ارشيف من :أخبار لبنانية
صفير يطلق على سوريا.. ليصيب «احتفالية براد»، أمر الهجوم على حزب الله .. بتوقيع جعجع أم ...؟
في الأشهر القليلة السابقة للانتخابات النيابية في حزيران 2009، سعى البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير لأن يشكل رافعة لـ«14 آذار» في تلك الانتخابات. وأطل من مجلة المسيرة ذات التوجـّه القواتي ليحذر آنذاك من فوز حزب الله وحلفائه فيها، فهذا الفوز يهدد المصير الوطني.
ويوم السبت 6 حزيران 2009، أي قبل يوم واحد من تلك الانتخابات رفع وتيرة صوته وأطلق صرخة تخويفية من فوز حزب الله وحلفائه، فاعتبر ذلك الفوز أمرا خطيرا يهدد الكيان اللبناني ويغير وجه لبنان.
واضح هنا أن غاية صفير كانت الانتخابات، وإمالة الدفة في اتجاه الفريق الذي يميل اليه، ولقد أدى وظيفة محددة في الدخول الى أمزجة الناس على باب صناديق الاقتراع. وفي الخلاصة فازت «14 آذار» بالأكثرية النيابية.
ومع التكليفين الأول والثاني للرئيس سعد الحريري قاد صفير الجبهة الاعتراضية على حكومة الوحدة الوطنية، وأطلق آنذاك عبارته الشهيرة بأنّ هذا النوع من الحكومات أشبه بعربة يجرها حصانان واحد إلى الأمام وواحد الى الخلف، وعلى هذا الأساس تجاوز الديموقراطية التوافقية اللبنانية ورفع لواء ديموقراطية الغالب والمغلوب التي أفرزت أكثرية وأقلية، وشكل رأس حربة في الترويج لحكومة من طرف واحد على قاعدة أكثرية تحكم وأقلية تعارض.
الواضح هنا أيضا أن غاية البطريرك الماروني كانت مبادرة استكمالية لما بدأه قبل الانتخابات، ومحاولة صناعة حكومة وفق مواصفات الفريق السياسي الذي يميل إليه أي حكومة كاملة الأوصاف الأكثرية. وليس مجازفة التأكيد تبعا للوقائع التي تلت وأسقطت نظرية الأكثرية والأقلية، أن صفير لم يكن من بين المصفقين لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
يتبيّن مما تقدم أن دخول صفير على الخط التصعيدي عشية الانتخابات النيابية وعشية تشكيل الحكومة، كان لغاية محددة، فنجح في الأولى وفشل في الثانية. الأمر الذي يقود مباشرة إلى السؤال عن الغاية التي يسعى البطريرك الماروني إلى تحقيقها في هجومه المتجدد على حزب الله وسوريا، وفي وقت ملتبس خال من أية استحقاقات سياسية منظورة بأهمية الاستحقاقين النيابي الحكومي، وهل ثمة استحقاقات غير منظورة يحاول أن يلاقيها البطريرك الماروني؟
قد لا يخرج هجوم البطريرك المستجد على سوريا عن السياق السلبي الدائم الذي ينتهجه ضد دمشق. وهو أمر لم يحدث مفاجأة في الوسط اللبناني العام كما في سوريا. وحديثه عن استمرار وجود الوصاية السورية من خلال حلفاء لبنانيين أوفياء لدمشق، قد لا يضيف شيئا على ما سبق وكرره عشرات المرات في هذا المجال.
ومن هنا تتقدم فرضية أن تصويب صفير على سوريا لا يعتريه بعد سياسي بقدر ما هو تعبير عن امتعاض البطريرك من المبادرة السورية بإحياء المئوية السابعة عشرة للقديس مارون في بلدة براد التي نشأ فيها، في محافظة حلب، عبر احتفالية ضخمة غدا، وسيكون لها بعد لبناني مسيحي ماروني واسع من خلال حضور قادة أساسيين للموارنة، كرئيس تكتل الإصلاح والتغيير النائب ميشال عون ورئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، ورموز مارونية كالرئيس إميل لحود وشخصيات أخرى. إضافة الى ممثل عن الكرسي الرسولي.
وأما سرّ الامتعاض الأساسي من ريادة سوريا لهذا التكريم، على ما يقول قيادي ماروني، فهو ان تتمكن دمشق من ان تحفر في الوعي المسيحي العام، وفي الوعي الماروني بشكل خاص، أنها آخر نظام علماني في هذا الشرق العربي يحتضن المسيحيين ويحفظ المسيحية كطائفة وكدعوة وكثقافة، فيما الآخرون يسعون الى اجتثاث جذورها الشرقية وفتح ابواب الهجرة امامهم او تهجيرهم.
ولا يبدو أن صفير قد تلقى دعوة للمشاركة في الاحتفالية المارونية السورية ـ ربما لارتباطه بإحياء الذكرى على جاري كل سنة في بكركي، والتي سيحضرها رئيس الجمهورية ميشال سليمان ـ ومن هنا جاء رد فعله وإعلانه أنه لن يذهب الى سوريا إلا والموارنة معه. متجاهلا الحضور الماروني لتلك الاحتفالية، الذي يعكسه حضور عون وفرنجية الذي يشكل بالمعنى التسييلي للحضور اكثر من نصف المسيحيين الموارنة، بحسب تقدير القيادي الماروني المقتنع بأن نظرة البطريرك الى الموارنة باتت محصورة فقط بمن تبقى وفي مقدمهم سمير جعجع، فهل هذه هي الطائفة؟
وإذا كان هجوم صفير على سوريا انطوى في جانبه الأساسي على بعد اعتراضي على الاحتفالية السورية بمئوية القديس مارون، فإن تصويبه العنيف على حزب الله يحمل على إحاطته بالكثير من علامات الاستفهام. ومحاولة الغوص في أعماق الموقف وانتشال «الصندوق الأسود» الذي يتضمن الأسباب الكامنة خلف المبادرات الهجومية المتتالية للبطريرك صفير ضد حزب الله، وعلى وجه الخصوص الهجوم الأخير الذي استعاد فيه صفير كل مفردات التحريض على الحزب فاتهمه بمحاولة الاستقواء على الآخرين، واستعاد مقولة الجيشين فرفع مستوى النبرة الى حد الدعوة الى «مواصلة النضال حتى قيام الدولة التي لا تتسع الا للجيش الشرعي»، من دون ان يوضح معنى او شكلا او يحدد موعد البدء بـ«النضال» الذي يدعو اليه.
والمثير في سياق الهجوم هو ان الخلاصة التي انتهى اليها صفير بأن «فرص الحرب قائمة باستمرار، ما دام حزب الله يريد ان يقوم مقام الدولة». يلاقيه فيها، او ربما يكمل سمير جعجع الذي قال مؤخرا ما حرفيته «ان وجود «حزب الله» هو سبب أي حرب محتملة على لبنان». وتوقع أن تهاجم اسرائيل لبنان خلال الاشهر الستة المقبلة لإنهاء حزب الله وسلاحه.
ويحمل ذلك على تسجيل ملاحظتين مريبتين:
الأولى: «مصادفة» الهجوم مع ظروف ملتبسة محليا وإقليميا، ويعتريها الكثير من الغيوم والتهديدات والمخاوف من احتمالات حربية إسرائيلية واسعة النطاق تتخطى لبنان الى سوريا. وطبعا ليس في الامكان الدخول في محاكمة هذه «المصادفة»، وإصدار الحكم عليها بأنها «مصادفة» جدية بما تعنيه الكلمة، او هي مرتبطة بأمر ما، فليس في اليد سوى تسجيل ملاحظة «الصدفة» دون أي أمر زائد، فقد تعبر عن ذاتها.
الثانية: ان منصة الهجوم على حزب الله هي ذاتها، مجلة «المسيرة». التي أجرت مع البطريرك سلسلة مقابلات خلال الاشهر الأخيرة، وظهـّرت موقفا عنيفا للبطريرك ضد حزب الله وسلاحه، والمثير انها «تتصادف» مع تهديدات اسرائيلية ضد لبنان.
ماذا يعني ذلك، ومن صاحب فكرة فتح النار على حزب الله البطريرك ام «القوات»، وهل ثمة محاولة لتحضير المسرح الداخلي لأمر ما؟
ثمة ملاحظة يسجلها مرجع كبير بقوله ما يلي وباللغة العامية «موقف البطرك من حزب الله معروف من الأساس، ولكن كل ما بيطلعو لعندو «القوات».. بيورطوه».
لماذا؟
لا يستطيع المرجع المذكور، تحديد الاسباب الحقيقية او قراءة النوايا والافكار المبيّتة، لكن ما يتبادر الى الذهن اولا، هو ان الهدف قد يكون محاولة استدراج «حزب الله» الى مساجلة صفير والتعرض له، ما يتيح لاصحاب الحملة الاستثمار على «التعرّض للبطريرك» من قبل «حليف عون»، لتحقيق مكاسب لهم في الشارع المسيحي. لكن الواضح ان حزب الله قرر الا يوفر لاصحاب هذا الاسلوب الاستدراجي الفرصة لتحقيق غايتهم وإحراج عون مسيحيا.
صحيفة "السفير" - نبيل هيثم
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018