ارشيف من :أخبار لبنانية
14 آذار 2010: الوقائع المؤلمة لا تُبقي إلا الشعارات
نقولا ناصيف - صحيفة الاخبار
لم تتلقَّ المعارضة بارتياح مشاركة رئيس الحكومة سعد الحريري في اجتماع قوى 14 آذار الأحد الماضي (31 كانون الثاني)، على أبواب إحياء الذكرى الخامسة لاغتيال والده الرئيس رفيق الحريري. بيد أن أصداء ترؤسه الاجتماع الموسّع لحلفائه، لم تُحمّل الاجتماع أكثر ممّا ينبغي أن يحمل، ولم تُوحِ بانطباع سلبي لدى دمشق بإزاء الحريري مذ قرّر فتح صفحة جديدة معها بعد زيارته لها في كانون الأول. لم تُبدِ دمشق ردّ فعل فاتراً، إلا أنها لم تلمس بعد نتائج مباشرة لاجتماعات الحريري مع الرئيس بشّار الأسد، ووضع ما اتفقا عليه في حيّز التطبيق. بدا أن كل ما حصل اكتفى حتى الآن بمصالحة الحريري مع الأسد والنظام السوري، وطيّ صفحة الماضي ليس إلا:
ـ ترسيم الحدود بين البلدين يحتاج إلى أكثر من وقت إضافي قبل مباشرته، ويحتاج إلى أبعد من انتهاء ترسيم الحدود بين سوريا والأردن. يحتاج كذلك إلى مضاعفة المواقف المعلنة التي أطلقها رئيس الحكومة حيال نظرته إلى مسألة الترسيم. قال الحريري إن الترسيم لا يرمي إلى رفع جدار ومتاريس بين البلدين، وأدرجه في نطاق مراجعة شاملة لدور الحدود بينهما، وحاول تجنّب إظهار الترسيم بمظهر مكمّل للعلاقات الدبلوماسية مع سوريا على أنهما مكسبان قد انتزعا منها، وعدم حصره بمنع التهريب والتسلّل.
ـ مصير المعسكرات الفلسطينية خارج المخيّمات ينتظر بدوره، شأن ترسيم الحدود، مبادرة لبنانية أولاً، تتصل بفتح حوار بين الحكومة اللبنانية والمنظمات الفلسطينية المعنية بهذه المعسكرات، قبل توقع دور سوري حيال هذا الحوار، أو حيال الجانب الآخر من تلك المعسكرات داخل الأراضي السورية. ولا تجد دمشق نفسها معنية بالمعسكرات إلا بمقدار تقدّم الحوار اللبناني ـــــ الفلسطيني.
على نحو كهذا، تتوقع العاصمة السورية من السرايا وضع ما اتفق عليه بين الأسد والحريري موضع التنفيذ.
ورغم أن المحيطين برئيس الحكومة تحدّثوا عن أكثر من مكالمة هاتفية أجراها بالرئيس السوري منذ زيارته دمشق، تأكيداً لاستمرار الحوار والتشاور بينهما، تتصرّف سوريا في المقابل، تبعاً للمطّلعين على موقفها، على أنها متمسّكة بالنتائج الإيجابية لزيارة الحريري، وبالرغبة في تعزيز الثقة الشخصية أولاً، وتشجيعه على استكمال استدارته السياسية لدى شارعه وقاعدته الشعبية وبإزاء حلفائه، ترجمة للتحوّل المهم الذي أفضت إليه علاقاته الجديدة بدمشق.
في الواقع أرخت العلاقات الجديدة هذه ظلالاً وافية على اجتماع البريستول على أبواب ذكرى اغتيال الرئيس الراحل، وأدخلت قوى 14 آذار في مرحلة جديدة تجعلها لا تتخلى عن الشعارات التي رفعتها لخمس سنوات خلت، لكنها تحملها على أن لا تكون 14 آذار 2006 و2007 و2008 و2009 هي نفسها 14 آذار 2010 وفي المرحلة المقبلة. هكذا في سلسلة تطورات سبقت الانتخابات النيابية وتلتها، وجدت قوى 14 آذار نفسها، تمهيداً لذكرى 14 شباط، أمام وقائع مؤلمة:
بعضها القريب أن رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط صار يميّز بين 14 شباط و14 آذار، يحضر الأولى وينبذ الثانية مذ قرّر مصالحة سوريا. وأن الأكثرية المنبثقة من الانتخابات النيابية صارت ضرباً من الوهم بعدما خرج منها جنبلاط، وزعزعتها حكومة الوحدة الوطنية، وفكّكها ذهاب الحريري إلى دمشق.
أما البعض الآخر من الوقائع المؤلمة، فيكمن في:
1 ـ لم تعد سوريا الدولة العدوّة المتهمة باغتيال الحريري الأب والاغتيالات التي تلته. لم يعد أيضاً الاحتكام في تنظيم العلاقات اللبنانية ـــــ السورية بين يدي الجامعة العربية ومجلس الأمن، بل أضحى مباشراً بعدما أصبحت سوريا أحد عناصر الاستقرار وانتظام عمل المؤسسات الدستورية: مرة بانتخاب رئيس للجمهورية، ومرة بتأييد تعيين رئيس للحكومة، ومرة بإزالة العراقيل من طريق تأليف الحكومة. عادت علاقات البلدين مميّزة بعدما ظُنّ أنها ستكون ندّية.
وما خلا مواقف متفرّقة غير ملزمة للحلفاء الآخرين، لم تعد قوى 14 آذار تذكر القرار 1559، ولا القرار 1680. تكتفي بالقرار 1701 عندما تدين انتهاك إسرائيل له، من غير أن تستعيد منه الجانب المتعلق بالحدود اللبنانية ـــــ السورية، بل باتت تشيد بالتبادل الدبلوماسي بين البلدين، من غير أن توجِد مخرجاً لائقاً لمأزق رفضها المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني والاتفاقات المنبثقة منه، مع ذلك لم تفصح مجتمعةً عن معارضتها استمراره. أفضت زيارة الحريري لدمشق إلى تكريس الحاجة إلى بقاء المجلس الأعلى. وعندما عاد منها طلب من الوزراء، في مهلة أسبوع، وضع ملاحظات على الاتفاقات الثنائية مع سوريا المتصلة بوزاراتهم، بغية التفاوض على تعديل ما يتطلّب تعديلاً. مذ ذاك طُوي الموضوع.
لم تقارب قوى 14 آذار معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق، ولا تنبّهت إلى أن سوريا تدعم اتفاق الدوحة في كل حال، ولا تظهر تأييدها لاتفاق الطائف إلا في نطاق تنظيم العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، الذي يرعى في آن واحد المعاهدة والمجلس الأعلى والاتفاقات الثنائية. لم يُوحِ الحريري بعد اجتماعه بالرئيس السوري بتمسّكه بما قاله بعض حلفائه عن التناقض بين المجلس الأعلى والعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
2 ـ لم يعد اعتقال الضباط الأربعة الدليل الأسطع على تورّط دمشق في اغتيال الحريري الأب، بل انقلبت وجهة الاتهام إلى مَن أدار شهود الزور. بذلك تبدو الاستنابات التي أصدرها القضاء السوري بناءً على طلب اللواء الركن جميل السيّد، وطاولت شخصيات لبنانية رسمية وسياسية، أحد وجوه انقلاب الأدوار والمواقع. وقد تكون النصيحة التي أُسديت إلى الحريري من شخصية سياسية بارزة، قبل أكثر من أسبوعين، خير معبّر عن أن حلّ الاستنابات السورية هو في يده أولاً، وفي يد السيّد ثانياً.
قالت الشخصية السياسية البارزة لرئيس الحكومة إن إلغاء الاستنابات بات يوازي ردّ الاعتبار إلى الضباط الأربعة، لا للسيّد فحسب، في معرض تأكيد الشخصية البارزة تلك لرئيس الحكومة أن رفضه ظلماً يُلحق بقضية والده يقتضي أن يلاقيه رفضه أيضاً ظلماً يلحق بآخرين بسبب القضية نفسها. ولفتته إلى أن دمشق لن تسحب الاستنابات، واقترحت عليه الاجتماع بالسيّد والطلب منه التراجع عنها تعبيراً عن تعويض معنوي لمشكلة شخصية، هي في الوقت نفسه عالقة في علاقات البلدين. كما أبلغت إلى الحريري أن دمشق تفهّمت مبرّرات السيّد في مراجعة القضاء السوري بسبب وجود شهود زور سوريين أيضاً، إلا أنها تفادت تأثير تلك الاستنابات على زيارته لها.
يومذاك لم يعقّب رئيس الحكومة على النصيحة.
كان الضباط الأربعة صورة نظام أمني انهار، إلا أن اتهامهم بالضلوع في اغتيال الحريري الأب مثّل لقوى 14 آذار على مرّ سنوات اعتقالهم الأربع، ما بدا أكثر الشعارات جاذبيةً لاستقطاب الشارع، الذي يعود هذه السنة إلى المكان نفسه في 14 شباط بلا الشعار الجذّاب ذاك.
3 ـ رغم التباين الحاد بينه وبين حلفائه الأساسيين، وأخصّهم المسيحيين، في الموقف من سلاح حزب الله ـــــ إذ يتحفّظ الحريري عمّا يجهرون به، ولا يخوض معهم معركة مفتوحة في مواجهة حزب الله ـــــ لم يسع قوى 14 آذار إلّا التقيّد بوجهة نظر رئيس الحكومة للمرة الثانية: أربكهم عندما أيّد تسمية المقاومة في البيان الوزاري، ثم أحرجهم مجدّداً عندما استعاد عبارة أخرى في البيان الوزاري تجعل الدولة مرجعية حصرية في الدفاع والأمن.
والواضح أن استعارة عبارة البيان الوزاري عن المرجعية الحصرية للدولة التي أوردها نداء قوى 14 آذار، لا تعني سوى انضمام هذا الفريق إلى التوافق الذي أحاط بصيغة البيان الوزاري بينه وقوى 8 آذار. لم تقبل قوى 8 آذار بالمرجعية الحصرية للدولة ـــــ وكان قد نصّ عليها اتفاق الدوحة ـــــ إلّا لأنها سلّمت في البيان نفسه بالمقاومة كإحدى وسائل تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018