ارشيف من :أخبار لبنانية

ماءٌ في فم الحريري: رئيسٌ لن يحكم!

ماءٌ في فم الحريري: رئيسٌ لن يحكم!
عبد الصمد الكافي - الاخبار

«قال في المفتي كلاماً كان الرئيس سعد الحريري يريد قوله لكنه لا يستطيع ذلك، ففي فمه ماء». بهذه العبارة يعلّق مصدر مسؤول في تيار المستقبل على الموقف الذي «فجّره» الرئيس سليم الحص، أول من أمس، في وجه مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، مشيراً إلى أن «هذا الكلام تأخر وكان يجب أن يُقال منذ فترة طويلة، إلا أن ظروف البلد والطائفة سببت تأخيره».

وإذ أكد المصدر لـ«الأخبار» أن «تصرفات المفتي ومواقفه أصبحت في مكان ما عبئاً على الحريري في هذه المرحلة، وخصوصاً بعد مسلسل الفضائح المالية التي أثيرت حوله»، فإنه استبعد قيام حملة تضامن معه لأنه «ليس لأحد مصلحة في ذلك حالياً»، مكتفياً بالتساؤل: «مَن سيتضامن معه، وهل سيقدر على الصمود طويلاً؟».

إلا أن المصدر لم يكتم في قراءة سياسية له لما يحصل في قضية المفتي قباني ودار الفتوى «حاجة الحريري إلى وجود تعددية سياسية داخل الطائفة السنّية، لأن اختزالها به سيجعل منه المتضرر الأكبر، وستحمّله كامل المسؤولية»، معترفاً بأنّ «الأحادية أوصلت الأمور داخل الطائفة إلى ما هي عليه اليوم، وأن ما استطاع الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن «يحمله» فوق كتفيه من مهمات ومسؤوليات، يحتاج نجله الرئيس سعد الحريري إلى وقت طويل وقدرات إضافية للقيام به».
ويشير المصدر إلى ردود الفعل التي صدرت على موقف الحص ليستدل منه أن «المؤيدين له أكثر من المعترضين عليه، كمّاً ونوعاً، وأن الصامتين إما محرجون في اتخاذ موقف معلن منه، وإما موافقون ضمناً عليه».

لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد برأي المصدر، بل ينتقل منه ليشير إلى أن موافقة الحريري على تنظيم مهرجان شعبي في ذكرى اغتيال والده في 14 شباط هي «ورطة» له «جرّه إليها بعض قيادات 14 آذار لأسباب متعددة، منها محاولة جزء منهم تعويض ما فاتهم واستعادة وهج إعلامي وسياسي فقدوه لفترة طويلة، فوجدوا في الذكرى مناسبة مهمة لإطلالتهم، فضلاً عن تهافت آخرين من «الشبيحة» داخل تيار المستقبل أو من 14 آذار لـ«تزبيط» وضعهم مالياً، وهم بدأوا عملياً في ذلك».

لكن المصدر عاد ليوضح أنه يقصد بالورطة جانبين: أولهما الخوف من عدم القدرة على توفير حشد شعبي في المناسبة بعد سلسلة النكسات التي أصيب بها التيار إثر تفكيك كوادره بعد حوادث 7 أيار 2008، والضربتان المعنويتان اللتان تلقاهما بعد «نكستي» المفتي قباني وإمام مسجد مجدل عنجر الشيخ محمد المجذوب، ما جعل الزخم الشعبي يتراجع لجهة توفير حضور يتناسب مع الذكرى، من غير أن يعرف إذا كان الحريري سيستغيث ـــــ كما في كل سنة ـــــ سُنّة الشمال في طرابلس والمنية والضنية وعكار، بعد أن يستدعيهم إلى مقر إقامته في فندق «كواليتي إن»، أم أنه سيرسل للقيام بهذه المهمة عوضاً عنه منسق تيار المستقبل أحمد الحريري، من غير معرفة النتائج المتوخاة منها.

أما الجانب الآخر من الورطة، وفق المصدر نفسه، فيتمثل في أن الحريري، بعد زيارته دمشق، أدرك أن عليه سلوك نهج آخر، يكاد يُشبه إلى حد بعيد ذاك الذي سار عليه والده عند تسلمه مهماته لأول مرة صيف عام 1992، وهو التنسيق والتفاهم مع السوريين، فضلاً عن حاجة الحريري الابن إلى فتح صفحة جديدة له معهم. ولعل المهرجان لن يسهم، في بعض الجوانب، في دفع الأمور إيجاباً في هذا المنحى.

وإذ يشير المصدر إلى أن الحريري الذي يبدو اليوم مسروراً برئاسة الحكومة، يلفت إلى أن هذا الأمر لن يستمر طويلاً، لأنه بعد التحولات الأخيرة في الداخل والمنطقة (تأليف الحكومة وفق شروط المعارضة، والتفاهم السوري ـــــ السعودي) قد يتحول الحريري إلى رئيس حكومة من غير أن يحكم، لافتاً إلى أن من هادنوه وراعوه طوال الفترة السابقة بسبب قضية والده، وأبرزهم الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط، لن يستمروا في ذلك طويلاً، لأن لكل منهم حساباته ومصالحه الخاصة به وبجماعته وبطائفته، وما حصل في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في صيدا والجنوب ليس سوى دليل على أن فترة السماح له قد انتهت، وهنا ستقع المشكلة الكبرى بالنسبة إليه ولتياره إذا لم تُقرأ التحولات الأخيرة كما يجب. وقد يطيح ذلك كل المكتسبات التي تحققت في السنوات الأخيرة.

ويضيء المصدر على حالة المراوحة التي لا تزال تعيشها الحكومة منذ تأليفها، فهي لم تنجز أي شيء مطلوب منها بعد، إن حياتياً أو معيشياً، ولم تُنجز التعيينات الإدارية والأمنية التي لا تبدو واردة في الأفق القريب، فضلاً عن القدرة على إدخال تعديلات ما على قانون الانتخابات البلدية التي يبدو مصير إجراؤها غامضاً، محذراً من أنه إذا استمرت الأمور مع الحريري «غير زابطة»، فإنه قد يقدم على القيام بسفرات عدة إلى الخارج في المرحلة المقبلة، سياسية أو خاصة، وهو الأمر الذي قد يُفسَّر على أنه محاولة أولى منه للاعتكاف أو الحرد.

لكن من غير أن يجد هذه المرة «راعياً» سورياً يساعده في تذليل المهمات والصعوبات كما كان يحصل أيام والده، وإن لم يُتَدارك هذا الأمر منذ الآن، فإنه سيترك تداعيات كبيرة على وضع البلد برمته في المرحلة المقبلة.


2010-02-03