ارشيف من :أخبار لبنانية
نحو مارونية سياسية عربية
ادمون صعب - صحيفة السفير
«ان سورية تستمد أهميتها ليس فقط من موقعها الوسط بين أوروبا ومصر، بل من سكانها الذين يشكل الموارنة نواتهم، والذين يعيشون موحّدين تحت سلطة الأمير بشير»
ألفونس دو لامارتين
(مجلس النواب الفرنسي في 6/8/1846)
لاحظ المراقبون حدّة غير معهودة رافقتها غصّة عميقة، في الرسالة التي وجهها البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الاثنين الماضي إلى أبناء الطائفة في لبنان والمهجر لمناسبة بدء الصوم الكبير ومع انطلاقة الاحتفالات بذكرى مرور 1600 سنة على وفاة القديس مار مارون شفيع الطائفة والذي صادف عيده أول من أمس الثلاثاء. وقد تجسّد الانقسام في صفوف الموارنة في القداسين الاحتفاليين اللذين أقيما في العيد، الأول في كاتدرائية القديس جاورجيوس للموارنة في وسط بيروت، وترأسه البطريرك صفير وحضره الرؤساء ميشال سليمان ونبيه بري وسعد الحريري، وأركان الدولة وسياسيون من فريقي الحكم غالبيتهم من مسيحيي 14 آذار مطعّمين بمجموعة من «التيار الوطني الحر» الذين لم يرافقوا زعيمه العماد ميشال عون إلى براد في منطقة حلب بسوريا حيث أقيم الاحتفال الثاني بحضور أركان مسيحيي المعارضة وفي مقدمهم الرئيس السابق اميل لحود، والعماد ميشال عون، والنائب والوزير السابق سليمان فرنجية، ونواب ووزراء وسياسيين من الفريق المعارض لسياسة البطريرك وتوجهاتها الداخلية والخارجية على السواء.
وكان البطريرك قد سُئل، في حوار أجرته معه مجلة «المسيرة»، الناطقة باسم «القوات اللبنانية»، هل سيزور سوريا، وكانت مناسبة احتفال براد في الأفق، فأجاب: «لن نزور سوريا إلا وطائفتنا معنا»، في إشارة غير مباشرة إلى ان طائفته ليست معه في أمور كثيرة، بل ان أكثر من نصفها ليس معه في أهم موضوعين هما: العلاقات مع سوريا والموقف من المقاومة وسلاحها... وقال هذا الفريق كلمته في الاحتفال الذي أقيم في براد الانطاكية بعد ثلاثة أيام من نشر تصريح صفير الذي جاء فيه أيضاً: «ان فرص الحرب قائمة في استمرار ما دام «حزب الله» يريد ان يقوم مقام الدولة. والطرف الذي يملك السلاح يستقوي على الآخرين»، متجاهلاً بذلك التهديدات الإسرائيلية المتكررة للبنان والخروق اليومية للطيران الحربي الإسرائيلي للأجواء اللبنانية وما تنطوي عليه من تحد للمجتمع الدولي وللأمم المتحدة وللقرار 1701.
ولعل أخطر ما تضمنته الرسالة نعي المشروع الذي رمى إلى «مورنة» العرب أو لبننتهم، وقد حدد صفير هذا المشروع بأنه «مشروع حرية رمزها لبنان. وإن مشروع الموارنة، كما مشروع اللبنانيين، هو تحرير الانسان. وهو مشروع مرفوع على ملتقى القارات الثلاث، يجسّد مصير الشرق كله: مصير المعذّبين، والمتألمين، والمهمّشين فيه، والمطرودين من أوطانهم، والمضطهدين في حرياتهم بحيث تتلاقى في وطن الأرز أمنياتهم وتطلعاتهم إلى الأرض والحرية».
وأضاف: «لقد أعطى القديس مارون كنيستنا وشعبنا ووطننا احد المبررات الأساسية لتكون لنا قضية (...) انسانية حضارية لاهوتية تجسّدت في الميثاق بين اللبنانيين (...) وقد حوّل هذا الميثاق لبنان من موئل إلى معقل، ومن منفى إلى وطن، فصار وطن الأقليات بشراً، ووطن الأكثريات حضارة، فأصبح خلاصة الشرق والوارث البكر للثروة المشرقية».
ورأى في بيع الأرض والهجرة أكبر خطرين يهددان هذا الوطن، ويظهران فشل المشروع الذي يبدو كأنه معلّق بين الأرض والسماء، منعزل عن محيطه العربي الذي دعا الإرشاد الرسولي إلى أخذه في الاعتبار ضماناً لمستقبل المسيحيين في الشرق.
ففي الإرشاد الذي أعلنه البابا لدى زيارته لبنان في 10 أيار 1997 بعنوان «رجاء جديد للبنان»، دعوة إلى «انفتاحات الحوار مع العالم العربي، وانخراط المسيحيين في الثقافة العربية والتضامن مع قضايا العالم العربي ومنها القضية الفلسطينية».
فأين نحن الآن من هذا التضامن مع قضية فلسطين ومقاومة إسرائيل ومشروعها الاستيطاني والاحتلالي، عندما يضيف البطريرك إلى خطر ترك الوطن وبيع الأرض «خطر» المقاومة وسلاحها المكرّس للدفاع عن الأرض وريّها بدماء الشهداء والتشبّث بها لأن ترابها أصبح مقدساً بعدما افتدته أرواح الشهداء، وحرب تموز 2006 ليست ببعيدة وقد استشهد فيها بصواريخ الإسرائيليين ومدافعهم أكثر من 1300 لبناني؟
ففي موضوع الأرض يقول البطريرك بلوعة وأسى: «ان أرض لبنان أمّ تجب محبتها، فقيرة كانت أم غنية. انها الأرض المغذية التي تختزن كنوز التاريخ (...) وطبعت جميع الذين أبصروا النور عليها وضمنهم، في مساء العمر إلى صدرها ليروي الخلف عن السلف ما نسجه في حياته من تاريخ».
ويضيف: «ان الذين يتخلون عن أرضهم عن طريق بيعها، وخصوصًا من غير اللبنانيين، إنما ينتهكون حرمة وطنهم وخاصة الذين يرقدون في طبقاتها على رجاء القيامة السعيدة».
وحبذا لو توسّع الراعي الكبير وشرح للبنانيين، مسيحيين ومسلمين، لماذا يبيع مسيحيون أرضهم ويغادرون الوطن إلى غير رجعة، في حين يموت آخرون من أجل الأرض نفسها، ويقدّسونها لأنها ارتوت بدماء الشهداء ولأنها تحضن تراب الأجداد، ذلك التراب الذي يجعل الأرض وطناً، وطناً نهائياً على ما قال الإمام موسى الصدر ثم نائبه الشيخ محمد مهدي شمس الدين، فالأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في آخر شهر تشرين الثاني الماضي لدى إعلانه وثيقة الحزب. وكانت عبارة «الوطن النهائي بحدوده الحاضرة سيداً حراً مستقلا، عربياً في محيطه وواقعه ومصيره»، وردت، في بيان اصدره المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى برئاسة الإمام الصدر في 11/5/1977، ثم تضمنتها وثيقة «الثوابت الإسلامية» في 10/3/1985.
أما في موضوع المقاومة الحاضنة للأرض، فيقول صفير: «ان التهديد بالسلاح إنهاء لهوية لبنان ومعناه ودوره وحينئذ يصبح البلد مربوطاً بمرجعيات خارجية ليس بالمعنى الثقافي فحسب، بل بالمعاني السياسية والعسكرية والأيديولوجية والمذهبية أيضاّ».
وإننا لنعجب لمثل هذا الكلام معطوفاً على ما سبق ان ورد على لسان البطريرك من كلام في حق المقاومة وسلاحها لمجلة «المسيرة» من أنه بجعل «فرص الحرب قائمة باستمرار» ـ اننا حقاً لنعجب لمثل هذا الكلام على الحرب والسلاح والمقاومة من رجل دين ماروني بمقام البطريرك وعندما يكون رئيس البلاد، رئيس البطريرك، مارونياً مشهوداً له بالوطنية، وقائداً سابقاً للجيش وكذلك عندما يكون قائد الجيش مارونياً هو الآخر و«شغلته» الأساسية السلاح والمقاومة والدفاع عن الوطن! لماذا كل هذا الارتباك في موقف سيد بكركي، ولا أقول الكنيسة المارونية؟
تقول الباحثة المرموقة المتخصصة في المسيحية المشرقية اليزابيت بيكار في دراسة حديثة أجرتها بعد اتفاق الطائف: «ان الطائف استبدل النظام السياسي ذا الطابع التسلّطي والقائم على الهيمنة المسيحية، وعلى الأخص المارونية بنظام مشترك بين كل الطوائف، مجرّد من الوهم التأسيسي. وقد أعيد النظر في الميثاق الوطني، وثبتّت الطائفية السياسية الأمر الذي أحدث انشقاقاً جذرياً في استمرار الدولة التي كانت مركّزة على بنية مسيحية. وبدا لبنان غير مطمئن إلى مستقبله كدولة، بالنظر إلى العلاقات بين قوى المنطقة وافتقاره إلى حس مشترك جديد بين مكوناته».
وأضافت: «إن أزمة المسيحيين هي علامة تّنذر بإعادة التركيب الجارية في المدى الشرق ـ أوسطي، أكثر منها مسألة قديمة لا تخص إلا فئة معينة ومحددة».
ماذا تريد الكنيسة المارونية؟
وماذا أراد المسيحيون من الطائف؟
تفيد القراءة التحليلية لمقدمة الدستور وللاصلاحات التي جرت بموجب اتفاق الطائف، بوجود معادلتين مهمتين كان لسوريا دور في الوصول إليهما، وتتأثر التركيبة الجديدة للنظام بها.
المعادلة الأولى: الوطن النهائي في مقابل الصلاحيات
المعادلة الثانية: لبنان عربي في مقابل استمرار الرئاسة الأولى في يد الموارنة.
وقد دفع المسيحيون أغلى الأثمان بالتنازل عن السلطة الإجرائية والصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها الرئيس الماروني، في سبيل إقرار المسلمين اللبنانيين، ومعهم سوريا والعرب، بنهائية الوطن اللبناني. وكان المطلب الأساسي لسوريا وبعض العرب انتزاع سلطة القرار في الدولة من رئيس الجمهورية المسيحي الماروني ووضعها في عهدة مجلس الوزراء الذي يرأسه مسلم سني، بعد تعامل فريق قيادي من المسيحيين، والموارنة خصوصاً، مع إسرائيل وتسهيل اجتياح لبنان عام 1982.
وقد نقل المحامي كريم بقرادوني عن الرئيس الراحل حافظ الأسد، انه كلما حاول أخذ المسيحيين، والموارنة خصوصاً، إلى العرب، كان يُفاجأ بارتمائهم في أحضان إسرائيل عدوة اللبنانيين والعرب والمسلمين.
وروى الدكتور لوسيان الدحداح، شقيق صهر الرئيس سليمان فرنجية (رودريك الدحداح) الذي كلفه رئيس الجمهورية التفاوض مع الرئيس حافظ الأسد الذي كان زميله في الدراسة في فرير اللاذقية حول مشروع «الوثيقة الدستورية»، ان أكثر ما كان يقلق الرئيس السوري هو تعامل فريق من المسيحيين الموارنة مع إسرائيل وعدم اعتبارهم إياها عدوة.
وتناول في نهاية احدى الجلسات ورقة بيضاء وقال للدحداح: «ماذا يريد الموارنة من سوريا؟ خذ هذه الورقة إلى البطريرك (كان آنذاك مار انطونيوس بطرس خريش) واطلب منه ان يدوّن عليها كل ما تريده بكركي من دمشق، على ان يترك في أسفلها مكاناً لسطر واحد يتعهد فيه البطريرك بقطع علاقات المسيحيين، وخصوصاً الموارنة، بإسرائيل. ويكون ذلك وعد شرف للمستقبل، على ان توفّر سوريا للمسيحيين في المقابل كل الضمانات التي تطمئنهم». وبقي الموضوع سراً بين الأسد والدحداح. ولم يُعرف إذا كانت الورقة وصلت إلى البطريرك.
وقال الدحداح ان الهم الأساسي للرئيس الأسد كان نقل القرار السياسي اللبناني من الرئيس الماروني إلى رئيس الوزراء السني.
ولم يكن ممكناً، تطبيقاً للطائف، ألا يذهب المسيحيون إلى العروبة، بعدما أصبح لبنان «عربي الهوية والانتماء»، وهذا يعني تبني قضية فلسطين، ودعم المقاومة لإسرائيل بالسلاح وبسواه، والذهاب إلى سوريا وحتى إلى إيران. وهذا ما يصر البطريرك الماروني على رفضه بعدما حدد احتفال براد بوصلته، ويسير في الاتجاه عينه الرؤساء الثلاثة ومعهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وطائفته.
يبقى تحد واحد وأساسي، هو قيام مارونية سياسية جديدة عربية، منفتحة، تذكّر الموارنة بدورهم التنويري، وتعيد نشر قيمهم في المشرق، قيم الحرية والعدالة والديموقراطية والمساواة وحقوق الانسان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018