ارشيف من :أخبار لبنانية

البريستول بين لقاءين: حين يمتدّ جنبلاط وحين يرتدّ

البريستول بين لقاءين: حين يمتدّ جنبلاط وحين يرتدّ

بين أحدين، يوم غد ويوم الأحد التالي، ترتسم في المشهد السياسي اللبناني أحداث لافتة في دلالاتها حيال الأفكار والمشاريع والسلوكيات. غداً يلتئم اجتماع في البريستول بدعوة من الأمانة العامة لـ14 آذار. جدول أعمال اللقاء مفتوح على الحوار والنقاش والتفكُّر في الأحوال، و«ما جرّ علينا تلك الويلات». غير أنه لا بد من أن يتوقف عند نقطتين أساسيتين: أولاً موقف وليد جنبلاط من الاجتماع المذكور، حضوراً ومشاركة شخصية أو تمثيلية، وثانياً، انطلاقاً من النقطة الأولى، كيفية مقاربة 14 شباط، شكلاً وكلمات ومضموناً سياسياً لخطباء المناسبة.

في نهاية الأسبوع التالي سيكون جنبلاط على موعد مع حدث آخر مختلف، عنوانه: ميشال عون في المختارة، من ضمن جولة يقوم بها «الجنرال» على أكثر من محطة شوفية وجبلية. ومن الممكن جداً أن تأتي الزيارة يوم السبت المقبل تحديداً، في السادس من شباط، لتصادف الذكرى الرابعة تماماً، لتوقيع تفاهم مار مخايل بين عون والسيّد حسن نصر الله، رغم نفي عون حتى اللحظة لكل هذه المواعيد.

مفارقات ومماثلات كثيرة، يثيرها الحدثان. فلقاء البريستول غداً، لا بد أن يذكّر بأول لقاء في الفندق نفسه في تشرين الثاني من عام 2004، يوم كان الحدث بداية جنينيّة أولى لولادة 14 آذار. وكان العنوان، التضامن مع غازي العريضي، في تعرّضه للملاحقة من «النظام الأمني اللبناني - السوري المشترك». بعد خمسة أعوام يعود أصحاب الفكرة إلى اللقاء في المكان نفسه، فيما العنوان، الانفراط الحاصل، بعد خروج الرفيق الأول لغازي العريضي، وطيّه كليّاً لأدبيات ذلك الزمان واللقاء و«النظام».

في الحالتين، جنبلاط هو المحور، وهو «الباب» والمفتاح. ما الذي يعطيه هذا الدور والموقع؟ المناوئون لدُعاة اجتماع البريستول جوابهم جاهز: إنّ النقص في شرعية الداعين الذاتية، هو ما يدعوهم إلى اللجوء إلى سيّد المختارة. وهو نقص ذاتي وموضوعي في آن. هم يدركون أن شرعيتهم ناقصة، والواقع يعزّز إدراكهم هذا. ومن العجزين تولد الحاجة الحتميّة إلى غطاء شرعي، لا يوفّره في نظرهم إلّا جنبلاط...

منطق أصحاب الدعوة مغاير طبعاً. ليست المسألة بالنسبة إليهم مسألة شرعية منقوصة وبحث عن اصطناع كمالها، بل هو الواقع المتعدّد الأبعاد، في التاريخ والجغرافيا وعلائق الجماعات اللبنانية. كل هذه في رأيهم، جعلت من وليد جنبلاط نوعاً من الجسر المتحرك فوق نهر عميق اللجّة. إذا امتدّ سمح بالاتصال، وإذا ارتدّ جعل الانفصال واقعاً. وهو يدرك وظيفته هذه، ويستثمر إدراكه لها بامتياز، حتى الابتزاز أحياناً، في الامتداد كما في الارتداد.

في المقابل، لقاء المختارة المرجّح يوم السبت المقبل يحمل في مضمونه رسالة أخرى، مغزاها الأساسي توسيع رقعة تفاهم مار مخايل. وهو توسيع كان مطروحاً على الملتحقين به منذ توقيعه، لولا تقويمهم له آنذاك بأنه «جلسة عشق صوفي». لكن المفارقة في هذا المجال هي أن «دُعاة البريستول» كانوا سبّاقين على درب التفاهم نفسه، لا بل كانوا قد أنجزوا أكثر من خطوة على طريقه. حاوروا نصر الله مراراً، وتشاركوا مع ممثليه في أكثر من «لقاء»، وأُعجبوا وأَعجبوا كثيراً وطويلاً، قبل أن تتبدّل الحسابات. حتى إن «وثائقهم المرجعية» لا تختلف في العمق عن فلسفة «التفاهم». فمقولات «تحديد معنى لبنان»، و«فريق الشرعية المسيحية التاريخية»، و«معادلة المختلفين المتساوين»، ونظرية «النموذج اللبناني» لأزمات المنطقة، من اليمن قبل أن ينفجر، إلى العراق المطلوب صموده في وجه بوش... كلها مفاهيم موجودة في أدبيات البريستول، قبل أن يكون هناك تفاهم في مار مخايل، وقبل أن يصير كل الصراع اللبناني على الإجهاز عليه، أو إنجاز فلسفته.

ما الذي قد يفسّر تلك التناقضات؟ في السياسة عموماً، يقرّ أهلها في كل مجتمعات الأرض بأنّ العلاقات الشخصية والمصالح الفردية تؤدي دوراً بارزاً في تحديد اتجاهات السياسيين ومقاربتهم للشأن العام، حتى في أكثر الأنظمة ديموقراطية والتزاماً بضوابط المصلحة العامة. أما في المجتمعات الأقل ديموقراطية، فتصير الحسابات الشخصية هي العامل الراجح والحاسم. لذلك ربما اشتُقّت كلمة «سياسة» في اللاتينية والإغريقية من «المدنية»، فيما اشتُقّت في العربية من سوس الإبل... أو الغنم.

جان عزيز - صحيفة "الاخبار"

2010-01-30