ارشيف من :أخبار لبنانية
افتتاحية "السفير" : «الفجر الأسـود»: طائرة الموت تُغرق لبـنان بأحزانه
هي مأسـاة إنسـانية وأكثر. فاجعة لا مثيل لها بين بر لبنان وبحره وجوّه. أكثر من تسـعين حياة وجدت نفسـها في اللاحياة واللاموت. عشرات المفقودين حتى انكشاف مصائرهم، ومن لم أو لن تظهر آثاره، فسيبقى مفقودا حتى إشـعار آخر في قاموس أحبته وأهله وبلده.
وفي ثنايا هذه المأسـاة الجماعية التي جمعت لبنان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، توحد الإنسان اللبناني مع الإنسان الآخر في إثيوبيا أو غيرها، متبعا وجهة الطيران نفسها، إما طلبا للقمة عيش بعدما سُدت الآفاق بوجه أكثرية هؤلاء في بلدهم، وإما حماسة لواجب اجتماعي أو لأسباب أخرى يصعب حصرها وتعدادها.
أيضا في ثنايا هذه الرحلة، تكمن رحلات فردية إنسانية، تحاكي كل واحدة منها حكاية عائلة، ولو أن بعض الحكايات تتشابه، مثلما كانت بالأمس، أحوال عائلات وقرى ومناطق تحاول أن تلملم آثار حزنها بالدموع وحرقة الانتظار والأسئلة والأجوبة المؤجلة.
حداد وطني وأكثر، لم ينتظر قرارا رسميا متأخرا. صحيح أن الاختبار غير مسبوق، لكن اللبنانيين الذين أتقنوا المآسي المماثلة على غير أرضهم، وأبرزها كارثة طائرة كوتونو، والذين يحترفون، من قبل، وربما من بعد، حرفة التغلب على أوجاعهم ومآسيهم وكوارثهم الوطنية، وجدوا أنفسهم، مرة جديدة، متحدين عاطفيا مع أنفسهم ومع بني جلدتهم، من ذوي الوجوه السمراء والبيضاء.
وها هي الدولة اللبنانية، التي نخرها سوس الطوائف والمذاهب، تجتاز، بدورها، امتحان القدرة على مواجهة المآسي الوطنية بروح التكافل والتضامن، فإذا بها كلها، رئيسا ومجلسا نيابيا وحكومة وجيشا وقوى أمن داخلي ودفاع مدني وصليبا أحمر وهيئات روحية وسياسية ونقابية وأهلية وإعلامية، كلمة ومشاعر واحدة، ولو اختلفت بعض الصياغات، غير أنها انضبطت تحت سقف المأساة الواحدة، فقدمت نموذجا كان يمكن أن يكتمل لو تم تدارك بعض الهفوات أو هنّات التقصير، خاصة مع الأهالي الثكالى، بحيث كان ينبغي أن يكون هناك من يتولى مع كل عائلة بمفردها مسؤولية مدها بالأخبار والمعطيات بدلا من ذلك الوقوف الطويل والمذل في صالونات شرف انتظار الرؤساء والمسؤولين أو عند شواطئ استقبال ما تلفظه الأمواج من جثث أو بقاياها أو آثار أصحابها أو في طوابير برادات الموت في المستشفيات...
ومن نافل القول، أن الفرصة سانحة لتدارك ما يمكن تداركه، على مدى الساعات الفاصلة عن إقفال ملف البحث عن المفقودين، وهي عملية تحتاج إلى 48 ساعة على أقل تقدير، مثلما يقتضي الواجب أن تبادر الدولة إلى الإعداد لمأتم وطني رمزي في العاصمة، وربما انطلاقا من مطارها، قبل أن تتوجه أعراس العائدين، إلى قراهم ومناطقهم في لبنان، وغيرهم إلى بلدانهم وأحبتهم.
في كل الأحوال، فإن الرقم الرسمي النهائي لعدد الضحايا ممن انتشلوا حتى ساعات الفجر الأولى، لم يتجاوز الـ 14 رسميا، في ظل استمرار أعمال الإغاثة والإنقاذ، وسط تقديرات حول تضاؤل فرص العثور على ناجين مع تقدم الوقت من جهة، واستمرار العاصفة والأحوال الجوية السيئة من جهة ثانية.
وفي موازاة أعمال الإنقاذ التي تشارك فيها وحدات عسكرية لبنانية وأخرى من «اليونيفيل»، فضلا عن قطع بحرية أميركية وفرنسية وبريطانية وقبرصية، انطلقت التحقيقات اللبنانية والإثيوبية، التي يفترض أن تتكئ في نهاية الأمر، على الصندوق الأسود للطائرة، بحيث يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتتحدد المسؤوليات على الشركة وطاقمها أو على لبنان والمعنيين بالطيران المدني، إلا إذا تبين أن ظروفا قاهرة، متصلة بالعاصفة هي التي أدت إلى وقوع الحادث، وهو أمر مبكر الجزم فيه منذ الآن.
واستنادا إلى مصادر ملاحية في مطار بيروت الدولي، فإن الطائرة الإثيوبية وهي من طراز «بوينغ 737 ـ 800» كانت قد حطت في مطار بيروت قرابة الواحدة والنصف فجر الأحد ـ الاثنين، قادمة من مطار أديس أبابا وعلى متنها أربعون راكبا، «وبعد إنزال الركاب وأمتعتهم وتزودها بالوقود، انطلقت الطائرة في رحلة حملت الرقم 409، من مطار بيروت الدولي متجهة إلى العاصمة الإثيوبية، وكانت الساعة الثانية وسبعا وثلاثين دقيقة فجرا، وقبل أن تحلق تبين وفق آخر تقارير برج المراقبة أن سرعة الهواء متوسطة (280 إلى 340 عقدة) والرؤية مقبولة، وكل ظروف انطلاقة الرحلة كانت متوافرة،
وبالفعل أقلعت الطائرة، ولم تكد تبتعد كيلومترا واحدا (خلال أقل من دقيقة)، حتى تلقى قبطانها نداء من برج المراقبة في مطار بيروت يطلب فيه الانحراف في غير الاتجاه الذي يسلكه تفاديا لدخوله في مسار يقوده إلى مركز العاصفة، ما قد يؤدي إلى وقوعه في مطب تيارات هوائية وبرق ورعد، وسارع القبطان للرد بالاستجابة للأمر، غير أن العكس حصل وتكرر الأمر بعد ذلك، مرتين، وكان جوابه بالإيجاب فيما كان ينحرف في غير الاتجاه المطلوب منه سلوكه، علما بأن رادار طائرته يفترض أن يرصد المعطيات الملاحية نفسها التي كان يزوده بها برج المراقبة في مطار بيروت، بحسب ما أبلغت المصادر الملاحية «السفير».
وتابعت المصادر أن الاتصال بالطائرة فُقد بعد أربع دقائق من إقلاعها، أي عند الثانية وواحدة وأربعين دقيقة.
وإذ رفضت المصادر الجزم في موضوع انفجار الطائرة واحتراقها، بحسب بيان قيادة الجيش، أو أن تكون عوامل الطقس هي سبب سقوطها كما قال وزير الدفاع الياس المر (تراجع ليلا)، استبعدت أي عمل إرهابي أو تخريبي، وقالت إن مطار بيروت شهد قبل الحادثة وبعدها حركة طيران عادية، فقد أقلعت طائرة الـ «ميدل ايست» عند الثانية فجرا إلى باريس وطائرة أخرى للشركة نفسها وفي التوقيت نفسه تقريبا، إلى لاغوس، كما أقلعت طائرة عند الثالثة وعشر دقائق الى براغ (الشركة التشيكية للطيران) وطائرة لشركة «لوفتهانزا» الألمانية عند الثالثة والنصف فجرا إلى فرنكفورت في ألمانيا، فيما هبطت الطائرة الألمانية نفسها عند الثانية والربع بفارق 22 دقيقة عن الطائرة الإثيوبية، وهبطت طائرة يونانية تابع لشركة «أولمبيك» قادمة من أثينا عند الثانية و45 دقيقة، أي بعد ثماني دقائق من إقلاع الطائرة الأثيوبية. كما هبطت طائرة مجرية لشركة «ماليف» عند الثالثة قادمة من بودابست... الخ.
وأوضحت المصادر أن عدد ركاب الطائرة هو تسعون راكبا بينهم سبعة هم افراد الطاقم (لم تسجل أسماؤهم في بيانات القيد)، أما الباقون فيتوزعون على الشكل التالي، وهم: 54 لبنانيا بينهم ثلاثة يحملون جنسيات أخرى (روسية وكندية وبريطانية)، 23 أثيوبيا، تركي، سوري، عراقي وبريطاني وفرنسية تبين أنها زوجة السفير الفرنسي في لبنان مارلا سانشيز بييتون.
وأوضح وزير الصحة محمد جواد خليفة انه تم التعرف الى جثة رجل الأعمال اللبناني حسن تاج الدين والطفل محمد كريك، فيما قال مصدر في الدفاع المدني ان الجثث الـ 14 التي عثر عليها هي تلك التي «لم يكن أصحابها يضعون حزام الأمان والتي طافت على سطح المياه»، مشيرا الى ان الغواصين سيعملون على انتشال اولئك الذين كانوا يضعون الاحزمة والذين نزلوا على الارجح الى عمق اكبر».
وأشار وزير الصحة الى ان أكثر من أربعين شخصا من اقارب المفقودين اللبنانيين اعطوا دما من اجل فحص الحمض النووي، مضيفا انه «لا يمكن البدء بفحوصات الحمض النووي للجثث الا بعد ان يتوافر عدد كبير منها».
وقال القنصل الإثيوبي في لبنان، إن معظم الضحايا من التابعية الإثيوبية من النساء، وبما أن الحظر على سفر الإثيوبيين والإثيوبيات إلى لبنان ما زال سارياً من قبل حكومتهم، فقد كان من الممكن أن يكون عدد الضحايا الإثيوبيين أكبر.
وفيما أعلن وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي، الذي كان أول الواصلين فجرا الى المطار، أنه تم تشكيل لجنة تحقيق تضم خبراء مختصين، بينهم مكتب التحقيق الفرنسي المختص، قال الرئيس التنفيذي لشركة الخطوط الجوية الإثيوبية غيرما وايكي، في أديس أبابا، إن «حوادث الطيران التي تنجم عن أخطاء في قيادة الطائرة أو في الصيانة لا وجود لها في تاريخ الشركة».
وبحسب وياكي فإن أي عطل ميكانيكي لم يتم التبليغ عنه خلال الكشف الروتيني في أديس أبابا، أو عند الإقلاع في بيروت، وقال إن الطائرة مصنوعة في العام 2002، وخضعت لآخر عملية صيانة في 25 كانون الأول الماضي، وقد نجحت في عملية الكشف التقني، علماً بأنها مستأجرة في أيلول الماضي من CIT Aerospace
وكانت الدولة كلها قد توافدت الى مطار بيروت، فيما كان رئيس الجمهورية يتوجه منذ الصباح الى وزارة الدفاع للاشراف مع وزير الدفاع وقائد الجيش على عمليات الانقاذ. ووصـف رئيس الجمهورية لدى تفقده العائلات في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت ما جرى بـ«الكارثة الوطــنية»، مضيفا «انها خسارة كبيرة ليس فقط على الاهل والاحباء، انما على الوطن».
واعلن رئيس الحكومة سعد الحريري الاثنين (أمس) «يوم حداد وطني»، داعيا الى اعتماد الشفافية في التحقيقات في انتظار العثور على الصندوق الأسود.
كما أُلغيت الجلسة العامة للمجلس النيابي، التي كانت مقررة، أمس، بعد اعلان رئيسه نبيه بري الحداد العام، حيث تفقد أهالي الضحايا والمفقودين في المطار، الى جانب رئيس الحكومة الذي قام برفقة عدد من الوزراء وقيادات عسكرية وأمنية، بجولة في مروحية عسكرية لبنانية فوق المنطقة التي تجري فيها عمليات البحث قبالة خلدة والناعمة والأوزاعي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018