ارشيف من :أخبار لبنانية
"رفيق الحريري كان يلوذ بمكتبي لتجنب المتباكين عليه اليوم" بري لرئيس الحكومة : هذا ما افعله لو كنت مكانك
عماد مرمل - السفير
بدأ العد العكسي لمهرجان 14 شباط الذي تقيمه قوى 14 آذار في ساحة الشهداء الأحد المقبل. ولأن المناسبة تأتي هذا العام وسط ظروف سياسية مختلفة عن تلك التي سادت خلال السنوات الماضية، فإن الاختبار يبدو هذه المرة أصعب من المرات الباقية، وبالتالي فإن التعبئة الإعلامية والشعبية التي كانت تتم في السابق بانسابية وسلاسة، باتت اليوم تتطلب مزيداً من العمل والتخطيط والتشويق والترغيب، لتأمين اكبر حشد ممكن.
يدرك القيمون على المهرجان أن عصب الجمهور لم يعد مشدوداً كما كان في السابق، وأن المطلوب بذل جهد إضافي واستثمار مساحات غير مزروعة في الخيال للتعويض عن تلاشي بعض الشعارات القديمة وانخفاض حرارة بعضها الآخر، ناهيك عن ملء الفراغ الذي تركه أحد مؤسسي 14 آذار وأحد نجوم شباك التذاكر في 14 شباط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط.
بطبيعة الحال، لن يكون سهلاً ملء ساحة الشهداء بالجموع البشرية تحت سقف التفاهم مع سوريا أو الشراكة مع المعارضة في حكومة الوحدة الوطنية، بعدما كان كلاهما متهماً بالمشاركة المادية او المعنوية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو اتهام كان كفيلاً لوحده بتوليد الطاقة التعبوية حتى الحد الأقصى.
وبطبيعة الحال، لن يكون سهلاً استثارة الجمهور للتصفيق والهتاف بعدما أصبح استخدام المفردات الملتهبة والحماسية غير متاح من دون ضوابط سياسية، الأمر الذي قد يدفع بعض الخطباء الى ممارسة الرقابة الذاتية وبالتالي استعمال «لغة مشفرة» تضخ الرسائل الملغومة بين السطور...
ومن هنا، فإن قوى 14 آذار ستجد ذاتها أمام امتحان ابتكار «خلطة سحرية» تجمع بين قيود اللحظة السياسية الراهنة والحنين الى أيام «السيف والترس» في وسط بيروت، علماً بأن التقديرات الأولية تميل الى الافتراض بأن المناسبة ستفرز سقوفاً متباينة، تعلو تارة وتنخفض طوراً تبعاً لأمزجة وحسابات القوى المشاركة في إحياء المناسبة.
وإذا كان من المتوقع أن يكون خطاب الرئيس سعد الحريري متضمناً أحزمة الأمان الضرورية، إلا ان الخشية في اوساط المعارضة هي من «شرود» الخطباء الآخرين، المنتمين الى مسيحيي 14 آذار، نحو اتجاهات لا تتلاءم والمرحلة الجديدة التي دخلت فيها البلاد بعد تشكيل حكومة الوحدة وزيارة الحريري الى دمشق.
ولعل مؤشرات التباين بين موجة الحريري وموجة مسيحيي الأكثرية ظهرت بوضوح من خلال كيفية التعامل مع الموقف الأخير المنسوب الى الرئيس بشار الأسد حول النظام اللبناني وخطر الحرب الأهلية، إذ كان لافتاً للانتباه تجاوب تيار المستقبل مع توضيح المصادر السورية لكلام الأسد واعتباره كافياً لتجنب أي سجال بشأنه، فيما ذهبت شخصيات مسيحية في الأكثرية نحو استعادة طقوس المبارزات الكلامية السابقة، من خلال توجيه انتقادات قاسية الى الرئيس السوري، تجاهلت التوضيح المعلن، وبدت أنها تحاول الاستفادة من الالتباس الذي حصل لتوظيفه في عملية استنهاض القواعد الشعبية وحثها على المشاركة الكثيفة في ذكرى 14 شباط.
وبرغم محاولة الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط تحرير الذكرى من سطوة الاصطفافات القديمة وإعادة تظهير الإجماع الوطني حولها، إلا أن ردود الفعل التي ظهرت من بعض قوى 14 آذار أجهضت تلك المحاولة وهي جنين، ما أضاع فرصة ذهبية كانت متاحة لـ«تأميم» يوم 14 شباط وجعله يوماً جامعاً، عابراً للانقسامات ومتحرراً من كل أشكال الاحتكار السياسي او الفئوي.
ولم يتردد الرئيس بري في إثارة هذا الموضوع خلال استقباله الرئيس سعد الحريري في مكتبه في مجلس النواب يوم الأربعاء الماضي، برغم الوقت القصير الذي استغرقه اللقاء بين الرجلين. كان الحريري يهم بالخروج، عندما استوقفه بري وقال له: دولة الرئيس..لو كان الأمر يتعلق بمناسبة تخص فريق 14 آذار حصراً، ما كنت لأكلف نفسي عناء حتى مجرد التفكير بالمشاركة فيها، ولكن تاريخ 14 شباط له معنى آخر بالنسبة إلي.. واسمح لي أن أقول لك، ليس فقط سمير جعجع لا يمون عليّ في ما خص هذا التاريخ، بل أنت أيضاًَ ومع كل محبتي لك، لا تمون عليّ في كل ما له علاقة باستشهاد رفيق الحريري، لأن والدك يعني لي الكثير..
يعتبر بري في مجالسه الخاصة أن من سخريات القدر أن يسمح البعض لنفسه بأن يختار من يأتي ومن لا يأتي لإحياء ذكرى اغتيال رفيق الحريري، «في حين أن الشهيد كان لا يطيق هذا البعض الذي يزايد علينا اليوم في قضية استشهاده».
ويضيف بري راوياً وقائع من كواليس الماضي: كان الرئيس رفيق الحريري يشكو أمامي من هؤلاء، وبينهم شخصيات بارزة حالياً ضمن مسيحيي 14 آذار، وكم من مرة سألني عشية الجلسات العامة أن أنصحه ماذا يفعل لتجنب الاستماع الى كلماتهم، فكنت أقترح عليه أن يحضر افتتاح الجلسات فقط وفق ما تقتضيه الأصول، «ولا بأس بعد ذلك في أن تذهب الى مكتبي حيث تستطيع ان تتناول القهوة أو الشاي وتنجز بعض أعمالك الى حين ان ينتهي الخطباء الذين يزعجونك من إلقاء كلماتهم، وبالفعل هذا ما كان يحصل».
وحتى الذين صرحوا بأن الرئيس بري مرحب به في مهرجان 14 شباط إذا رغب في المشاركة، أثاروا حفيظة رئيس المجلس الذي يرى أن علاقته بالرئيس رفيق الحريري كانت عميقة وراسخة الى الحد الذي يجعله يتحسس من أن «يتكرم» عليه هذا او ذاك بإذن المشاركة في إحياء ذكراه...
ليس صعباً أن تستشعر غضب بري وهو يتكلم عن «الطارئين» على محبة الحريري، بعد رحيله، والذين يسعون من دون خجل الى مصادرة شهادته والحزن عليه، متجاهلين أن اغتياله أصاب الجميع بجرح بليغ. ويستعيد بري كيف أنه أصرّ على حضور مأتم تشييع الحريري، «متجاهلاً كل النصائح الأمنية التي أسديت إلي لإقناعي بالعدول عن قراري خوفاً من ان أتعرض لأي اعتداء او رد فعل غير متزن من أفراد غاضبين».
ويلفت بري الانتباه الى أن موقفه الذي أبدى فيه استعداده لحضور مهرجان 14 شباط إذا كان حاضناً لكل اللبنانيين، إنما اتى في سياق إعطاء المناسبة ما تستحقه من بُعد وطني وصولاً الى محو الحواجز والمسافات بين 8 و14 آذار، وبالتالي ملاقاة النائب جنبلاط في كلامه حول ضرورة أن تكون الذكرى جامعة، مبدياً خشيته من أن يؤدي الاحتفال المفتوح وذو اللون السياسي الواحد الى إفراز انفعالات شعبية قد تقود الى تسرب هتافات مؤذية من خارج سياق التهدئة، «والقلق الأكبر هو من ان يتفاعل بعض الخطباء مع الحالة الجماهيرية فيطلقون مواقف تصعيدية من شأنها بالتأكيد أن تخربط الوضع العام».
وإذ يؤكد بري انه مطمئن مسبقاً الى ما سيقوله سعد الحريري وممثل تيار المستقبل، يوضح صراحة ان الحذر هو حيال ما يمكن ان يصدر عن الرئيس أمين الجميل والدكتور سمير جعجع، آملاً في ان يلتزما بمقتضيات التهدئة في المرحلة الراهنة.
ويشير بري الى انه لو كان مكان الرئيس سعد الحريري لاتخذ قراراً بإقامة احتفال موسع ومدروس في قاعة البيال، يدعى اليه رئيس الجمهورية وشخصيات من كل الاتجاهات السياسية، على ان يكون برنامج الاحتفال مفتوحاً على أحد خيارين: فإما ان تُلقى كلمات لممثلي الطوائف الروحية في لبنان إضافة الى كلمة سعد الحريري، وإما أن يقتصر الأمر على خطاب واحد للحريري، وفي كلتي الحالتين كانت المناسبة سترتدي حلة وطنية تليق بذكرى 14 شباط. ولكن الأوان فات الآن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018