ارشيف من :أخبار لبنانية

الابتزاز الأميركي للصين عبر النافذة التايوانية

الابتزاز الأميركي للصين عبر النافذة التايوانية

تسببت صفقة بيع الأسلحة الجديدة الأميركية إلى تايوان, التي بلغت قيمتها 6.4 مليارات دولار, في تفجير أزمة كبيرة بين الولايات المتحدة الأميركية والصينية,

وكانت إدارة الرئيس باراك أوباما أخطرت الكونغرس الجمعة الماضي بالمبيعات المقترحة التي تشمل 60 مروحية (بلاك هوك) بقيمة 3.1 مليارات دولار, و 114 صاروخا (باتريوت باك- 3) بقيمة 2.81 مليار دولار, وأجهزة اتصالات للطائرات المقاتلة إف 16, وسفينتين لإزالة الألغام أعيد تجديدهما, وتشمل الصفقة أيضا صواريخ (هايبون) التي تصنعها شركة (بوينغ).‏

وفي ظل الرفض الأميركي عن التراجع بشأن مبيعات الأسلحة إلى تايوان, قررت الصين تعليق مبادلاتها العسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية, وكذلك مشاوراتها على مستوى نواب الوزراء حول الأمن والرقابة على الأسلحة ومنع الانتشار النووي, للاحتجاج على بيع أميركا أسلحة جديدة إلى تايوان.‏

يعتقد المحللون أن أزمة تايوان الجديدة تأتي في سياق محاولة الولايات المتحدة ممارسة مزيد من الضغط على الصين لانتزاع تعاون(قسري) منها لإمرار العقوبات ضد إيران في مجلس الأمن بعدما عجزت عن انتزاع تعاون(طوعي) منها في هذا الشأن لكن هذا التفسير سرعان ما تبخر عندما كشفت هيلاري كلينتون في دافوس حقيقة النيات الأميركية بتحذيرها الصين من أنها بمعارضتها فرض عقوبات على ايران تهدد بحرمان نفسها امدادات النفط من الخليج وعلى رغم تعدد التفسيرات التي ألحقت بهذا التصريح, إلا أنها المرة الأولى التي تتحدث فيها واشنطن صراحة عن إمكان وقف واردات الصين النفطية إذا لم تماشها في موضوع العقوبات على إيران.‏

من وجهة النظر الأميركية (الإدارة والكونغرس) يشكل التحديث العسكري الذي تقوم به السلطات الصينية لقواتها المسلحة تهديدا حقيقياً للقوات الأميركية المرابطة في منطقة آسيا, وخاصة في شبه الجزيرة الكورية واليابان, وكانت العلاقات الأميركية- الصينية قد عانت بعض الفترات من التوتر, هذا ما حصل بمناسبة إجراء الصين تجارب الصواريخ غير المحملة الرؤوس, فوق المياه الإقليمية التايوانية (1995و 1996) والتي تبعها انتشار حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة, كما أصيبت إحدى طائرات الدورية الأميركية بأضرار عندما اعترضتها طائرات المطاردة الصينية فوق بحر الصين (2001) وقد برهنت هذه الأحداث عن انعدام الثقة بين الطرفين في الطابع الاستراتيجي لعلاقتهما ولكن منذ منتصف عام 2002 وبصورة أوضح منذ بداية 2003 اتجهت السياسة الخارجية الصينية نحو (نضج جديد) وبحسب التعبير الرسمي, أي في اتجاه واقعية تأخذ أكثر في الاعتبار مصالح البلاد الحيوية وتقر بأهمية العلاقات مع الولايات المتحدة وقد تأكد هذا التوجه من خلال الموقف الصيني من الحرب الأميركية على العراق وسعيها لإيجاد حل سلمي لمشكلة البرنامج النووي الخاص بكوريا الشمالية.‏

ولقد أصبحت الريبة والشك وعدم الثقة السمات الرئيسية التي تطبع العلاقات الصينية- الأميركية منذ حرب البلقان عام 1999, عندما قصفت القوات الأميركية سفارة الصين في بلغراد وإذا كان ثقل المصالح المتبادلة الاقتصادية والجيوبوليتيكية, يبدو أنه يمنع القطيعة فإن البرود في العلاقات ينم عن هشاشة هذه العلاقات الملتبسة والخاضعة أكثر من أي وقت مضى, لاحتمالات السياسة الداخلية لكلا البلدين, حيث تمتزج فيها المصالح الاستراتيجية مع (السياسة الرافضة) والصراع التنافسي الاستراتيجي.‏

وإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما, لن تقدم ذلك الدعم الكبير الذي جعل قادة تايوان قادرين على إعلان الاستقلال عن الصين, لأن المسؤولين الأميركيين يضعون نصب أعينهم احتمال أن تبدأ الصين حربا ضارية ستجر إليها بالتأكيد القوات الأميركية, وهذا ما تحسب به الولايات المتحدة الأميركية ألف حساب, وخاصة مع الصين التي أصبحت قادرة على أن تكون ندا يضع حدا للهيمنة والسيطرة الأميركية, ولا ننسى أن الصين تلقى دعما خاصا من روسيا التي تزودها بأحدث الأسلحة وأكثرها تطورا, ورغم أن الصواريخ الروسية الصنع لا تحمل رؤوسا نووية التزاما من موسكو بمعاهدة الحد من انتشار هذه الأسلحة, فإن الولايات المتحدة الأميركية التي نشرت مجموعتين من حاملات الطائرات في المنطقة تعتقد أن الصين قادرة على إرباكها وإحراجها عسكريا حتى باستخدام الأسلحة التقليدية.‏

ويقارن الباحثون والمحللون السياسيون في الولايات المتحدة الأميركية بين المدار الذي قطعته الصين للوصول إلى قوة عظمى على الساحة الدولية, وبين المدار الذي قطعته الولايات المتحدة الأميركية في بداية القرن العشرين, ويقول شالميرين جونسون حول (القومية والسوق, الصين قوة عظمى) مثلما أحدث انبثاق قوى عظمى ألمانية وأميركية ويابانية أو روسية حروبا ساخنة وباردة, وحرض على إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي, فإن الشيء عينه للصين هو الآن بصدد تبديل موازين القوى العالمية, من دون شك سوف تصبح الصين القوى العظمى الثانية في آسيا, وربما أيضا القوة العظمى الأولى في العالم خلال القرن الحادي والعشرين ويذهب جوزيف نين أستاذ جامعة هارفرد والمستشار السابق للرئيس كلينتون, إلى القول: إن انبثاق قوى عظمى جديدة يترافق دائما معه القلق, والتردد (..) وسوف يصبح تطور القوة الاقتصادية والعسكرية مسألة مركزية في السياسة الخارجية مع بداية هذا القرن.‏


توفيق المديني - صحيفة "الثورة" السورية

2010-02-08