ارشيف من :أخبار لبنانية

العونيـون: تجـري الريـاح بمـا تشتهـي سفننـا

العونيـون: تجـري الريـاح بمـا تشتهـي سفننـا
"السفير" - عماد مرمل

برغم أن جميع الأطراف الرسمية والسياسية في البلد تؤكد حصول الانتخابات البلدية في موعدها، إلا أن هناك إحساسا قويا لدى البعض بأن إجراءها في التوقيت المقرر في حزيران المقبل قد لا يكون متاحا بعد، لأسباب يختلط فيها ما هو تقني وإصلاحي مع ما هو سياسي وفئوي.

لا أحد من القوى الداخلية يجرؤ بطبيعة الحال على إشهار عدم رغبته في إجراء الانتخابات البلدية في موعدها، ولكن المعلن يختلف على الأرجح عما يُضمر من حسابات ونوايا. ومع ذلك، فإن العديد من الأفرقاء الفاعلين في ساحاتهم بدأوا يتصرفون وكأن الانتخابات حاصلة غدا، تجنبا لـ«غدرات الزمن» وتفاديا للكلفة العالية التي ستترتب على أي تقديرات خاطئة.
 
ولئن كان الطابع العائلي والمناطقي يطغى كثيراً على الاستحقاق البلدي، إلا أن ذلك لا ينزع عنه البُعد السياسي الذي تظل له مساحته في تركيبة اللوائح والتحالفات وفي ثنايا الحملات الانتخابية، لا سيما على مستوى البلديات الكبرى في المدن والبلدات الرئيسية، حيث تتخذ المواجهة عادة طابعاً حاداً، على إيقاع الاصطفافات الحزبية والسياسية.

ولعله يمكن الاستدلال على أهمية الانتخابات البلدية من التجاذب المرتقب، الذي بدأت عوارضه بالظهور تدريجياً، حول الإصلاحات التي يقترح وزير الداخلية زياد بارود إدخالها الى قانون الانتخابات، وخصوصا في ما يتعلق باعتماد النسبية في المدن الكبرى وانتخاب رئيس البلدية ونائبه من الشعب، وهما اقتراحان من شأنهما لو أُخذ بهما أن يخففا من وطأة «الوكالات الحصرية» لأقطاب السياسة وأن يحدا من سطوتهم على العمل البلدي، لمصلحة توسيع حجم التنوع داخل المجالس البلدية واكتسابها جرعة إضافية من الشرعية الشعبية.
 
ويمكن القول إن بيروت ستشكل محور الكباش المتوقع حول المشروع الانتخابي لما تحمله، كعاصمة، من رمزية ودلالات تجعل التيار الوطني الحر يستشرس في سبيل ضمان تقسيمها الى ثلاث دوائر انتخابية على الأقل، تعطي المسيحيين القدرة على التعبير عن ذواتهم وخياراتهم من دون أن يكونوا ملحقين بقاطرة الأكثرية الطائفية، فيما لا يبدو تيار المستقبل بوارد القبول بهذه الصيغة، معتبرا أن بقاء العاصمة موحدة لا يمس بالتوازن المحفوظ في المجلس البلدي من خلال المناصفة في عضويته بين المسلمين والمسيحيين.

أكثر من ذلك، يستعد تيار المستقبل لخوض معركة «استعادة» بلدية صيدا من تحالف عبد الرحمن البزري ـ أسامة سعد، استكمالا لنتائج الانتخابات النيابية التي آل بموجبها مقعدا المدينة الى النائبين فؤاد السنيورة وبهية الحريري. وبهذا المعنى، يصح القول إن تيار المستقبل هو الأكثر حماسة لإجراء الانتخابات البلدية في موعدها، مفترضا أن زخم الانتصارات الكاسحة التي حققها في الانتخابات النيابية سيتيح له أن يعزز حضوره في الجسم البلدي.
 
بموازاة ذلك، هناك في قوى 14 آذار من يتهم التيار الوطني الحر بأنه المتضرر الأكبر من حصول الانتخابات البلدية في حزيران المقبل، وبالتالي فهو سيرفع سقف شروطه المتصلة بها وبقانونها للإيحاء في العلن بأنه يريد المحافظة على حقوق المسيحيين بينما هدفه الحقيقي الدفع في اتجاه تأجيلها أطول وقت ممكن، تهرباً من اختباراتها الصعبة.

وحسب تحليلات أصحاب هذا الرأي في فريق 14 آذار، فإن العماد عون يخشى من أن تلحق به هزيمة قاسية، تأسيساً على حصيلة الاستحقاق النيابي الأخير وعلى نتائج الانتخابات النقابية والطالبية قبل أشهر، مشيرين الى أن حساباتهم ترجح أن يخسر الجنرال غالبية البلديات في المناطق الصافية مسيحياً، خصوصا أن الصوت الشيعي أو الأرمني لن يكون قادراً على التدخل الحاسم هذه المرة في كل بلدة وقرية لإنقاذه، كما حصل في أكثر من قضاء خلال الانتخابات النيابية السابقة، وفق ما يتداوله هؤلاء.

يهزأ «العونيون» من هذه الفرضية، معتبرين أن عكسها هو الصحيح. بالنسبة إليهم، فإن الرياح تجري بما تشتهي سفنهم الانتخابية للاعتبارات الآتية:
ـ ان التطورات السياسية أثبتت مؤخرا صوابية الخيارات الاستراتيجية للعماد عون، بحيث عاد الى الالتحاق بها من كان قد حاربه بسببها، الأمر الذي من شأنه أن يُنصف الجنرال في بعض الأوساط المسيحية التي كانت قد ابتعدت عنه.
 
ـ ان العوامل الضاغطة التي واكبت الانتخابات النيابية ودفعت شريحة من الناخبين الى الاقتراع لـ14 آذار تقلصت الى حد كبير، لان طبيعة الانتخابات البلدية لا تحتمل الإفراط في استخدام «الأسلحة المحرّمة» من نوع المال السياسي والتحريض الإعلامي والإنزال الاغترابي والإرهاب الفكري، ما يتيح للمواطن أن يؤمن حماية أكبر لقناعاته وأن يعبر عنها بحرية أوسع في صندوق الاقتراع، مع تسجيل أن بعض رؤساء البلديات باشروا في صرف نفوذهم لتحسين قدراتهم التنافسية سواء عبر التوظيف لاستمالة عائلات معينة أو من خلال تقديم مساعدات اجتماعية موجهة تتراوح بين 200 و300 ألف ليرة الى عائلات أخرى، وغيرها من الوسائل الترويجية.
 
ـ ان الاستحقاق البلدي هو عبارة عن خلطة يمتزج فيها العائلي بالسياسي، وبالتالي فإن مفاعيله وأشعته تؤدي الى تفتيت القوى، لا سيما إذا كانت رخوة، ما يدفع الى الاعتقاد أن خصوم التيار ضمن مسيحيي 14 آذار لن يكونوا جبهة متراصة في مواجهته، بل سيعانون من خطر التصدع الناتج من الاعتبارات المحلية.
 
ـ ان التيار الحر الذي حقق نتائج إيجابية في الانتخابات البلدية عام 2004 برغم أنه خاضها وسط ظروف غير ملائمة (العماد عون خارج لبنان.. لا كتلة نيابية.. الإطار التنظيمي ضعيف.. ضغوط متنوعة) يبدو اليوم في جهوزية أفضل قياسا الى التجربة السابقة.

ويؤكد «العونيون» أن «التيار الحر» يميل الى ترك الأمور تأخذ مداها في المناطق التي يمكن أن تشهد تنافسا محصورا بين عائلات برتقالية، إذا لم ينجح في التوفيق بينها، على أن تتبدل الاستراتيجية في المناطق التي ستشهد أرجحية للفرز السياسي، بما يتيح مشاركة فعالة ومنظمة للتيار ترشيحاً واقتراعاً، على قاعدة الاستفادة من الأخطاء والثغرات التي ظهرت في تجربة السابع من حزيران الماضي.
 
وبالفعل، بدأ «التيار الحر» بتفعيل استعداداته للاستحقاق البلدي، متجاوزا فرضية التأجيل المتداولة، عبر تشكيل لجنة متخصصة تضم 8 كوادر قيادية، التقت الاثنين الماضي مع العماد عون في الرابية وهي ستعقد اليوم أول اجتماعاتها لوضع خطة عملها التي تتضمن إعداد دراسة أولية للواقع الميداني وتشكيل لجان تنسيقية مع مسؤولي المناطق ونواب تكتل التغيير والإصلاح.
2010-01-29