ارشيف من :أخبار لبنانية
سيبة الأمن والعدل والمال
غياب الحدث السياسي عن الواجهة بفعل حدث الفاجعة، لا يبدو أنه سيطول. وإن كانت الحماوة التي رافقت الأسبوعين الماضيين ستبرد قليلاً، وستتيح الاتصالات والوساطات حلحلة بعض العقد وإعادة ترتيب بعض العلاقات التي اهتزّت أخيراً. إلا أن الأمور لا تسير فقط بحسب ما تفرضه روزنامة الاستحقاقات الفعلية. وبحسب غالبية المعنيين، فإن ملف التعيينات الإدارية والأمنية هو الأكثر حضوراً على طاولات البحث، وإن ملف الانتخابات البلدية قد يُرحّل مجدداً إلى أمد إضافي، وخصوصاً إذا نجحت مساعي نافذين في جعل التأجيل التقني يمتد من شهر إلى سنة على الأقل.
في ملف التعيينات، لن تكون سهلة معالجة المشكلات الظاهرة إلى العيان، وهي تتنوع من مشكلات الحصص والأعراف المتّبعة في إسناد هذا الموقع إلى هذه الطائفة أو تلك، إلى البحث في حصص الأطراف النافذين داخل كل طائفة ومذهب، إلى الخلاف على النفوذ الذي ينحصر عملياً في دائرة أصحاب القرار. وكل هذه الأمور تدل على وجود عقد كانت الطبقة السياسية الحالية قد تعوّدت معالجتها من خلال تدخّل طرف آخر. في سنوات سابقة، كان في مقدور سوريا حسم الأمر يساراً أو يميناً، وكان في مقدورها إنتاج آلية تعويض لمن خرج من عرس الإدارة مغبوناً. والآن ثمة صعوبة في قيام طرف خارجي بممارسة هذا الدور، وأكثر ما يمكن القيام به من الخارج هو إرسال لوائح الفيتو والتحذيرات التي تحول دون وصول البعض إلى مواقع إدارية رفيعة. لكن النقاش الحقيقي سيكون داخل لبنان، وبين مجموعة من الأقطاب يؤلّفون الآن مجلس الوزراء مجتمعاً.
حتى اللحظة، لا يبدو أن هناك حماسة لبتّ مبدأ إجراء تغييرات إدارية في الأجهزة والمؤسسات الأمنية، علماً بأن الحديث يتركز على منصب المدير العام للأمن العام. وإذا كان الرئيس سعد الحريري لا يجد ما يوجب تغيير قيادة قوى الأمن الداخلي كلها، فإن رئيس الجمهورية ميشال سليمان لا يجد مبرراً لإبعاد اللواء وفيق جزيني المحسوب عليه عن إدارة الأمن العام دون ضمان حقه في تسمية البديل. أما رئيس المجلس نبيه بري، فيجد أن رفض اقتراحه وضع آلية خاصة لغربلة المرشحين، هو دعوة له ولغيره من القيادات البارزة للعودة إلى منطق المحاصصة. وساعتها، لا يجد بري أي داع لأي نوع من المناقلات بين الطوائف على المواقع الشاغرة.
في الملف المالي، يبدو أن مقاربة ملف لجنة الرقابة على المصارف لا تخرج عن التقليد القائم منذ عقدين إلى الآن، وهو أمر يسهّل للقطاع المصرفي ولحاكم مصرف لبنان رياض سلامة استخدام الأسلوب نفسه في الترشيح والاختبار، ولو تطلّب الأمر اتصالات إضافية مع عدد إضافي من المرجعيات، بحيث تكون الحصيلة تأليف لجنة تضم مندوبين عن القطاع المصرفي، مع بطاقة انتساب إلى هذه الطائفة أو هذه المرجعية أو هذه الجهة.
في ملف وزارة العدل، وما لم يكن هناك مجال لتوقّع الانقلاب الوحيد الذي يدعمه الجمهور بفصل القضاء عن باقي السلطات، فإن أي تعيينات في أي موقع لن تكون علامة على تغيير جوهري في أداء هذه الوزارة، التي لم تنجح في انتزاع هوامش إضافية لها من قبل سلطة تسيطر عليها بطريقة أكثر قوة من الماضي. ويكفينا، حتى إشعار آخر، أن الجهة التي اختارت وزير العدل في حكومتين إلى الآن، تحتاج إلى مساءلة قضائية مفتوحة.
أما بقية المواقع، فهي ليست أقل أهمية، لكنها تظل خارج الحسابات المباشرة للأقوياء، الذين يعرفون أن الإمساك بسيبة الأمن والعدل والمال، يتحكم في البلاد والعباد إلى أن يقضي الله أمراً...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018