ارشيف من :أخبار لبنانية
إلى متى اللهاث وراء أمريكا والمفاوضات؟
عندما سيؤرخ المؤرخون العُشر الأول من القرن الحادي والعشرين، سوف يجمعون بالتأكيد على بروز ظاهرتين غريبتين في تاريخ العرب، هما إدمان مسؤوليهم على الثقة بالولايات المتحدة، وعلى اللهاث وراء سراب التفاوض مع "إسرائيل".
رغم ثبوت دور أمريكا في زرع "إسرائيل" في قلب الوطن العربي والالتزام بدعمها سياسياً ورعايتها اقتصادياً وتسليحها لحمايتها أمنياً، وبالتالي تمويلها بالآف مليارات الدولارات على مدى الستين سنة الماضية، فإن أركان النظام العربي الرسمي، من المحيط إلى الخليج، ما زالوا يعتبرون الولايات المتحدة دولة صديقة وحليفة ووسيطاً نزيهاً بينهم وبين "إسرائيل".
حتى بعدما اعترف رئيسها باراك أوباما لمجلة “تايم” الأمريكية بفشله في إيجاد حل للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، فإن معظم الحكام العرب يرفضون تصديقه ويثابرون في رهانهم الأعمى على رغبة الولايات المتحدة في حمل "إسرائيل" على القبول بدولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانبها .
وعلى الرغم من رفض "إسرائيل" إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين إلاّ على شروطها ومن ضمنها استمرار الاستيطان في كل الأراضي المحتلة، وعلى الرغم من تراجعها أخيراً عن وعدها “القيام بمبادرات حسن نية وبخطوات بناءٍ للثقة تجاه السلطة الفلسطينية بغية عودتها إلى طاولة المفاوضات كالإفراج عن أسرى، وإزالة حواجز، ونقل جزء من المناطق (ب) الخاضعة لسيطرة أمنية إسرائيلية إلى السيطرة الفلسطينية، وتخفيف الحصار المفروض على غزة” (صحيفة “معاريف” 25/1/2010)، فإن محمود عباس ما زال يلهث وراء استئناف المفاوضات بمباشرته جولة دولية تشمل روسيا وبريطانيا وألمانيا، ليقول لها بحسب تصريح صائب عريقات: “العالم يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب "إسرائيل" . . . هذا موقفكم، تفضلوا طبقوه، وألزموا الطرف المتعنت الموقف الدولي والرؤية الدولية للسلام في المنطقة” .
أكثر من ذلك، يقول بنيامين نتنياهو في احتفال بغرس أشجار في مستوطنة كفار عتسيون “إن رسالتنا واضحة: نحن نزرع هنا وسنبقى هنا، وهذا المكان سيكون جزءاً لا يتجزأ من “إسرائيل”” . قبل ذلك، كان نتنياهو قد قالها جهاراً نهاراً إن "إسرائيل" ستبقى متجذّرة لدواعٍ أمنية في الأغوار الغربية لنهر الأردن، فماذا سيبقى للفلسطينيين من الضفة الغربية ليفاوضوا عليه مع "إسرائيل"؟
ثم، لنفترض أن نتنياهو وافق على الاستجابة لطلب أوباما إجراء مفاوضات بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية على طريقة وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر، أي أن يقوم جورج ميتشل بجولات مكوكية بين الطرفين، فهل أن ميزان القوى الحالي بين العرب والكيان الصهيوني يتيح للطرف الفلسطيني ممارسة حد أدنى من الضغط لحمل حكومة اليمين الصهيوني المتطرف على تقديم تنازلات محسوسة في القضايا الأساسية؟
لننظر إلى المشهد العربي الراهن:
“إسرائيل” تستمر في عمليات الاستيطان، لا سيما في القدس الشرقية، وتشدد حصارها على قطاع غزة، وتعلن اعتزامها ضم الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية إلى كيانها العدواني، كما تؤكد تصميمها على البقاء في الأغوار الغربية لنهر الأردن، أي في شرق الضفة الغربية، لدواعٍ أمنية .
مصر تشارك في حصار غزة من خلال إصرارها على إقامة جدار فولاذي باطني لمنع تهريب مواد الغذاء والدواء والسلاح إلى القطاع المحاصر .
وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك يهدد حكومة لبنان بأنها ستكون “هدفاً” في حال حصول أي تدهور ميداني على الحدود، واصفاً وجود حزب الله في الحكومة بأنه وضع “غير طبيعي”، ويشدّد على ضرورة “إخراج سوريا من دائرة العداء” .
العراق يعود، بسبب الاحتلال الأمريكي، إلى حال الاقتتال والتدمير الممنهج والتشرذم إلى حدّ التبدد .
اليمن يمور بالاضطرابات . فمن حرب ضروس في شماله، إلى حراك عنيف في جنوبه، إلى خلافات تعصف بطبقته السياسية، موالاة ومعارضة، يحول جميعها دون قيام حوار هادف لترميم الوحدة الوطنية وتوليد إرادة سياسية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تهدد البلد، شعباً وحكومة، حاضراً ومستقبلاً .
السودان في حال مخاض قاسٍ لا يمكن معه التكهن كيف ستكون حاله غداة الانتخابات المقبلة والحبلى بأحداث جسام .
عدد غير قليل من الحكومات العربية ممعن في الاعتقاد بأن الخطر الأول على الأمة ليس “إسرائيل” الصهيونية التوسعية النووية، بل إيران الإسلامية الساعية إلى بناء قدرة نووية سلمية .
في غمرة كل هذه المخاطر والاضطرابات والتحديات، أي أمل يرتجى من ميزان قوى مائل على نحوٍ واضح إلى دولة العنصرية والعدوان؟
أي أمل يرتجى من أوباما وقد أخفقت سياسته على نحوٍ سريع ومريع في الداخل والخارج، فما عاد قادراً على ممارسة ضغط على “إسرائيل”، هذا إن كان في وارد اتخاذ مثل هذه الخطوة أصلاً؟
تركيا وإيران وباكستان أدركت ضعف الولايات المتحدة في المنطقة، فاجتمع مندوبوها في اسطنبول ثم في لندن في محاولة واضحة لملء الفراغ الأمريكي المتزايد، ولإقناع أفغانستان، التي تكاد تنهار تحت وطأة الحرب، بالانفتاح على “طالبان” من أجل وقف الحرب اللامجدية والتعجيل بخروج الولايات المتحدة من البلاد .
هذه الدول المتحالفة مع أمريكا وأوروبا وجدت أن من مصلحتها تمييز مصالحها من مصالحهما وإيجاد وسائل لحمايتها بعيداً عن تدخلهما الفظ والفاشل في بلدان المنطقة، فهل كثير على الدول العربية أن تحذو حذوها؟ هل صعب عليها أن تعيد النظر في نهج تعاملها الحالي مع أمريكا، وقد بات محكوماً على هذه الأخيرة بأن تخرج من العراق وأفغانستان، وربما من باكستان أيضاً؟ هل بات قدراً مقدوراً على دول العرب أن تبقى مع أمريكا في سرّائها وضرّائها حتى لو كان ذلك على حساب حقوقها ومصالحها ومستقبلها؟
كلا، ليس كثيراً ولا صعباً على الدول العربية أن تستجيب، إذا ما أرادت، لكل ما تتوقعه شعوبها منها، وقد ذكرنا بعضاً منه آنفاً . فهل كثير على هذه الشعوب أن تنتظر من المسؤولين والحكومات المتخبطة في مخاطر تحالفها غير المجدي مع أمريكا خطوات ملموسة في مجال درس وتقويم مسألة إعادة النظر بسياسة أمريكا في المنطقة، بحيث يصار إلى وضع مشروع سياسة قومية بديلة لتجري مناقشته في القمة المقبلة، والخروج منها بقرارات حاسمة تحمي حقوق الأمة ومصالحها في جميع الميادين، لاسيما في صراعها المديد مع الصهيونية؟
أخيراً، ماذا ستفعل القوى الحية في الشعوب إذا لم تستجب الحكومات؟
عصام نعمان - صحيفة "دار الخليج"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018