ارشيف من :أخبار لبنانية

وعدُ نصر اللّه بهزيمة إسرائيل إعلانٌ عن اكتمال جهوزيّة المقاومة

 وعدُ نصر اللّه بهزيمة إسرائيل إعلانٌ عن اكتمال جهوزيّة المقاومة
"الأخبار" - ابراهيم الأمين

يُنقَل عن الرئيس المصري حسني مبارك قوله إنه سأل وزير حرب العدو إيهود باراك عمّا إذا كانت إسرائيل تُعدّ لحرب جديدة على لبنان، وأنّ الأخير أجابه بالنفي. ووجد البعض عندنا في هذا الكلام طمأنة صادرة عن أعلى المرجعيات، معطوفة على رسائل عامة أو دبلوماسية أو أمنية صادرة عن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بأنه ليس في الأفق ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّ إسرائيل ستشنّ حرباً قريبة على لبنان. لكن جميع هذه الجهات والمصادر لا تنسى أن تختم كلامها أو رسائلها بتوصية: حذّروا حزب الله من أنه إذا أقدم على أي عمل، فلن تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي.

بالنسبة إلى إسرائيل، هذه التوصية كافية ليخرج قادتها يهددون الحكومة في لبنان بأنّ أي حرب تقع ستعرّض كل لبنان ومؤسساته للتدمير، في إشارة إلى أنّ العدو لن يكرر ما فعله في عام 2006 حين تحدث عن تحييد المنشآت الحيوية والبنى التحتية في لبنان، كأنّ الدمار الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي اقتصر على ثُكَن حزب الله ومقارّه العسكرية، وأنّ الجسور التي دُمرت كانت عبارة عن وصلات بين مواقع المقاومين، وأنّ الشهداء الذين سقطوا أعضاء في الوحدة الصاروخية أو القوة الخاصة في المقاومة.

على أي حال، الجديد في كلام قادة العدو وفي تلميحات ـــــ تحذيرات ـــــ تهديدات الغربيين وعربهم، هو أنه ليس موجهاً إلى حزب الله. يعني أنّ إسرائيل فقدت الأمل في توجيه رسائل تحذير مباشرة إلى المقاومة، وأن ما قامت به وتقوم به من عمليات اغتيال أو محاولة اغتيال قادة في الحزب، لم يمثّل عنصر ردع للحزب، وأن كل التهديد الذي وجّه إلى سوريا وإيران وإلى آخرين من أفراد وجماعات يدعمون المقاومة، لم يؤدّ بدوره إلى نتيجة عملية، وصولاً إلى ما قاله قادة العدو الاستراتيجيين، من أن إسرائيل تتعامل مع حزب الله اليوم بنوع من التسليم: إنه قوة كبيرة مجهّزة بأسلحة متطورة ولديه قدرات على التحرك والاستعداد. وبالتالي، فإن العمل يجب أن يكون موجّهاً إلى الآخرين.


بهذا المعنى يمكن ملاحظة أن العدو يركّز من خلال حملاته المتواصلة على جعل الجمهور في لبنان، بشقّيه، المؤيد أو المناوئ للمقاومة، يتصرف كأنه أمام مسؤولية عمّا يحصل بعيداً عنه، وأنه مسؤول عن استمرار تسلح المقاومة وسيدفع هو الثمن، وأنه معنيّ بتقييد المقاومة ومنعها من القيام بعمل ما، لأنه سيدفع ثمن هذا العمل، وبالتالي إشعار كثيرين في لبنان، بمن فيهم الطبقة السياسية المعادية للمقاومة بأنها أمام مسؤولية القيام بأي شيء لردع حزب الله أو لتكبيله، على قاعدة تضعها إسرائيل لنفسها، مفادها: إذا فشلنا في منع وصول السلاح إلى حزب الله، فلنعمل على منعه من استخدامه على الأقل.

في مقابل هذه الحملة، ثمة عبارات ـــــ مواقف يحرص الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ـــــ بوصفه الناطق الوحيد باسم المقاومة في حزب الله ـــــ على إطلاقها، وهي تتدرّج من إظهار الاستعداد لمواجهة أي عدوان، إلى إبلاغ الإسرائيليين عسكريين وأمنيين ومستوطنين، بأن المقاومة لديها القدرات على إصابتهم أينما وُجدوا على أرض فلسطين التاريخية، إلى الإشارة مباشرة إلى خطط المقاومة لتعطيل فرق العدو العسكرية وتدميرها في حال دخولها إلى لبنان.

وبموازاة هذا الخطاب العلني المتقطع، تدور بعيداً عن الأضواء أعنف حرب أمنية في تاريخ الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، وهي الحرب التي تحصل على مساحة جغرافية واسعة جداً، وبموارد بشرية وتقنية غير قليلة الحجم والأهمية، وهي حرب تستهدف في جانب كبير منها ملف الجهوزية العسكرية والأمنية لدى الطرفين، بالإضافة إلى ما تفكر فيه إسرائيل لجهة توجيه ضربات أمنية إلى قادة في المقاومة، وما تشير إليه إسرائيل من أن حزب الله يخطّط لعمليات انتقامية بعد اغتيال قائده العسكري الشهيد عماد مغنية. لكن هذه الحرب القائمة بقوة بين الجانبين، تتيح لكل منهما الاطلاع على ما يقوم به الآخر، وإن لم يكن بصورة كاملة. لكن يبدو أنّ إسرائيل تسنّى لها الاطلاع على حجم الاستعدادات التي بادر إليها حزب الله خلال الأعوام الثلاثة الماضية، التي تتيح له خوض معركة أقسى بكثير من حرب عام 2006. وما تعرفه إسرائيل، إلى جانب ما لم تحققه هي على صعيد الجهوزية، يمثّلان السبب الفعلي للتقدير الأرجح، أنه لا حرب وشيكة على لبنان.

لكن، هل هناك من جديد في الخطاب الأخير للسيد نصر الله أمام مؤتمر دعم المقاومة في قصر الأونيسكو، الذي توعّد فيه بهزيمة جيش الاحتلال وإفشال أهداف أي عدوان جديد وإدخال تغيير على وضع المنطقة؟

الأكيد الذي لن يصدر في بيانات عن الوحدة الإعلامية في حزب الله، ولا في ترويج للإعلام الحربي في المقاومة الإسلامية، أن السيد نصر الله لا يقدر على تقديم تعهّد بهذه الصراحة وبهذا الوضوح، إلا في حالة واحدة، هي اكتمال جهوزية المقاومة لمواجهة احتمال العدوان. ويبدو أن هذا الأمر قد أنجز بأسرع مما قدرت المقاومة نفسها، وكذلك بأسرع مما تخيل أصدقاء المقاومة وبأسرع مما افترض العدو. حتى يبدو أن المقاومة في لبنان سبقت العدو في استخلاص عبر حرب عام 2006 ونجحت في إعادة بناء قوتها بطريقة مختلفة. وأهم ما في الجهوزية الجديدة أن «صندوق المفاجآت» بات أكبر بكثير مما يعتقد كثيرون.


2010-01-29