ارشيف من :أخبار لبنانية
الحريري أمام الامتحان: "الرئيس" أم "الزعيم"؟
"السفير" - نبيل هيثم
لا تشبه ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري هذه السنة سابقاتها في شيء، فهي المرة الأولى التي تمر فيها الذكرى في مناخ سياسي هادئ، فلا تحريض ولا تعبئة ولا عصبيات ولا احتقانات ولا تشنجات ولا مذهبيات ولا طائفيات ولا مزايدات ولا استفزازات شوارعية ولا توترات مناطقية ولا تراشق ولا متاريس، بل على العكس، خطاب مسالم متبادل وقنوات مفتوحة على التواصل والتلاقي والتفاهم، وخصوصا بين الصاحب الأصيل للذكرى سعد الحريري وبين سائر الفرقاء السياسيين في المقلب الآخر.
هكذا تبدو الصورة عشية الذكرى الخامسة لاغتيال الحريري، وقد تمّ التعوّد في ما مضى على صور ساخنة سبقت استقدام الحشد الجماهيري إلى ساحة الشهداء على مدى السنوات التالية للاغتيال. ويحرّض ذلك على السؤال عن الكيفية التي سيتمظهر فيها المشهد في 14 شباط، وعن موقع حركة «14 آذار» بشكل عام في ذلك اليوم، والأهم عن موقع تلك الحركة في الأيام التي ستليه؟
تجدر الملاحظة بداية، الى ان الذكرى هذا العام تقوم على انتكاسات سياسية متتالية وتشققات أصابت حركة «14 آذار» في السنة الأخيرة، وظهرت تجلياتها في ظروف سياسية منعتها من فرض انتصارها الانتخابي أمرا واقعا يتحكم بالحياة السياسية اللبنانية، بل أخضعتها لشعار «سوريّاً در» وفرضت على قيادتها أن تسلك طريق الجلجلة الى دمشق. وأما اقسى تلك التجليات على تلك الحركة، فظهـَّرها خروج رأس حربتها وقوة الدفع فيها وليد جنبلاط الذي اختط لنفسه منذ 2 آب 2009 طريقا جديدا. ولم يبق سوى تيار سعد الحريري كأساس شبه وحيد تتكئ عليه» 14 آذار» ، وإلى جانبه حضور قواتي كتائبي مع تلوينة من مجموعة عناوين وجماعات وأفراد، شكلت رمزية في ما سميت «الحركة السيادية» أكثر مما شكلت ثقلا سياسيا وفعالية جماهيرية كحركة التجدد الديموقراطي واليسار الديموقراطي والكتلة الوطنية وحزب الوطنيين الاحرار.
وإذا كانت غاية القرار بالحشد الجماهيري في ساحة الشهداء هي محاولة المحافظة على المعنى الشعبي لذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن العلامة المثيرة في هذا السياق، هي أن هذا القرار وفي ظل الوقائع السياسية الجديدة، يرتكز على شيء من المغامرة، فلا عوامل الحشد التقليدية من تعبئة عصبية او مذهبية او ما شابه، متوفرة او متاحة حاليا لجذب الناس، ولا الرفد الجنبلاطي موجود لتأمين غطاء جماهيري يستعان به لملء أوسع مساحة ممكنة في ساحة الشهداء. ولا يبقى في المقابل سوى «القوات» والكتائب والمجموعات الأخرى وهي غير قادرة مع كل مسيحيي «14 آذار» على ملء الفراغ. معنى ذلك ان قرار الحشد وسط بيروت يلقي المسؤولية التحشيدية على تيار المستقبل حصرا وقد بات يشكل العصب الأساسي لهذه الحركة، ويضع الرئيس سعد الحريري امام امتحان القدرة على تظهير حشد جماهيري يتناسب وذكرى اغتيال والده.
على أن أهم ما يـُقرأ بين سطور القرار بالحشد، محاولة واضحة لإنعاش «14 آذار» وإبقائها على قيد الحياة، والقول بأنّ هذه الحركة ما تزال موجودة، وذلك كرد غير مباشر على كل من نعى «14 آذار»، وعلى كل من اعتبر انه لم يبق منها سوى العنوان. وفي هذا المنحى يصب سعي الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل، على ما يقول مواكبون لحركة التحضيرات لذكرى «14 شباط». وخصوصا ان ثمة إقرارا ضمنيا على مستوى حركة «14 آذار» بشكل عام، بالهزال السياسي الذي أصابها، وبفقدانها القدرة على إنتاج الذات وفي ظروف سياسية حكمت على العناوين التي طرحتها بالإحباط حينا، او بالذوبان احيانا اخرى او بالسقوط احيانا كثيرة.
وفي اعتقاد المطلعين، ان ذكرى « 14 شباط» ستشكل فاصلا بين ما سبق وبين ما سيلي. ولا يعني سعي الحريري وتياره السياسي الى إنعاش «14 آذار»، إعادة إطلاق حركة سياسية صدامية شكلت عناوينها الماضية استفزازا وانقساما وصراعا على البلد وحوله.
وعلى ما يرى هؤلاء المطلعون، فإن ثمة فارقا كبيرا بين سعد الحريري «دولة الرئيس» وبين سعد الحريري «زعيم حركة 14 آذار»، ولا تجوز المقارنة بين اللقبين، وإذا كان مقدورا على الزعامة وباتت أمرا واقعا ومسلما به، فإن طريق الرئاسة لا تعبر بالتمني، اما موقع رئاسة الحكومة بحد ذاتها والذي يجلس عليه الحريري حاليا، فمذاقه حلوٌ حلوٌ حلوُ.. ومن هنا فإنه لا يستطيع ان يجمع بين ان يكون رئيس حكومة وفاقية، وبين ان يكون في الوقت ذاته على رأس حركة سياسية صدامية مع شركائه الآخرين في الحكومة، قد تقوّض بالحد الادنى رئاسته وحكومته. وهو اصلا يسعى الى تدعيم ركائز حكمه بالحد الاعلى من التوافق، والنأي بموقعه الجديد عن أية مؤثرات او سلبيات.
ويقول قطب سياسي ان حاجة الحريري قد تكون كبيرة جدا لابقاء «14 آذار» وتزعمها كعنوان اساسي متصل بذكرى اغتيال والده، كما قد تكون حاجته اليها كمتكأ سياسي له من موقعه كرئيس للحكومة، علما ان «14 آذار» تكاد تقوم فقط على تيار المستقبل. الا انه بات اكثر حاجة لان تخرج الذكرى من منطق الاستثمار السياسي الذي ساد في فترة الصدام، والدخول الى منطق جديد يعيد اطلاق ذكرى الرئيس الشهيد بعناوين ومفردات جديدة تشكل اجماعا وطنيا.
أي وجه سيقدمه الحريري في 14 شباط، وكيف سيجد مساحات المناورة التي تسمح للذكرى ان تعبر عن نفسها بمعانيها الانسانية والشخصية، وللسياسة أن تأخذ حقها من دون ان تمس بثوابته وتجربته السياسية الجديدة خلال الاشهر الاخيرة وصولا الى الانفتاح على سوريا والذي يتعزز على مدار الساعة ما بين بيت الوسط وقصر الرئاسة السورية؟
ما من شك ان الذكرى تشكل أول امتحان للحريري للعبور بين النقاط. وللتفريق ما بين معنى «دولة الرئيس» ومتطلباته وحساباته والاثمان التي يتطلبها، وبين معنى «الزعيم» ورغباته وتمنياته، وقد يكون مدركا ان كل العيون المحلية والاقليمية مسمرة منذ الآن على ساحة الشهداء، وعلى ما سيقوله فيها. ويدرك ايضا ان عيون الرصد مركزة على سمير جعجع وأمين الجميل، فتفلتهما خارج السياق، أكثر من محرج له.
وبناء على ذلك، يقول المطلعون، إن الذكرى ممسوكة، والخطابات مضبوطة على إيقاع الوقائع الجديدة، ولن تخرج عن سياقها.
لا تشبه ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري هذه السنة سابقاتها في شيء، فهي المرة الأولى التي تمر فيها الذكرى في مناخ سياسي هادئ، فلا تحريض ولا تعبئة ولا عصبيات ولا احتقانات ولا تشنجات ولا مذهبيات ولا طائفيات ولا مزايدات ولا استفزازات شوارعية ولا توترات مناطقية ولا تراشق ولا متاريس، بل على العكس، خطاب مسالم متبادل وقنوات مفتوحة على التواصل والتلاقي والتفاهم، وخصوصا بين الصاحب الأصيل للذكرى سعد الحريري وبين سائر الفرقاء السياسيين في المقلب الآخر.
هكذا تبدو الصورة عشية الذكرى الخامسة لاغتيال الحريري، وقد تمّ التعوّد في ما مضى على صور ساخنة سبقت استقدام الحشد الجماهيري إلى ساحة الشهداء على مدى السنوات التالية للاغتيال. ويحرّض ذلك على السؤال عن الكيفية التي سيتمظهر فيها المشهد في 14 شباط، وعن موقع حركة «14 آذار» بشكل عام في ذلك اليوم، والأهم عن موقع تلك الحركة في الأيام التي ستليه؟
تجدر الملاحظة بداية، الى ان الذكرى هذا العام تقوم على انتكاسات سياسية متتالية وتشققات أصابت حركة «14 آذار» في السنة الأخيرة، وظهرت تجلياتها في ظروف سياسية منعتها من فرض انتصارها الانتخابي أمرا واقعا يتحكم بالحياة السياسية اللبنانية، بل أخضعتها لشعار «سوريّاً در» وفرضت على قيادتها أن تسلك طريق الجلجلة الى دمشق. وأما اقسى تلك التجليات على تلك الحركة، فظهـَّرها خروج رأس حربتها وقوة الدفع فيها وليد جنبلاط الذي اختط لنفسه منذ 2 آب 2009 طريقا جديدا. ولم يبق سوى تيار سعد الحريري كأساس شبه وحيد تتكئ عليه» 14 آذار» ، وإلى جانبه حضور قواتي كتائبي مع تلوينة من مجموعة عناوين وجماعات وأفراد، شكلت رمزية في ما سميت «الحركة السيادية» أكثر مما شكلت ثقلا سياسيا وفعالية جماهيرية كحركة التجدد الديموقراطي واليسار الديموقراطي والكتلة الوطنية وحزب الوطنيين الاحرار.
وإذا كانت غاية القرار بالحشد الجماهيري في ساحة الشهداء هي محاولة المحافظة على المعنى الشعبي لذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن العلامة المثيرة في هذا السياق، هي أن هذا القرار وفي ظل الوقائع السياسية الجديدة، يرتكز على شيء من المغامرة، فلا عوامل الحشد التقليدية من تعبئة عصبية او مذهبية او ما شابه، متوفرة او متاحة حاليا لجذب الناس، ولا الرفد الجنبلاطي موجود لتأمين غطاء جماهيري يستعان به لملء أوسع مساحة ممكنة في ساحة الشهداء. ولا يبقى في المقابل سوى «القوات» والكتائب والمجموعات الأخرى وهي غير قادرة مع كل مسيحيي «14 آذار» على ملء الفراغ. معنى ذلك ان قرار الحشد وسط بيروت يلقي المسؤولية التحشيدية على تيار المستقبل حصرا وقد بات يشكل العصب الأساسي لهذه الحركة، ويضع الرئيس سعد الحريري امام امتحان القدرة على تظهير حشد جماهيري يتناسب وذكرى اغتيال والده.
على أن أهم ما يـُقرأ بين سطور القرار بالحشد، محاولة واضحة لإنعاش «14 آذار» وإبقائها على قيد الحياة، والقول بأنّ هذه الحركة ما تزال موجودة، وذلك كرد غير مباشر على كل من نعى «14 آذار»، وعلى كل من اعتبر انه لم يبق منها سوى العنوان. وفي هذا المنحى يصب سعي الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل، على ما يقول مواكبون لحركة التحضيرات لذكرى «14 شباط». وخصوصا ان ثمة إقرارا ضمنيا على مستوى حركة «14 آذار» بشكل عام، بالهزال السياسي الذي أصابها، وبفقدانها القدرة على إنتاج الذات وفي ظروف سياسية حكمت على العناوين التي طرحتها بالإحباط حينا، او بالذوبان احيانا اخرى او بالسقوط احيانا كثيرة.
وفي اعتقاد المطلعين، ان ذكرى « 14 شباط» ستشكل فاصلا بين ما سبق وبين ما سيلي. ولا يعني سعي الحريري وتياره السياسي الى إنعاش «14 آذار»، إعادة إطلاق حركة سياسية صدامية شكلت عناوينها الماضية استفزازا وانقساما وصراعا على البلد وحوله.
وعلى ما يرى هؤلاء المطلعون، فإن ثمة فارقا كبيرا بين سعد الحريري «دولة الرئيس» وبين سعد الحريري «زعيم حركة 14 آذار»، ولا تجوز المقارنة بين اللقبين، وإذا كان مقدورا على الزعامة وباتت أمرا واقعا ومسلما به، فإن طريق الرئاسة لا تعبر بالتمني، اما موقع رئاسة الحكومة بحد ذاتها والذي يجلس عليه الحريري حاليا، فمذاقه حلوٌ حلوٌ حلوُ.. ومن هنا فإنه لا يستطيع ان يجمع بين ان يكون رئيس حكومة وفاقية، وبين ان يكون في الوقت ذاته على رأس حركة سياسية صدامية مع شركائه الآخرين في الحكومة، قد تقوّض بالحد الادنى رئاسته وحكومته. وهو اصلا يسعى الى تدعيم ركائز حكمه بالحد الاعلى من التوافق، والنأي بموقعه الجديد عن أية مؤثرات او سلبيات.
ويقول قطب سياسي ان حاجة الحريري قد تكون كبيرة جدا لابقاء «14 آذار» وتزعمها كعنوان اساسي متصل بذكرى اغتيال والده، كما قد تكون حاجته اليها كمتكأ سياسي له من موقعه كرئيس للحكومة، علما ان «14 آذار» تكاد تقوم فقط على تيار المستقبل. الا انه بات اكثر حاجة لان تخرج الذكرى من منطق الاستثمار السياسي الذي ساد في فترة الصدام، والدخول الى منطق جديد يعيد اطلاق ذكرى الرئيس الشهيد بعناوين ومفردات جديدة تشكل اجماعا وطنيا.
أي وجه سيقدمه الحريري في 14 شباط، وكيف سيجد مساحات المناورة التي تسمح للذكرى ان تعبر عن نفسها بمعانيها الانسانية والشخصية، وللسياسة أن تأخذ حقها من دون ان تمس بثوابته وتجربته السياسية الجديدة خلال الاشهر الاخيرة وصولا الى الانفتاح على سوريا والذي يتعزز على مدار الساعة ما بين بيت الوسط وقصر الرئاسة السورية؟
ما من شك ان الذكرى تشكل أول امتحان للحريري للعبور بين النقاط. وللتفريق ما بين معنى «دولة الرئيس» ومتطلباته وحساباته والاثمان التي يتطلبها، وبين معنى «الزعيم» ورغباته وتمنياته، وقد يكون مدركا ان كل العيون المحلية والاقليمية مسمرة منذ الآن على ساحة الشهداء، وعلى ما سيقوله فيها. ويدرك ايضا ان عيون الرصد مركزة على سمير جعجع وأمين الجميل، فتفلتهما خارج السياق، أكثر من محرج له.
وبناء على ذلك، يقول المطلعون، إن الذكرى ممسوكة، والخطابات مضبوطة على إيقاع الوقائع الجديدة، ولن تخرج عن سياقها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018