ارشيف من :أخبار لبنانية
موازنة وزيرة المال أم مشروع رئيس الحكومة؟
غسان العياش- السفير
في ربع القرن الذي انقضى، بسبب الصراعات السياسية، أمضت الدولة اللبنـانية عشر سنوات من دون موازنة. فقد لجأت إلى الطرق الموقتة والاصطناعية لتسيير أمورها المالية، مثل الموازنة الإثني عشرية وسلفات الخزينة، أو التمويل التضخمي وغير القانوني من مصرف لبنان، الذي تفاقم في آخر سنوات الحرب.
وبما أن الموازنة هي الأداة الرئيسية لتأثير الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، يمكن الاستنتاج أن الدولة اللبنانية قضت عشرا من السنوات الخمس والعشرين المنصرمة تصرّف الأعمال وتسيّر أمور البلاد بالتي هي أحسن، متنازلة عن دورها القيادي والمبادر في إدارة الاقتصاد والتخطيط للمستقبل.
ويبدو أن الوزيرة ريّا الحسن قطعت شوطا بعيدا في مباحثاتها مع الوزراء لإعادة صياغة مشروع موازنة سنة 2010، الذي أعدّه سلفها الدكتور محمّد شطح. ولا خوف في أجواء الاستقرار والاسترخاء القائمين من عدم إنجاز مشروع الموازنة الجديدة، لكن السؤال المحوري هو هل إعداد الموازنة الجديدة مهمّة تضطلع بها الوزيرة وحدها، أم أن للرئيس سعد الحريري دورا فاعلا في هذه الورشة؟
الفرق بين الحالتين كبير بالطبع. فوزير المالية يتفوّق على زملائه نفوذا وأهمّية خلال إعداد «طبخة» الموازنة، لكن دوره، على أهمّيته، يبقى محدّدا ومحصورا. فهو، بحسب العرف وقانون المحاسبة العمومية، يتلقى طلبات الاعتمادات من الوزارات ويقارنها بتقديرات الواردات، ويفاوض الوزراء ويقدّم الاقتراحات لردم الفجوة بين الممكن والمرغوب.
أما المنتظر من تدخل رئيس الحكومة في إعداد الموازنة فهو أوسع أفقا وأبعد مدى. فهو بوصفه زعيما جديدا يطلّ على رئاسة الحكومة لأوّل مرّة بتفويض شعبي واسع، من المفترض أن يوضح من خلال أرقام الموازنة ملامح مشروعه الاقتصادي والاجتماعي. وإذا ترك المهمّة لوزيرة المال وحدها فسيقال ، في أحسن الحالات، إن مشروعه لم يتبلور بعد.
ربما كانت الظروف المالية لا تسمح للشيخ سعد الحريري بإطلاق مشروع إنمائي كبير، على غرار ما فعله الرئيس فؤاد شهاب أو والده الشهيد رفيق الحريري. وقد ترجم الراحلان الكبيران خططهما من خلال تعديلات جذرية في أرقام الموازنة العامّة. مع ذلك، فالمجال مفتوح أمام رئيس حكومتنا الشاب لتظهير تطلعاته في موازنة 2010، أو موازنة السنة المقبلة، لأن أمام الدولة جدول أعمال حافلا بالمشاكل المالية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتربوية وسواها.
يمكن للشيخ سعد، مثلا، أن يتدخل بقوة في موازنة السنة الراهنة وموازنات السنوات المقبلة لتطهير المالية العامّة من شوائبها الكثيرة، وهي لا تقتصر على الشكاوى التقليدية من تراكم العجز وانتفاخ الدين العام، بل تنطوي أيضا على ثغرات جسيمة وظلم اجتماعي فادح.
في السنتين الأخيرتين جرى إبراز النتائج الإيجابية لمالية الدولة، لا سيما من خلال التركيز على انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي. ولو دققنا في الأرقام لظهرت الصورة، من مقلبها الآخر، غير زاهية على الإطلاق، لا سيما في بعدها الاجتماعي.
فانخفاض نسبة الدين إلى الناتج كان ثمرة التزامن بين عاملين، هما نموّ الناتج المحلي أكثر من نموّ الدين العام والارتفاع الملحوظ في إيرادات الدولة.
صحيح أن الاقتصاد اللبناني حقق معدّل نموّ مرتفعا في السنتين الأخيرتين، لكن النموّ تمركز في قطاعات ومناطق وفئات محصورة، ولم يشمل بمنافعه قاعدة اجتماعية واسعة.
أمّا الإيرادات التي شهدت ارتفاعا ملحوظا بين سنتي 2007 و2009، فقد حافظت على بنيتها التقليدية غير المتوازنة. لقد زادت الإيرادات الضريبية في هذه السنوات الثلاث (بدون الشهر الأخير من كل سنة) بنسبة 60%، لكن الضرائب المباشرة شكلت فقط 15% منها. فالزيادة تعود إلى ارتفاع الضرائب على المواد المستوردة بما يفوق الضعف، وهي الضرائب التي تغرّم قاعدة المستهلكين الواسعة وتؤثر على مستوى المعيشة العام. والفضل الأساسي في هذه الزيادة يعود إلى ارتفاع عائدات الرسوم على البنزين 4 مرّات في ثلاث سنوات، بسبب الفرصة التي أتاحها للخزينة انخفاض سعر النفط، دون تخفيض مستوى الرسم المقرّر.
بالمقابل، فقد زادت النفقات في فترة 2007 ـ 2009 بنسبة الثلث، لكن الزيادة تركزت على الإنفاق الجاري الذي ارتفع بنسبة 26%، فيما تراجع الإنفاق الاستثماري غير المموّل من الخارج، ولم تتجاوز حصّته 4% من النفقات.
حتى من دون امتلاكه مشروعا إعماريا كبيرا، يمكن للرئيس الحريري أن يترك أثرا بارزا في تاريخ لبنان المالي والاقتصادي من خلال تصدّيه لواقع الدولة المالي، وإحداث تعديلات جذرية في بنية الموازنة وأرقامها. فبإمكانه أن يكون رجل الإصلاح المالي في لبنان، ورائدا لتعديل مسار المالية العامّة، باتجاه تعزيز جدواها كوسيلة للتنمية والعدالة، بدلا من أن تبقى عبئا على المجتمع، دورها الرئيسي تمويل آلة الدولة وتسديد أقساط ديونها.
أو يمكن للشيخ سعد أن يكون إسهامه الكبير وهدفه الأسمى هما توسيع إطار التنمية، ليشمل مختلف المناطق اللبنانية، لا سيما الفقيرة والمهمّشة. بذلك، سيبدو سعد الحريري مكملا لما بدأه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وسيساهم في حل مشاكل لبنان الاجتماعية، ويردّ الجميل لفقراء ساندوه بإخلاص واندفاع كلما دعاهم لنصرته أو التصويت للوائحه، أو الاحتشاد بكثافة وحماسة لإحياء ذكرى رفيق الحريري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018