ارشيف من :أخبار لبنانية

افتتاحية "السفير": اليوم الرابع: أربعة مآتم ... وأربعون كلم2 من الانتظار

افتتاحية "السفير": اليوم الرابع: أربعة مآتم ... وأربعون كلم2 من الانتظار
هي اللهفة نفسها لم تتبدل. أهل يتسمّرون يوميا أمام الشاشات الصغيرة أو أمام مستشفى بيروت الحكومي في انتظار وديعة البحر، أو وديعة برادات الموت تفرج عمن عادت لهم هوياتهم، فصار بإمكانهم أن يمضوا في رحلتهم الأبدية... تحيط أجسادهم الباردة، حرارة الأهل ومرارتهم وحرقتهم وغضبهم البلاحدود.
 
هي الحرقة نفسها تركت أثرا، بالأمس، في كل بيت فيه وردة شبيهة بجوليا الحاج ابنة الثلاث سنوات، يحيط جثمانها الندي بحر من الورود والدموع ولعبة صغيرة سها عن بالها أن تصطحبها معها في رحلتها الأولى والأخيرة الى القارة السمراء مع والدين... لم يعرفا ما آل إليه مصير ابنتهما ولا هي عرفت ما اصابهما حتى الآن.
هي حرقة أم طوني الزاخم تلاحق نعش ابنها في مسقط رأسه الكورة، تسأله عن الصورة الأخيرة التي ارتسمت أمامه، عن العبارة الأخيرة، عن اللقمة الأخيرة، عن الصلاة الأخيرة، عن صورة الحبيبة والأم وكل الأحبة... من دون أي جواب.

هي حرقة ذوي علي أحمد جابر، عندما استصعبت عيونهم أن تؤكد هوية ولدهم... فلجأوا الى الكيمياء، ممرهم الالزامي، قبل أن يتسلموه، شهيدا يمضي الى الجنوب الأحب الى قلبه، ولو أنه كان يحب الحياة ويعشقها ويتمنى شهادة من نوع آخر، حاله كحال جاريه شـهيدي بلدة زبدين أنيس صفا وحيدر مرجي.
في كل يوم قصة، وفي كل يوم مآتم اضافية، وفي كل يوم، حكاية انتظار وبحر لئيم، على غير عادته، لا يريد أن يفرج بسهولة عمن اختارهم «الفجر الأسود» ضحاياه في مطلع السنة الجديدة.
 
حتى أن كابتن السفينة «يو اس اس راميج» قال، أمس، لأحد كبار ضباط الجيش اللبناني «أنا لا أعرف أحدا من الضحايا أو أهلهم، لكننا نتصرف كأننا أهل الضحايا، كل دقيقة نستغلها وفريقنا يصل ليله بنهاره ونأمل بالتوصل الى مكان وجود الضحايا وهيكل الطائرة قبل نهاية الأســبوع».
 
ومثلما انتهى اليوم الثالث، على خبر تحديد مكان وجود الصندوق الأسود، فان اليوم الرابع لم يضف جديدا، باستثناء اعادة تزخيم ورشة العمل الحكومية ووضع خارطة طريق لكيفية الوصول الى الضحايا ومن ثم كيفية متابعة أوضاع عائلاتهم من جميع النواحي بالاضافة الى الجوانب التقنية.
 
وترأس رئيس الحكومة سعد الحريري العائد من القاهرة، مساء أمس، اجتماعا هو الثاني منذ يوم الاثنين الماضي، شارك فيه كل المعنيين بملف الطائرة الأثيوبية المنكوبة، وشدد خلاله على وجوب تعامل الدولة اللبنانية بأقصى شفافية ممكنة وصولا الى درس احتمال السماح للاعلاميين بالتواجد قرب البواخر المدنية التي تسعى لتحديد دقيق لمكان وجود الطائرة والصندوق الأسود.
 
وقال الحريري للوزراء والقيادات المشاركين في الاجتماع «ممنوع الخطأ من أي نوع كان. علينا كدولة لبنانية أن نضع كل امكاناتنا بتصرف عملية انتشال الضحايا والمفقودين. وكذلك العمل على مساعدتهم على تجاوز هذه المأساة الكبرى. واذا كان لا بد من خطوات استباقية، علينا اتخاذها على وجه السرعة».

واستمع المشاركون الى شرح قدمه الوزراء المعنيون بالاضافة الى قائد الجيش العماد جان قهوجي ونائب رئيس أركان الجيش للعمليات العميد الركن عبد الرحمن شحيتلي. وأعلن بعد الاجتماع رسميا «أن سلاح الجو اللبناني التقط بدوره (أمس) ذبذبات «الصندوق الأسود» التي التقطتها السفينة الأميركية (يو اس اس راميج)، واستنادا إلى ذلك حددت منطقة مساحتها سبعة كيلومترات بـسبعة كيلومترات (أي 49 كيلومترا مربعا)، وذلك على بعد 14 كيلومترا من الشاطئ اللبناني بأعماق متفاوتة بين مئة متر و1500 متر».
 
وحسب المعلومات الرسمية، «تواصل البواخر البحث عن حطام الطائرة في المنطقة المحددة، وستقوم في الوقت نفسه الباخرة المدنية «أوشن آليرت» بمسح شامل لتلك المنطقة من شأنه أن يؤدي إلى تحديد المكان بدقة. وفي ضوء هذا المسح، تنزل غواصة (من أوشين آليرت) إلى العمق تأخذ صورا تسمح بمعرفة موقع الطائرة ووضعها، والصندوق الأسود مما يساعد بالطبع على معرفة مصير المفقودين وأماكن وجودهم المحتملة. بعد ذلك، يتم الانتقال إلى المرحلة اللاحقة حيث سيصار للاستعانة بغواصة مؤهلة للنزول إلى الأعماق وانتشال ما يجب انتشاله».
 
وقال مصدر عسكري لبناني متابع لـ«السفير» انه في ضوء عملية الكشف («سكان») التي ستنجز قريبا، سيتم تحديد مكان الصندوق بالكاميرا (حدد بالصوت حتى الآن)، وبعد التأكد من وضعية هيكل الطائرة والطبيعة الجغرافية للمكان، ننتقل الى المرحلة الأخيرة تقريبا وهي عملية السحب، فاذا كانت الطائرة منشطرة الى أجزاء يمكن للغواصة نفسها أن تتولى هذه المهمة، أما اذا كانت غير منشطرة، فقد بادرنا الى الطلب من باخرة انكليزية الانتقال فورا الى مرفأ بيروت، حتى تكون في حالة جهوزية، وربما نطلب مساعدة من دول أقرب تبعا لمجريات المسح في الساعات المقبلة.
 
وأشار المصدر الى ان عامل الطقس ما زال عنصرا مساعدا حتى الآن، والباخرة التي تتولى المسح تقوم بتقسيم المنطقة المستهدفة (49 كلم2) بسرعة أربع عقد من الشمال الى الجنوب ثم من الغرب باتجاه الشرق، وعندما تظهر أمام الكاميرا اشياء مختلفة عن الطبيعة البحرية يتم تصويرها وبعد ذلك تبدأ عملية مسح هذه الأشياء، وبذلك لا يتم اغفال أي أمر متصل بالطائرة والضحايا والصندوق الأسود»...

وأكد المصدر العسكري نفسه لـ«السفير» أن هذه العملية لا سقف زمنيا محددا لها، وكل خطوة تحدد الخطوة التالية، لكن سير العمل حتى الآن، يتم بخطى جدية وسريعة ومتقنة ولم تسجل اية هفوات من شأنها أن تضر بمسار البحث، مشيرا الى أن التحقيق الدولي ستتولاه لجنة دولية لبنانية فرنسية اثيوبية وأميركية.
وعلمت «السفير» من مصادر رسمية مولجة متابعة عمل السفينة «اوشن آليرت» أن «البحث انتقل من عمق 1300 متر عند الثامنة من صباح أمس إلى عمق 1500 متر مساء، بعدما تم تخطيط جزء كبير من المساحة التي حددت لعمل «اوشن آليرت» والغواصة التابعة لها».

وفيما جرى أمس، تشييع الضحايا أنيس صفا وحيدر مرجي في زبدين ـ النبطية والطفلة جوليا الحاج في برج البراجنة والشاب طوني الزاخم في دده ـ الكورة، أكد وزير الصحة الدكتور محمد جواد خليفة لـ«السفير» أنه لم يتم العثور أمس على أي جثث أو أشلاء إضافية لضحايا الطائرة، معلناً أن تطورات الفحوص كشفت عن هوية جثتين اثنتين من الجثث الثلاث التي كانت ما تزال مجهولة الهوية في المستشفى، وهما للمواطنين علي احمد جابر وآنا عبس، مشيرا الى أنه تبين أن بعض الأشلاء ليست بشرية.

مبارك للحريري: نرفض التهديدات الاسرائيلية

من جهة ثانية، اطلع رئيس الحكومة سعد الحريري، أمس، من الرئيس المصري حسني مبارك، على نتائج الزيارة التي قام بها الى العاصمة المصرية وزير الحرب الاسرائيلي ايهود باراك، أمس الأول، وقال الحريري الذي عقد جلسة ثنائية مغلقة دامت ساعة واحدة مع مبارك للصحافيين ان الرئيس المصري «كان واضحا وصريحا لجهة رفضه للتهديدات الاسرائيلية للبنان، ولقد تطرقنا الى ما حدث خلال هذه الاجتماعات (مع باراك)».

وأوضح أنه وضع مبارك «في صورة التهديدات الاسرائيلية للبنان واكدت على اهمية التضامن العربي مع لبنان في مواجهة هذه التهديدات»، ونقل عن مبارك وقوفه الدائم «الى جانب لبنان قلبا وقالبا كما عبر عن رفضه القاطع لكل من يهدد لبنان حكومة وأرضا وشعبا».

وردا على سؤال، قال الحريري ان حكومته تتعامل مع التهديدات الاسرائيلية بشكل جدي «ونحن نعتبر ان التهديدات الاسرائيلية هي تهديدات للحكومة اللبنانية قبل ان تطال أي شخص اخر».
 
وفيما أوردت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الاسرائيلية، أمس، أن مبارك أبدى قلقا من احتمالات شن إسرائيل هجوما قريبا على لبنان وأنه تلقى تطمينات من ايهود باراك بأن «ليس في نية إسرائيل مهاجمة لبنان أو سوريا»، قالت مصادر دبلوماسية عربية في القاهرة لـ«السفير» ان القيادة المصرية تعتقد أن الجانب الاسرائيلي «ليس في وارد القيام بمغامرة عسكرية ضد لبنان أو سوريا في المدى المنظور، وبالتالي، فان الأولوية الأميركية ـ الاسرائيلية في هذه المرحلة هي للملف النووي الايراني».
 
مجلس وزراء مفخخ اليوم

ومن المقرر أن يطلع مجلس الوزراء اللبناني، اليوم، من الحريري على نتائج زيارته الى القاهرة، كما سيناقش مشروع وزير الداخلية زياد بارود الاصلاحي للانتخابات البلدية.

ومن المتوقع أن يبادر وزير الطاقة المهندس جبران باسيل إلى الطلب من الحكومة في مستهل الجلسة سحب مشروع قانون خفض سن الاقتراع الى 18 سنة، بعدما كان قد أشار في مستهل الجلسة السابقة الى أنه بسبب كارثة الطائرة لن نتحدث في هذا الموضوع لكن نأمل بإدراجه في الجلسة المقبلة، علما أن الحريري ردد أمام زواره أكثر من مرة أنه لن يسجل على نفسه أنه طلب سحب المشروع من مجلس النواب، فيما قال الرئيس نبيه بري انه سيمضي فيه للنهاية اذا لم تسحبه الحكومة.
 
وفي موضوع الانتخابات البلدية، توافق وزراء «تكتل التغيير والاصلاح» على اعلان تمسكهم بتقسيم بيروت، على قاعدة أن مطلب تصحيح الخلل في التمثيل المسيحي في الرئاسة والحكومة والمجلس النيابي «يسحب نفسه أيضا على التمثيل المحلي، حيث يجب أن تكون الدائرة المحلية أصغر من الدائرة النيابية وليس العكس، وهو أمر متعارف عليه حتى في أرقى الديموقراطيات» على حد تعبير أحد وزراء «التكتل»، علما أن وزير الداخلية زياد بارود أكد أن النسبية مع ضوابط معينة يمكن أن تشكل البديل لموضوع تقسيم بيروت وغيرها من المدن الكبرى.

ومن المتوقع أن تثير هذه النقطة نقاشا سياسيا وربما انقساما حادا في ضوء تمسك رئيس الحكومة وفريقه بعدم تقسيم بيروت، فيما قال الوزير باسيل ردا على سؤال لـ«السفير» انه سيعيد التمسك بمطلب عدم إلغاء هيئة الاشراف على الانتخابات وضبط الانفاق الانتخابي باعتبار ذلك من أهم البنود الاصلاحية، فيما ينوي بعض الوزراء حصر موضوع الهيئة بالبلديات الكبرى.
 
وعلمت «السفير» أن هيئة الاشراف على الانتخابات النيابية كانت قد أرسلت كتابا رسميا الى وزارة الداخلية والبلديات ردا على كتاب رسمي وجهته اليها تسألها فيه عن إمكان اعتمادها في الاشراف على الإعلام والإعلان الانتخابيين وعلى الانفاق المالي بالنسبة إلى الانتخابات البلدية... وجاء جواب الهيئة للوزارة ايجابيا!
2010-01-29