ارشيف من :أخبار لبنانية
جنبلاط ــ دمشق: رسائل متبادلة استغنت عن الامتحان
مذ قال وليد جنبلاط إن موعد زيارته دمشق أضحى تقنياً، بدا شبه مؤكد أن توجّهه إليها أصبح على مسافة أيام. لم يعد مطلوباً مواقف سياسية تزيل العراقيل من طريقه إلى دمشق، ولا هي تصرّفت، تبعاً للمطّلعين على موقفها، منذ قرّر جنبلاط الانفصال عن حلفائه في قوى 14 آذار، على أساس أنها تريد إخضاعه لامتحان درجت على إجرائه لكمّ لا يحصى من السياسيين اللبنانيين الذين تدرّجوا كي يصبحوا حلفاء لها، وأخصّهم الموارنة المرشحون لرئاسة الجمهورية قبل اتفاق الطائف وبعده، إبان نفوذها المتفاوت في لبنان.
وعلى وفرة ما قيل عن شروط طلبتها القيادة السورية من جنبلاط ثمن استقباله في دمشق، واقع الأمر أنه لم يكن كذلك. ولا الرئيس السوري نظر إلى علاقة جديدة محتملة بالزعيم الدرزي تحتّم على الأخير اجتياز أكثر من اختبار ثقة.
بالتأكيد على مرّ خمس سنوات من وجود الأسد على رأس النظام في بلاده بين 2000 و2005، عندما انفجر النزاع بين جنبلاط وسوريا، شهدت علاقته بالزعيم الدرزي أكثر من أزمة، أولاها في تشرين الثاني 2000، وبالكاد انقضت أربعة أشهر على انتخابه رئيساً. وعُزي بعض أسبابها إلى ممارسة ضغط على رئيس جديد يحاول الإمساك بنظام حكم معقد ترتبط فيه كل مصادر قوة الدولة والجيش والحزب ومراكز القوى النافذة ولا سيما منها أجهزة الاستخبارات الفاعلة برئيس الجمهورية. قيل أيضاً في تلك الأسباب إنها محاولة إضافية لتخفيف القبضة السورية على لبنان.
الأمر الذي لم يظهر إلى العلن مرة على الأقل في عهد الرئيس حافظ الأسد الذي استقبل جنبلاط مراراً.
حينذاك، كان صمام أمان علاقة جنبلاط بالأسد الأب، الحلقة الوسيطة التي مثّلها نائب الرئيس عبد الحليم خدّام ورئيس الأركان العماد الأول حكمت الشهابي واللواء غازي كنعان، فلم يفترق الزعيم الدرزي يوماً عن الأسد الأب الذي أعطى جنبلاط كل ما كان يريده في تقاسم السلطة في لبنان، ولا سيما استثناء جبل لبنان الجنوبي من الدوائر الموسّعة في قوانين الانتخاب.
مع انتخاب الأسد الابن أضحت العلاقة مباشرة بسبب وضع الرئيس، منذ ما قبل انتخابه بسنتين على الأقل، ملف لبنان بين يديه. غابت الحلقة الوسيطة، وأضحى التفاهم مباشراً، والخلاف بدوره مباشراً في الأزمة الثانية الأكثر كلفة بدءاً من آب 2004.
بعد خمس سنوات من النزاع الضاري بين 2005 و2009، يوشك الرئيس السوري والزعيم الدرزي على طيّ صفحة الماضي تماماً. بيد أن المبرّرات التي استبعدت تجربة الامتحان، ولم يسبق للرئيس السوري الحالي أن جرّبه منذ عام 2000، تكمن في المعطيات الآتية:
1 ـــــ تيقّن دمشق من أن المواقف التي عبّر عنها جنبلاط، أو أرسلها عبر القناة الوحيدة الموثوق بها بينه وبين الرئيس السوري ـــــ وهي الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ـــــ لم تنطوِ على رسائل مقدار ما أكدت اقتناعاته بالعودة إلى الخيارات التي كان قد أرساها مع سوريا بين 1977 و2000. عزّز اعتقاد دمشق باستعادة هذه الاقتناعات الدور الذي اضطلع به نصر الله لدى الرئيس السوري، وثقته بثبات جنبلاط على تلك الخيارات التي لا تعني في أي حال إلا الوقوف على طرف نقيض ممّا تقول به قوى 14 آذار.
2 ـــــ تأكد لدمشق خروج جنبلاط نهائياً من قوى 14 آذار، وإبقاؤه «علاقة وفاء» برئيس الحكومة سعد الحريري تستمد دوافعها من وفائه للحريري الأب. تأكد لها أيضاً خروج جنبلاط من المشروع السياسي لقوى 14 آذار، وخصوصاً ما يتصل بمواقف أفرقائها من القرار 1559 وسلاح حزب الله.
3 ـــــ الإشارات التي وجهتها دمشق عن الطريقة الجديدة التي تتبعها في التعامل مع لبنان، بالابتعاد عن الخوض في التفاصيل والتدخّل فيها. وكانت هذه إحدى شكاوى جنبلاط من المرحلة السورية السابقة، عندما كان يتذمّر ـــــ وهو ما جَهَرَ به لاحقاً ورفع وتيرته عام 2004 ـــــ من محاولة حصر علاقته بدمشق بضباط الاستخبارات وسعي هؤلاء إلى الانخراط في أدقّ الشؤون اللبنانية وأبسطها حتى. والواضح أن المواقف الأخيرة لجنبلاط، في الأسابيع القليلة المنصرمة، لم تحمل أي انتقاد لاستمرار تدخّل سوريا في الشؤون اللبنانية، وكان يوجّه الانتباه إلى سبل بناء علاقات جديدة مميّزة ومتكافئة.
كان أحد الأمثلة الساطعة على محاولة سوريا النأي بنفسها عن الشؤون الداخلية في لبنان، رغم معرفتها بحساسية الخلاف الدائر بين رئيس المجلس نبيه برّي والرئيس ميشال عون ـــــ وكلاهما حليف قوي لها ـــــ تفاديها الدخول وسيطاً بينهما على نحو اعتادته بين حلفائها في تسعينيات القرن الماضي. تركت لهما تذليل خلافاتهما أو تركها معلقة، ولم تعمد إلى إرغامهما على المصالحة في مواجهة الفريق الآخر. تصرّفت بذلك على عكس ما خبرته قبلاً عندما كان دورها السياسي أو الأمني يتدخّل بفاعلية لتحديد الأحجام والأوزان، تارة لتكبير تلك وطوراً لتصغير هذه.
4 ـــــ مقاربتها الواقعية نتائج مرحلة عامي 2005 و2008 التي حمّلت سوريا خسائر باهظة كانسحاب جيشها واستخباراته العسكرية من لبنان وانهيار النظام الأمني الموالي لها والطبقة السياسية اللصيقة بها، مقدار ما حمّلتها في ما بعد أرباحاً كبيرة كصمود حزب الله في وجه إسرائيل في حرب تموز 2006 واتفاق الدوحة الذي سبقته أحداث 7 أيار 2008، وصولاً إلى أول حكومة وحدة وطنية، ثم إلى ثاني حكومة وحدة وطنية لم تكتفِ بإلغاء نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، بل قلبت التوازنات الداخلية رأساً على عقب. استيعاب دروس تلك المرحلة الصعبة والمكلفة، أفضى إلى مصالحة الرياض مع دمشق، وإلى حدثين لبنانيين غير متوقعين في العامين المنصرمين: مصالحة النظام مع عون، ثم مع رئيس الحكومة سعد الحريري.
وهكذا لم يعد حزب الله ولا سلاحه الحليف الوحيد لدمشق لفرض نفوذها في لبنان، بل تغلغلت في توازن القوى الجديد. بعد عون والحريري، ها هو جنبلاط ينضم إلى القافلة.
بذلك أرسى الرئيس السوري شبكة تحالفات في لبنان، رسمية وحزبية، ساعدت في استعادة نفوذه في هذا البلد.
5 ـــــ على حدّة نزاع الأعوام المنصرمة، حيّدت دمشق دروز سوريا عنه، وتفادى جنبلاط التأثير على النظام من خلالهم رغم حظوظ ضئيلة لم تكن تسهّل له تصعيد نبرتهم ضد نظام الأسد، بينما قاد طائفته في لبنان إلى مواجهة مفتوحة هي الأولى في تاريخ علاقة الطائفة الدرزية اللبنانية بسوريا. حتى في ذروة المواجهة العسكرية بين كمال جنبلاط والأسد الأب عام 1976، نأى الزعيم الراحل بطائفته عن الخلاف مع الرئيس الراحل حول ما كان يحدث في لبنان وتشبّّث بالحسم العسكري لحرب السنتين. وعندما ذهب جنبلاط الابن إلى دمشق بعد أربعين والده، أعاد تطبيع علاقة البيت الجنبلاطي ـــــ لا الطائفة الدرزية ـــــ بسوريا.
كَمَن الفارق في عدم استخدام الدروز السوريين في النزاع، في أن هؤلاء لا يقاربون علاقتهم بالأسد والنظام السوري كطائفة، على غرار الوضع الذي يخبره الدروز اللبنانيون منذ ما يقرب من 170 عاماً على الأقل في لبنان، وإنما كجزء من المجتمع السوري. في المقابل، اهتم جنبلاط بعدم تعويل دمشق على سياسة كانت قد اتبعتها لأكثر من عقدين ونصف عقد من الزمن في لبنان: سياسة فرّق تسد.
عندما كان قائد قوى 14 آذار، اختلف جنبلاط مع المراجع الدرزية الأخرى على الخيارات السياسية والعلاقة مع سوريا والموقف من سلاح حزب الله، من غير أن يحمل الطائفة إلى انشقاق في صفوفها. وعندما بدأ التمهيد للمصالحة مع سوريا، بدا أنه يحتاج إلى استقطاب الطائفة كلها إليه، بمَن فيهم أولئك المتذمرون الذين استدار بهم عام 2005 في وجه دمشق، وهو يعود ليستدير بهم عام 2010 إلى وجهة دمشق.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018