ارشيف من :أخبار لبنانية

القطبة المخفية وراء القرار الأميركي بفرض إجراءات على الزوار اللبنانيين

القطبة المخفية وراء القرار الأميركي بفرض إجراءات على الزوار اللبنانيين

"السفير" - جو معكرون

ما يجمع بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي يلتقي به كل المسؤولين الاميركيين والطفل ميكي هيكي الذي يخضع للاستجواب في المطارات، هو وجودهما على لائحة منع السفر الأميركية التي تخصص لمراقبة الارهابيين، في معادلة تختصر التعقيدات البيروقراطية وراء قرار ادارة الرئيس باراك اوباما فرض إجراءات امنية على اللبنانيين القادمين الى الولايات المتحدة.
 
اوجدت الولايات المتحدة بعد اعتداءات 11 ايلول 2001، ما اصطلح تسميته «قائمة مراقبة الارهاب» التي تشمل حوالى 400,000 مشتبه به مفترض، وأرفقتها بلائحة تعرف بـ«اختيار الفحص الأمني الثانوي»، التي تشمل حوالى 14,000 شخص، ويُستغرَب وصول اي لبناني الى اي مطار اميركي من دون استدراك انه على هذه اللائحة.
 
ميكي هيكي (8 سنوات) من نيوجيرسي يخضع للاستجواب والتفتيش منذ كان عمره سنتين لأن اسمه مماثل لأحد المشتبه فيهم على لائحة الارهاب التي كان عليها ايضا السيناتور الراحل تيد كينيدي، في وقت قدم حوالى 80,000 اميركي طلباً رسمياً لإزالة اسمائهم منها.
 
بعد المحاولة الفاشلة لعمر فاروق عبد المطلب بمحاولة تهريب متفجرات في ملابس داخلية، فوق سماء ديترويت في 25 كانون الاول الماضي، اتخذت ادارة امن النقل التابعة لوزارة الامن القومي قرارا في 4 كانون الثاني الماضي، يقضي بفرض اجراءات اضافية على كل حامل جواز سفر من «الدول الراعية للإرهاب» وهي كوبا والسودان وسوريا وايران، و«بلدان اخرى ذات اهتمام» هي افغانستان والجزائر والعراق ولبنان وليبيا ونيجيريا وباكستان والسعودية والصومال واليمن. وتسمح التوجيهات «بفحص عشوائي لاكثرية الركاب على الرحلات الدولية المتجهة الى الولايات المتحدة»، ويضيف القرار «لضمان اعلى مستوى من الامن، الركاب الذين يرتدون ملابس فضفاضة وضخمة بما في ذلك غطاء الرأس، ضباطنا مدربون لاقتراح نقطة فحص خاصة وقد يجرون فحصاً حتى الاسفل».
 
وذكر مصدر في وزارة الخارجية لـ«السفير» انه بالنسبة الى هذه البلدان ذات الاهتمام «لدينا هواجس فيها لا سيما حول المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة»، كما جاء الاجراء بناء على تقرير سنوي يصدر عن مكتب منسق مكافحة الارهاب في وزارة الخارجية. ويعود تقرير «اتجاهات الارهاب العالمي» الى الثمانينيات حيث يذكر ان لبنان شهد اكثر من 112 حادثاً إرهابياً عام 1987، حين كانت الحكومة اللبنانية «غير قادرة على كبح اعمال عدد كبير من المجموعات الارهابية»، لكن المعدل يتراجع الى 28 حادثاً عام 1988، و16 حادثاً عام 1989، و10 حوادث عام 1990 وصولا الى 32 حادثاً عام 1991.
 
وركز التقرير في عام 2009 على «تنظيم القاعدة» حيث اعتبر انه «حافظ على وجود في لبنان. برغم ان الحكومة اللبنانية ترصد بنشاط وتوقف العناصر التابعة لاسامة بن لادن، فإنها لا تسيطر على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث تُجري العناصر تدريبات على الإرهاب والعقيدة المعادية للولايات المتحدة»، محذراً من «مواجهة اخرى ضد مجموعة مسلحة» داخل المخيمات. وبينما التركيز في نيسان عام 2008 كان على «حزب الله» واعتراف الحكومة بشرعيته، رأى التقرير ان الجيش اللبناني خلال مواجهته مع «فتح الاسلام» في مخيم نهر البارد، «اتخذ خطوة قوية في مكافحة ومنع الانشطة الارهابية.المعركة ضد فتح الاسلام سجلت لاول مرة منذ 40 عاماً يخوض فيها الجيش اللبناني نزاعاً رئيسياً ككيان واحد».
 
في البعد الدبلوماسي لاحتواء الازمة، قام السفير اللبناني في واشنطن انطوان شديد بجولة مكثفة من الاتصالات مع المسؤولين الاميركيين، لاستيعاب قرار الاجراءات الامنية المشددة والعمل على رفع لبنان عن هذه اللائحة. واجتمع حتى الآن لإبلاغ احتجاج لبنان على هذه الخطوة، مع مستشار الامن القومي في البيت الابيض جيمس جونز، ومسؤول الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي دان شابيرو، ومساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الادنى جيفيري فيلتمان، ووزير المواصلات من اصل لبنان راي لحود، ووكيل وزيرة الامن القومي راند بيرز، المعني ببرنامج المؤشر الالكتروني لاوضاع الزوار والمهاجرين، إضافة الى كبار المسؤولين في ادارة أمن النقل.

وتطرّق شديد في حديث لـ«السفير» الى مضمون هذه الاتصالات، مشيرا الى ان المسؤولين الاميركيين دافعوا عن قرار الادارة من دون اعطاء تبريرات مقنعة ومفصلة تشرح لماذا اتخذت هذه الإجراءات. وذكر انه سعى لايصال رسالة مفادها ان مطار بيروت يتبع إجراءات أمنية مطابقة للمعايير الدولية، وان لدى لبنان «سجلاً في مكافحة الإرهاب ومن التعاون مع كل اجهزة الاستخبارات»، وان الاجراءات التي اتخذتها الادارة «فيها تمييز حيال جواز السفر اللبناني الذي سيتعرّض لضغوط دولية».
 
وابلغ شديد المسؤولين الاميركيين «ان الحكومة اللبنانية مستعدة لبحث تحسين تدابير تفتيش الركاب وأمن الطائرات وشراء الآليات الضرورية او قبول منح اميركية لهذه الغاية».
 
الخطوة الثانية بعد الاحتجاج ضمن الأصول الدبلوماسية، بالنسبة الى شديد، هي رفع لبنان عن هذه اللائحة بحيث طلب من المسؤولين الاميركيين إعادة النظر بهذا القرار، وهو يعمل بإيجابية في خطواته الدبلوماسية لإقناع الأميركيين بالتجاوب مع المطالب اللبنانية، ومن الممكن البناء على هذه الاجتماعات لأنه سمع من الإدارة أن هذه الإجراءات «قابلة لإعادة التقييم والمراجعة بشكل دوري».
 
لا ثقة بالإجراءات اللبنانية

وتقول مصادر حكومية اميركية لـ«السفير» ان واشنطن تتعمد عدم التعليق على الخطوة التي اتخذتها او على عدم إعطائها ضوء أخضر لرحلات مباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، لكن تعكس اجواء وزارة الامن القومي عدم ثقة بالاجراءات الامنية في مطار بيروت، لا سيما ان ادارة الطيران الفيدرالي لم تذهب يوماً الى لبنان لتقييم التزام المديرية العامة للطيران المدني بالمعايير الدولية. وتنبع عدم الثقة هذه بالوضع الامني ـ السياسي في لبنان بشكل عام، ولا تتعلق بإجراءات امنية تقنية محددة لا يتخذها الجانب اللبناني.
 
وكان جونز قد اتصل بوزيرة الامن القومي جانيت نابوليتانو قبل التوجه الى بيروت في زيارته الأخيرة لمعرفته مسبقاً ان هذا الامر سيطرح على طاولة البحث، وأبلغته نابوليتانو ان القرار حول لائحة الدول قد اتخذ بسرعة وليس دائماً ووعدت بمراجعة الامر، وهو ما قام جونز بايصاله الى المسؤولين اللبنانيين. وفي المحصلة يجب عدم توقع تحقيق هذا الامر بين ليلة وضحاها، لا سيما في ظل التعقيدات البيروقراطية للادارة الاميركية.

لكن هناك تاريخاً معقداً من العلاقات الجوية الاميركية اللبنانية. لقد رفعت ادارة الرئيس الاسبق جورج بوش في حزيران 2007 الحظر الاميركي الذي فرض على حركة النقل الجوي اللبناني، منذ خطف طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية «تي دبلوي ايه» رحلة 847 في حزيران 1985، عندما قتل جندي في البحرية الأميركية على متنها، فسمح هذا القرار لشركات النقل الجوية الاميركية المتعاقدة مع الحكومة الاميركية الدخول الى والخروج من المجال الجوي اللبناني. وقبلها في تموز 1997، رفعت ادارة الرئيس الاسبق بيل كلينتون قرار الحظر الذي يمنع المواطنين الاميركيين من التوجه الى لبنان. وخلال زيارته الى واشنطن في ايلول 2008، حصل الرئيس ميشال سليمان على موافقة اميركية مبدئية على توقيع اتفاقات شراكة تسمى Codeshare بين «طيران الشرق الاوسط» وشركات الطيران الاميركية، لكن لم تحصل بعد اي شراكة فعلية من هذا النوع، ومن المستبعد ان تعتمد قريباً سياسة الأجواء المفتوحة بين البلدين.
 
وبحسب «شبكة سلامة الطيران»، وقع في لبنان منذ الاستقلال حتى اليوم اكثر من 50 حادث طائرة مدنية ابتداء من 30 كانون الثاني 1948 حين حصل ضرر لا يمكن إصلاحه اثناء هبوط طائرة مدنية تابعة لـ«طيران الشرق الاوسط»، ونهاية بكارثة الطائرة الاثيوبية هذا الاسبوع. اكثرية الحوادث التي شملت «طيران الشرق الاوسط» كان تعرّضها لقصف من المقاتلات الاسرائيلية على أرض مطار بيروت، اولها كان في تموز 1950 لطائرة مدنية لبنانية تابعة لـ Air Liban تحلق في الاجواء اللبنانية حيث قتل اثنان من ركابها الـ27. وتشير منظمة الطيران المدني الدولي إلى ان حركة الركاب في مطار بيروت تراجعت من 2,75 مليون سنوياً عام 1974 الى 230,000 فقط عام 1989، قبل ان ترتفع الى 1,67 مليون عام 1995 و2,44 مليون عام 2001 وتجاوزت 4 ملايين راكب عام 2009.
 
ويزور دورياً وفد أمني متخصّص من المنظمة مطار رفيق الحريري الدولي لمتابعة التزام لبنان بالمعايير الأمنية الدولية في مطار يستضيف حوالى 54 شركة طيران دولية. وهناك اتجاه أميركي ألمحت اليه نابوليتانو في خطاب لها بالأمس، الى وضع معايير دولية مشتركة لتبادل المعلومات والتدقيق بالركاب وتكنولوجيا التفتيش الأمني، على ان تتابع تنفيذها منظمة الطيران المدني الدولي التابعة للأمم المتحدة.
 

2010-01-28