمام سياراتهم، ويصوّبون نظراتهم الى الطوافات العسكرية التي تحلق في السماء. يرن هاتف أحدهم، فيعلن للموجودين خبراً عاجلاً: «90 راكباً على الطائرة، من بينهم 50 لبنانياً. وحتى الآن، لم يتم إنقاذ أي من الضحايا».

يطغى الحزن والريبة على سحنات الموجودين. ما زلنا على شاطئ «خلدة»، الذي يسبق مسبح «الكوستا برافا» بأمتار قليلة. يترجل ثلاثة رجال من احدى السيارات، يحدق أحدهم، وهو أربعيني، في غمار البحر. تغرورق عيناه بالدموع، لحظات وينبس شقيقه في أذنه بضع كلمات، ثم ينفجر باكياً: «لك آااه.. لماذا مررنا من هنا؟ لماذا؟ أخبروني أنني أهذي!».

الرجل لا يريد الحديث، أو بالأحرى لا يستطيع أي عاقل أن يتقدم ليسأله عن سبب بكائه. يخبرنا صديقه أن شقيق الرجل كان على متن الطائرة، «متوجهاً الى أنغولا، حيث يعمل في احدى الشركات اللبنانية. المصيبة أننا لم نسمع بالخبر إلا الآن، عبر هذا الشاطئ. الله يساعده».

في الناعمة، الغموض ما زال يلف خبر الكارثة: كيف وقعت؟ متى؟ هل هناك ناجون؟ عدد الطوافات العسكرية ثلاث، وحركة القوى الأمنية تبدأ بالانتشار على طول الطريق الساحلي، أما المارة فلم يعد بينهم من يسأل، بل باتوا يركنون سياراتهم ويترجلون لتبين حقيقة ما يجري عن كثب.

انها السابعة والنصف صباحاً، عند «مسبح العائلات» الواقع في منطقة الناعمة. يتساءل الموجودون عما إذا كانت عمليات الانقاذ ستنجح في إنقاذ أرواح حية. تبدأ السحب بتوزيع أمطارها القوية على الخيم الزراعية المتراصفة أمام الشاطئ. عدسات كاميرات المصوّرين تقفز من مكان لآخر، وتستقر في نهاية المطاف على وجه سيدة. السيدة تنتحب.

هي أيضاً لا تقوى على الحديث، تمشي جيئة وذهاباً أمام الشاطئ البحري، لا تتحدث مع أحد. تشكو همها للبحر، تحدق فيه كأنها تسأل زوجها، خليل صالح، ان كان حياً أم لا.

صالح، كما يقول شقيقه، يعمل في أثيوبيا في مجال الاستيراد، وهو معتاد على السفر الى هناك دوماً، بحكم عمله. زوجة صالح تبكي، أما شقيقه فيحافظ على رباطة جأشه.

تمر ساعة كاملة، تتبدل خلالها ملامح شاطئ خلدة: سيارات كثيرة مركونة على جانبي الطريق، أفواج من عناصر الجيش وقوى الأمن الداخلي ينتشرون في المكان، بالاضافة الى شبان من الصليب الأحمر اللبناني و«الهيئة الصحية الاسلامية». الناس كثر، منهم من أتى بدافع الفضول، ومنهم من قرر المجيء الى هنا قبل توجهه الى المطار، بغية الاطمئنان على ذويه.

يقول سمير فقيه إنه شاهد انفجار الطائرة بأم عينه: «لم أستطع النوم في تلك الليلة، فجلست خلف زجاج شرفة المنزل، الذي يقع في منطقة عرمون، متأملاً البحر، وفجأة رأيت وميضاً في السماء، وسرعان ما تبعه انفجار هائل. اعتقدت أن المقاتلات الاسرائيلية تقصف، أو انها قصفت، فأيقظت الأولاد وهرعنا الى الطابق الأرضي. ثم عرفنا حقيقة الأمر».

أخبار الموت تنقتل من الشاطئ، والذي تحول الى «محطة» إعلامية لغالبية الوسائل المرئية والمسموعة والمكتوبة. يتجمع الناس خلف الفاصل الاسمنتي، أو ما يسمى بالكورنيش. وجوه متجهمة، ونظرات تحدق فقط. تتضارب المعلومات على ألسنة الموجودين: «الطائرة سقطت عقب تلقيها صاعقة قوية»... «سبب سقوط الطائرة يكمن في انفجار، انه عمل إرهابي».

يعبّر فؤاد عن سعادته بابتسامة خفيفة، عقب اتصال سريع تلقاه من صديقه حسن عزة، الذي بدوره كان متوجهاً الى أثيوبيا. «لكنه في اللحظة الأخيرة عدل عن الفكرة. الحمد لله. انني سعيد بهذا الخبر، بيد أن الحزن سرعان ما يتملكني عندما أرى أقارب الضحايا يبكون هنا، أمام الجميع».

تهطل زخات المطر بقوة على رؤوس المتجمهرين، فيهرعون الى سياراتهم. سعادة فؤاد تقابلها مأساة فاتن قيس، الفتاة العشرينية التي توجهت الى الشاطئ لتودع، كلامياً، صديقة طفولتها روان وزني، التي كانت من بين ركاب الطائرة. «توجهت روان مع زوجها ووالدته الى اديس بابا لقضاء شهر العسل. روان تزوجت منذ أسبوع، ولم أحضر حفل زفافها، ولم أستطيع زيارتها» تقول ابتسام. هنيهات وتبكي...

تقذف الأمواج، بين الفينة والأخرى، محتويات وحاجيات متعددة لركاب الطائرة الى الشاطئ الرملي، حيث توزعت عناصر من الجيش اللبناني وفوج «مغاوير البحر»، بالاضافة الى الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني. تستقر الساعة عند الواحدة ظهراً.

يمنع الشاب العسكري اقتراب المدنيين من مخلفات الطائرة، بغية الحفاظ على مقتنياتها، ويسمح للمصورين بالتقاط الصور: كراسي بلاستيكية (المخصصة للطائرات المدنية)، علب سجائر، بقايا جناح طائرة مذيل بعبارة «أثيوبية» باللغة الانكليزية. سكاكر وألعاب للأطفال، وسادة مصبوغة بلون دم قان. حطام طائرة.

تختفي الغيوم من السماء، وتعكس الشمس أشعتها على مياه البحر. تنتقل الحشود الى الشاطئ الرملي. يرتدي شاب نحيل بزة زرقاء، انه من فوج «مغاوير البحر». يقول الشاب إنه ينتظر الوقت المناسب للغطس. «حتى الآن لا جثث قريبة، وزملاؤنا يغطسون في محيط وقوع الطائرة، أما نحن، فمهتمنا هي الغطس عندما نتلقى معلومات عن اقتراب ضحايا الى البقعة التي نقف فيها..هنا».

يستمر المشهد، في خلدة مجددا، على حاله دون العثور على أي ضحية. يتحلق البعض حول وزير الداخلية زياد بارود واللواء أشرف ريفي. يتحدث بارود عن المحاولات التي تقوم بها الجهات المختصة بغية إنقاذ المفقودين. تردف احدى السيدات: «الله يحميكن»، فيعلق زوجها بصوت خافت: «إن شاء الله. بس كمان هني، يعني الدولة، بتتحمل مسؤولية. ما كان لازم تطير الطيارة بهيك طقس. صح؟».

على امتداد «شاطئ الموت» وصولا إلى الأوزاعي، يمتد الانتظار. لا شيء في الأوزاعي، سوى المزيد من الوجوه المتجهمة، تنتظر إنقاذ أحد. من الأوزاعي الى «الرملة البيضاء»، حيث المشهد يختلف عن خلدة: لا بكاء، ولا مخلفات من الطائرة. الناس، هنا أيضاً، تنتظر ...

2010-01-26