ارشيف من :أخبار لبنانية

لقمة الاغتراب المغمّسة بالدم: «إمبراطورية» لا تغيب عنها الشمس

لقمة الاغتراب المغمّسة بالدم: «إمبراطورية» لا تغيب عنها الشمس
"السفير" - ادمون صعب

يغرق لبنانيون كثيرون في الحزن على ضحايا «طائرة الموت» الأثيوبية التي خطفت أرواح أكثر من 90 راكباً فجر الأحد ـ الإثنين، بينهم 54 لبنانياً معظمهم من الشيعة الجنوبيين، ومعهم عدد من المسيحيين والسنة والدروز وقد قذف بهم وطنهم إلى أبعد المهاجر وأظلمها، حيث يحاولون الهرب من الموت الذي يتربص بهم باستمرار في قارة تجتاحها الحروب الأهلية ولم يذق أهلها طعم السلام منذ بدأ يجلو عنها الاستعمار. كما تطاردهم إسرائيل لقطع رزقهم بعدما أذاقوها مرّ الهزيمة في حرب تموز التي سقط فيها أكثر من 1300 شهيد بين الجنوب والضاحية، حزن عليهم لبنانيون كثيرون، ولكن ليس جميع اللبنانيين مع أنهم قريبون إليهم في لحمهم ودمهم!

نقول إن ضحايا الطائرة من اللبنانيين خصوصاً، لم تحظ بحزن وطني جامع نظراً إلى أن هؤلاء قد فقدوا «الحس الوطني المشترك»، كما يسميه بعض الباحثين في علمي الاجتماع والنفس، منذ بداية الحرب اللبنانية عام 1975، وربما قبلها، حيث كل عنزة تعلقت بـ«كرعوبها». إذ قال مسيحيون لأهل لهم بعد انحياز السنّة إلى الفلسطينيين، «ما عاد ينعاش مع السنة»! ثم جاءت حرب الجبل عام 1983 فقال مسيحيون آخرون لأهل لهم: «ما عاد ينعاش مع الدروز»!
 
وبعد حرب تموز وأحداث 7 أيار في بيروت واستمرار المقاومة في حمل السلاح بعد انسحاب الإسرائيليين من الجنوب في 24 أيار 2000، قال مسيحيون، غالبيتهم مارونية لأهل لهم: «ما عاد ينعاش مع الشيعة»!
 
ومع فقدان التضامن الذي دعا إليه «الإرشاد الرسولي» والحس المشترك «للبنان التاريخي، ارتخت الأرض تحت أقدام المسيحيين الذين يشكلون العدد الأكبر في «الدياسبورا» اللبنانية ففصلوا بين الأرض والوطن وراحوا يبيعون الأرض التي تحولت مساحة تقاس بالأمتار فحسب، ويغادرون الوطن بأعداد كبيرة قدرت بين منتصف الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بأكثر من 80 ألف مواطن سنوياً، وانتشروا في أنحاء العالم «إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس»، لها كنائسها ومدارسها وأديارها...
 
وهكذا انكسرت صورة الوطن الواحد والشعب الواحد، وغدا العيش المشترك الذي نتغنى به اليوم أسطورة، والبعض يقول «تكاذباً مشتركاً» نظراً إلى انعدام العامل المشترك بين اللبنانيين.
 
من هنا كان الحزن على ضحايا الطائرة جزئياً، وفئوياً. إذ من اللحظة الأولى التي أعلن فيها النبأ الفاجعة، سارع كل فريق إلى معرفة الهوية الطائفية، بل المذهبية، للركاب مما «خفّف» وطأة الحزن في بعض الأوساط وحصره في قرى وبلدات وعائلات معينة.

وهذا لعمري هو الخطر الذي يتربص بالوطن فيبدو مثل الطائرة الأثيــــوبية معرّضاً للسقوط في قاع البحر من دون أن يكون هناك إمكان لانتشال ولو كائناً حياً واحداً من الأعماق.

وإن كــــل ما يمكن انتــــشاله أشلاء، أو أجساد مشوهة مـــن دون رؤوس، أو أعضـــاء مشلّعة قد لا تتوصـــل اختبارات الحمـــض النووي إلى تحديد هويات أصحابها.

لذلك كانت دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، في إطار بناء «طائرة» آمنة، مقاومة للأخطار والأنواء والعواصف تعيد مواطنين هجروا وطناً طارداً لهم، إلى وطن جاذب لأبنائه، يطمئن المقيمين فيه إلى مستقبلهم، ويحضن المغتربين ويحفظ لهم «مرقد العنزة» إلى الأبد.

وكم كانت مصادفة رائعة أن تعرض إحدى الهيئات المسيحية مسألة بيع الأراضي في كسروان وبعبدا والمتن، أبرز المعاقل المارونية، لمالكين خليجيين سعوديين أولاً، ثم كويتيين فإماراتيين، في الأسبوع الذي كان يتعرض فيه اقتراح الرئيس بري في شأن تأليف الهيئة لنوع من الإرهاب، خصوصاً من جانب فريق من المسيحيين، علماً أن المسلمين كانوا صرحوا أكثر من مرة بأنهم ضد إلغاء الطائفية السياسية إلا أنهم لا يعارضون البحث فيها لأنها واجب دستوري فرضه اتفاق الطائف الذي حاز إجماعاً مسيحياً ـ إسلامياً، وهذا ما طرحه الرئيس بري.

ففي المؤتمر الصحافي الذي عقده الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في 30 تشرين الثاني الماضي لإعلان وثيقة الحزب، سئل عن «السبيل لإلغاء الطائفية السياسية من دون أي مشاكل في لبنان». فأجاب: «لنكن واقعيين. إلغاء الطائفية السياسية من أصعب الأمور. وللأسف الشديد فإن كثيراً ممن نادوا وينادون بإلغاء الطائفية السياسية ليسوا جادين في هذا الأمر. ويطلقونه كشعار سياسي كي يقولوا إننا منفتحون وحضاريون كل وما شاكل (...) وفي كل الأحوال الدعوة التي وجهها الرئيس نبيه بري لتشكيل هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية استفزت البعض. ولا داعي لأن نستفز هذا البعض، لأننا عندما نقول بتشكيل مثل هذه الهيئة فلا يعني ذلك أننا ألغيناها. إذ يمكن أن يظل الحوار حول سبل إلغاء الطائفية السياسية خمس سنين أو عشر سنين أو عشرين أو ثلاثين سنة، الله أعلم. في النهاية لا أحد يقدر أن يقول كيف يمكن إلغاء الطائفية السياسية. يجب أن نجلس مع بعض ونتكلم بصراحة عن مخاوفنا وهواجسنا والتطمينات والضمانات. وكيف نقوم بالإلغاء.
وممكن بعد نقاش طويل وعريض لا نضحك فيه على بعضنا البعض أن نصل إلى نتاج مفاده أن ما اتفق عليه في الطائف في هذه النقطة لا يمكن تحقيقه، فلا يمكن إلغاء الطائفية السياسية. إذاً فلنحافظ على النظام الطائفي، ولكن فلنحاول أن نصلح هذا النظام أو نعدّله أو نطوّره أو نحدّثه حتى لا نظل حيث نحن. وإن الخطوة الطبيعية في اتجاه هذا الهدف هي هــــيئة وطنية عليا تجلس وتحاور وتناقش بهدوء ومن دون ضغط أو عجلة. هذا الأمر هو الأساسي والحيوي».
 
وقد يكون أهم ما قاله نصر الله في مؤتمره الصحافي، وتجاهله الإعلام أو لم «يلتقطه»، هو جوابه عن سؤال يتعلق بنهائية الكيان اللبناني وبرأيه في أن لبنان «رسالة»، بفضل العيش المشترك الذي أدرج في مقدمة الدستور وجعل مقياساً للشرعية: «إن لبنان أكثر من رسالة، إنه نعمة». وأشار إلى ان لبنان بالنسبة إليه وإلى الشـــــيعة هو الأرض التـــي تضم رفات الشهداء والأجداد. لذلك تصبح مقدسة تستحق بذل الأرواح في سبيلها.

عن هذه «النعمة» ندعو اللبنانيين، والمسيحيين خصوصاً، إلى جعل الهدف الأسمى لإلغاء الطائفية السياسية، إلغاء الطائفية عموماً من النفوس والنصوص معاً، وإزالة الحواجز بين الطوائف، بما يفتح الطوائف بعضها على بعض، عيشاً، وتزاوجاً، واختلاطاً في الدم، وصولاً إلى مواطنية واحدة، وشعب واحد فوق أرض واحدة، وربما إلى أمة واحدة هي الأمة اللبنانية بمفهومها العلمي والواقعي. وهذا يتطلب وقتاً وعـــــادات وتقاليد. والوقــت أيضاً يتطلب وقتاً على ما قال ميشال شيحا.
 
وهكذا يعود إلى الاتحاد بأرضه، يعطيها من عرق جبينه وحتى دمه، فتعطيه خيراً وعزة وكرامة فلا يبيعها لأي كــــان، ويتشـــبث بها فلا يغادرها إلى غير رجعة كما يحصل حالياً.
 
كما لا تعود هناك حاجة إلى طرح استعادة الجنسية ولا إلى اقتراع المغتربين. ولا يطرح أساساً موضوع اقتراع من بلغ 18 عاماً من اللبنانيين لأنهم سيصبحون متساوين كمواطنين في الحقوق والواجبات، تحت مظلة المواطنية أساساً للمساواة.
 
وقد سئل ألكسي دوتوكفيل، القاضي الفرنسي الذي جال في الولايات المتحدة الأميركية عام 1831 محاولاً اكتشاف أسرار الديموقراطية الفتية في العالم الجديد: ما هو أكثـــر ما لفتك من أسرار هذه الديموقراطية؟

فأجاب: ثلاثة عوامل: 1 ـ نظرة أهلها إلى الأرض بدلاً من النظر إلى السماء، مصدراً للحرية وينبوع خيرات. 2 ـ التزاوج بين الجماعات المختلفة الألوان والأعراق. 3 ـ المساواة بين أفراد وضعوا شريعة للحكم والحياة فمالوا إليها وانقادوا لها دون عناء، واحتُرمت فيها سلطة الحكومة على أنها ضرورية لا إلهية. وقد توافرت لكل مواطن حقوقه، وأمّن الحفاظ على هذه الحقوق، فنشأت بين الطبقات ثقة متينة العرى وضرب من التنازل المتبادل بعيداً من العجرفة بعده عن الصغارة».
وأضاف: ولذلك أخذت الطبقات تختلط، والحواجز المرفوعة بين الناس تتدنى، والأملاك تتقسم، والسلطة تتوزع، وأضواء المعرفة تنتشر، والعقول تتساوى، والوضــع الاجتماعي يستــــحيل ديموقراطية، ويستوي سلطان الديموقراطية آمناً في المؤسسات والتقاليد.

وإذ سأل هو عما إذا كان تعدد المذاهب لا يؤدي إلى التنافر والانقسام، أُجيب: «إن تعدد المذاهب أدى إلى التسامح. إذ لو كان هناك دينان أو مذهبان فقط لقطع أحدهما عنق الآخر أو دقّه».
 
ما هو الطريق إلى «النعمة» أو «الحياة المشتركة»؟

يجيب فيلسوف لبنان شارك مالك بـ«التكيّف». وهو الذي أدلى بشهادة أمام الكونغرس الأميركي في 16 آب 1978 قال فيها إن «لبنان مريض ويرفض تناول الدواء، لذلك يجب أن يُعطى الدواء بالقوة».

وكان مالك طرح فكرة التكيّف حلاً للصراع العربي ـ الإسرائيلي، منتصف سبعينيات القرن الماضي، على أساس أن لا مجال لإقامة «دولة ديموقراطية» في فلسطين، كما كان مطروحاً آنذاك من زعيم حركة «فتح» ياسر عرفات، إلا بعد اختبار إمكانات التعايش أو التكيّف، حتى إذا ما نجحت تجربة تكيّف الفلسطينيين والإسرائيليين في العيش معاً فوق أرض واحدة، تم الانتقال إلى البحث في السلام والتطبيع الخ... وإلا فلا مجال إلا لدولتين واحدة يهودية، وأخرى عربية إسلامية ـ مسيحية مختلطة.
 
وقد طرح مالك نظريته هذه في أمسية نظمها «نادي النسور» الذي يضم متخرجي الانترناشول كولدج، ودُعيت إليها مع الزميل جهاد الخازن الــذي كان آنذاك رئيساً لتحرير جريدة «الدايلي ستار» باللغة الانكليزية.
 
وأفاض فيلسوف لبنان في شرح نظريتيه مستبعداً إمكان قيام دولة ديموقراطية في فلسطين.وما ان فرغ من حديثه حتى ران صمت مطبق على المكان. ولم يبادر أحد إلى مناقشة مالك في أطروحته. فكان أن وقفت ورحت أناقش الرجل في ما قال معتبراً ذلك ترويجاً للمشروع الصهيوني في فلسطين، وتبريراً لاغتصاب الأرض الفلسطينية ودعــــوة للاستسلام أمام المشروع الصهيوني المعادي للبنان وفلسطين.
 
فاستشاط الرجل غضباً وقال: «يا ابني، من أنت حتى تنـــــاقش شارل مالك؟ فأنا أتحدث إلى التاريخ. ومسؤول عن كــــلامي بعد 150 سنة، بينما أنت الصحافي لا تستطيع أن تكون مــــسؤولاً عن كلامــك أكثر من 24 ساعة تفصل بين عدد وعدد من جريدتك».

فانبريت له قائلاً: «عفواً، إني لم أعرف أني أناقش شخصاً يقول كلاماً مُنزلاً كأنه إنجيل. وإني لآسف أن يكون رجل بجبروتك لا يتحدث إلا إلى التاريخ يفتقر إلى التواضع، ويرفض محاورة البشر. وإني لأعجب كيف يصغي إليك التاريخ يا أيــها الفيلسوف النــــبي الذي يعتبر كــلامه مقدساً وغير قابل للمناقـــشة».
وعلى الفور نهض شارل مالك، وقال: «إني أعتذر منك أيها الشاب. وأرجوك أن تقبل اعتذاري أمام الجميع. فأنـــا لم أقصد إهانتك».
 
ونشر الزميل جهاد الخــازن في اليوم التالي خلاصة لما جرى في الصفحة الأولى من «الدايلي ستار»، وأرسل إليّ قصاصة منها مع بطاقة شخصية يقول فيها: «احتفظ يا صديقي العزيز بهذه القصاصة لتعرضها ذات يوم على أحفادك وتقول لهم إنك تصدّيت لفيلسوف لبنان وقارعته ودافعت عن لبنان وفلسطين».
 
إن «النعمة» التي نصبو إليها عبر إلغاء الطائفية والتي ستكون مادة للبنان «الرسالة» أرادها البابا للبنان في «الإرشاد الرسولي»، يجب أن تجد طريقها عبر تكيّف «شعوب» لبنان واندماجها في بوتقة حضارية تجعل منـــه متحداً اجتماعياً واحداً، متنوع الدين والمذهب والإثنية والثقافة.وبذلك يصبح لبنان كياناً نهائياً.
2010-01-28