ارشيف من :أخبار لبنانية
هل أرسى اتفاق الدوحة عرفاً جديداً في تأليف الحكومات؟(1)
صحيفة "السفير" - بهيج طبارة
عندما أُقر الدستور اللبــناني عام 1926، كانت فرنــسا تعـيش منذ حوالى نصف قرن في ظل القوانين الدسـتورية الــثلاثة الصادرة في العـام 1875، وان أياً مــن هذه القــوانين لم يكن يشــير إلى وجود رئيس للحكومة في النظام السـياسي المعمول به يومئذ في فرنسا.
وقد كتب جورج فيديل (Georges Vedel) انه، بالرغم من خلو النص في فرنسا من أي ذكر لرئيس الحكومة، فقد كانت حاضرة في الذهن التجربة التي نمت في انكلترا في القرن التاسع عشر بأن يكون للوزراء رئيس، وان يعهد رئيس الجمهورية إلى هذا الرئيس مهمة تأليف الحكومة. وقد تبدل وضع رئيس الحكومة في ظل الجمهورية الثالثة تبعاً للظروف ولشخصية الرئيس، إلا أن التطور كان دوماً باتجاه تقوية مركز رئيس الحكومة الذي انتقل من كونه الأول بين متساوين «primus inter pares» إلى وزير أول، ورئيس بالفعل للحكومة.
في العام 1946، مرّت فرنسا بتجربة كانت تقضي بأن يتقدم الشخص المكلف من رئيس الجمهورية بتأليف الحكومة بطلب الثقة بشخصه من مجلس النواب، فلا يُقدم على تشكيل الحكومة إلا بعد أن يحوز ثقة النواب بالأكثرية المطلقة، الأمر الذي أدى بالطبع إلى تعزيز موقع رئيس الحكومة وتقوية سلطته.
وقد طُبّق هذا النظام على العديد من رؤساء الحكومات في فرنسا، كان آخرهم الجنرال شارل ديغول الذي حاز 329 صوتا مقابل 224 قبيل انتقال فرنسا إلى الجمهورية الخامسة التي لا تزال تعيش في ظل دستورها حتى الآن.
وبالنظر إلى أن الدستور اللبناني، لدى تنظيم العلاقة بين السلطات، استوحى العديد من أحكامه من دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا، لم يكن مستغربا أن يقتصر في المادة 53 منه، قبل تعديلها لاحقاً، على ذكر رئيس الحكومة عرضا بقوله إن:
«رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيساً..».
ولعله من المفيد الإشارة هنا إلى أن النص الفرنسي للمادة المذكورة يختلف بعض الشيء عن النص العربي (علماً بأن كلاً من النصين العربي والفرنسي رسمي لأنهما نشرا معاً في الجريدة الرسمية)، اذ يُضيف النص الفرنسي بأن رئيس الجمهورية يسمي من بين الوزراء رئيسا لمجلس الوزراء.
«Le Président de la République nomme et révoque les ministres parmi lesquels il désigne un president du Conseil des ministres..»
أمــا المــادة اللاحقة في الدستور (المادة 54) فقد جاءت لتقيد السلـطــة المطلـقة لرئيس الجمــهورية، إذ أوجـبت بأن يشـترك معه في التوقيع على المقررات الوزير أو الوزراء المختــصون، باستــثناء مقررات تسمية الوزراء وإقالتهم.
إلا أن النصوص الدستورية، كما هو معلوم، لا تكفي بحد ذاتها لتصوير الواقع الحياتي الذي تعيشه الأمم، بل لا بــد من وضـع هذه النصوص في إطار البيئة السياسية التي جاءت لترعاها، وضــمن القــوى الحقيقية التي تتفاعل فيها، وعلى هذا الأســاس، فإن النـظام الطائفي المعمول به في لبنان ساهم في تعزيز موقع رئاسة الحكومة بالرغم من الإشارة العابرة إلى هذا الموقع في دستور العام 1926، اذ ان هذا الموقع يعود عرفاً إلى مسلم بموازاة موقع رئيس الجمهورية المسيحي.
أما ظاهرة هيمنة رئيس الجمهورية، قبل اتفاق الطائف، على الحياة السياسية اللبنانية فهي تكمن ـ فضلا عن الصلاحيات الممنوحة له في الدستور ـ في تشتت القوى السياسية وعدم انتظامها ضمن أحزاب أو مجموعات واضحة المعالم، بحيث إن رئيس الجمهورية، المنتخب لمدة ست سنوات، بات عاملا أساسيا لاستقرار الدولة واستمرارها تحتكم إليه مختلف التيارات والاتجاهات، وأصبح عمليا زعيم الأكثرية النيابية.
من هنا الشعور الملازم لرؤساء الحكومات يومئذ بأن وجودهم في سدة المسؤولية مرتبط بثقة الرئيس بهم، وان بقاءهم رهن، إلى حد كبير، بالدعم الذي يوفره لهم. من هنا أيضا المطالبة برفع الغبن التي سبقت لقاء الطائف وكانت وراء عدد من التعديلات التي تمخض عنها اللقاء والتي أُدخلت على نظامنا السياسي.
من الواضح أن الطائف عزز موقع رئاسة الحكومة، فخصّه في الدستور تحت عنوان «السلطة الإجرائية» بمادة مفصّلة كرّسته رئيسا لمجلس الوزراء، يمثله ويتكلم باسمه ويكون مسؤولا عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها المجلس، كما عددت الصلاحيات التي يعود له حق ممارستها.
وهكذا انتقل رئيس الحكـومة من شخـص يسمــيه رئيس الجمهورية من بين الوزراء مع إمكان إقالته، أسوة بباقي الوزراء، إلى شريك في تشكيل الحكومة يوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها.
إلا أن الأهم في التعديلات التي أدخلها الطائف بالنسبة لموقع رئيس الحكومة يكمن في كيفية اختياره من قبل رئيس الجمهورية. فقد استوحى الطائف من التجربة التي مرت بها الجمهورية الرابعة في فرنسا، فألزم رئيس الجمهورية بنتيجة الاستشارات النيابية التي يجريها قبل تسمية الرئيس المكلف بتأليف الحكومة. اذ انه، بدلاً من أن يمثل الشخص المكلف أمام مجلس النواب، كما في التجربة الفرنسية، للحصول على ثقته، فإن النواب يتوجهون اليوم إلى قصر الرئاسة ليقوموا بما يشبه عملية الإدلاء بأصواتهم لمصلحة من يرتؤون تكليفه بتشكيل الحكومة. وان دور رئيس الجمهورية، في هذه المرحلة، يقتصر على تسجيل النتائج التي يُطلع عليها رئيس مجلس النواب ثم يسمي الشخص الذي يحوز أكثرية الأصوات.
ولا نزال نذكر الأشكال الذي حصل مع الرئيس اميل لحود في العام 1998، أي في بداية عهده، عندما فوّض بعض النواب رئيس الجمهورية مهمة اختيار الشخص الذي يراه مناسبا، فرفض الرئيس رفيق الحريري تجيير أصوات هؤلاء النواب لمصلحته من قبل رئيس الجمهورية معتبرا أن مثل هذا التفويض مخالف لنص الدستور وروحه. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد أحد من النواب يفوض مهمة التسمية إلى الرئيس وأصبح بوسع النائب أن يختار بين تسمية شخص معين أو الامتناع عن تسمية أحد، ما لم يقرر الامتناع عن المشاركة في الاستشارات.
إلا أن الأصول الجديدة المعــتمدة في الطـائف لم تعط الرئيس المكلف، كما في التــجربة الفرنســية، حق تأليـف الحكومة منفرداً، بل أبقت على دور رئيس الجمهورية في التأليــف، فنص اتفاق الطائف، في أكثر من موضع، على أن مرسوم تشــكيل الحكومات يصدر بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف (المادتان 53 و64 من الدستور). وما لم يحصل الاتفاق بينهما، فإن الحكومة لا تتألف.
لقد طُرح السؤال، في الآونة الأخيرة، بعــد أن اقتــضى تأليف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانيــة 45 يوما، ثم بعد أن تأخر تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري أكثر من أربعة أشهر (135 يوماً)، عما اذا كان ثمــة مهلة محــددة للرئيس المكــلف من أجل انجاز مهمته وتشكيل الحكومة. ذلك ان اتفاق الطــائف الذي حدد مهلة ثلاثين يوما للحكومة، بعد تأليفها، لإعداد البيان الوزاري والتقدم من مجلس النواب لنيل الثقة، بقي صامتاً بالنسبة لمدة تأليف الحكومة.
وقد تباينت الآراء حول هذا الموضوع، ولو انها اتفقت على ان في دستور الطائف أكثر من إشارة للحث على تقصير فترة تصريف الأعمال بالمعنى الضيق الذي تقوم به الحكومة المستقيلة أو المعتبرة بحكم المستقيلة أثناء تأليف الحكومة الجديدة.
وفي رأيي، أن عدم تحديد مهــلة في الدســتور لتشكيل الحكومة مرده إلى ان التشكيل ليس عملا يقوم به الرئيس المــكلف منفــردا لكي يصحّ إلزامه القيام به ضمن مهلــة معـينة، بل هو عــمل يفترض توافق إرادتين، يشارك فيه رئيس الجــمهورية. فكــيف يمكن، والحالة هذه، إلزام الفريقين بالتوافق خلال مهلة معينة؟ كيف يمكن إلزام الرئيس المكلف، الذي اختارته أكثرية النواب، بالتنحي في حال عدم موافقة رئيس الجمهورية على التشكيلة التي يقترحها؟ وماذا إذا أصرت الأكثرية النيابية على اختيار الرئيس المكلف ذاته بعد تنحيه؟
إن الجواب عن هذه الأسئلة يثير عدداً من الإشكاليات في علاقة السلطات، بعضها ببعض، وفي المرجعية التــي يمكن اللجوء إليها لحل الخلافات عند حصولها. وقد فضل المشترع الدستوري عدم التدخل هنا، كما في أماكن اخرى، تاركاً للوقت، أو للعرف، أن يجدا الحل المناسب.
وقد شهدنا مؤخرا، بمناسبة التكليف الأول للرئيس سعد الحريري، سابقة تقديم تشكيلة حكومية من قبل الرئيس المكلف الى رئيس الجمهورية من دون التفاهم معه على كل تفاصيلها، تلاها اعتذار الرئيس المكلف، ومن ثم قبوله التكليف للمرة الثانية. إلا أن هذه السابقة لم تبلغ حد الأزمة، بحيث بقيت الأسئلة عالقة من دون جواب حاسم.
واضح إذاً أن الطائف، الذي لحظ بأن رئيس مجــلس الوزراء هو الذي يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحــكومة، لم يعط هذا الأخير الحق بتشكيلها منفرداً، كما انه لم ينزع هذا الحق كليا من رئيس الجمهورية، بل أشرك الاثنين معاً في عمــلية التأليف عندما نص على أن مرسوم تشكيل الحكومة يشترك في توقيعه رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وان المرسوم يصدر بالاتفاق في ما بينهما.
وقد تمشّى الرؤســاء المكــلفون، منذ تعديل الدستور عام 1990 وفقا لأحكام اتفاق الطائف، على هذه القاعــدة. فبعد التشاور مع الكتل النيابية حول شكل الحكومة العتيدة، وبعد التعرف على توجهاتهم. وعند الاقتضاء، على استعدادهــم للاشــتراك في الحكومة، يعقد الرئيس المكلف اجتماعا أو أكثر مع رئيس الجمهورية للتداول وغربلة الأسماء، وعند التوافق يصـدر مرسوم تشكيل الحكومة.
وهناك أمثلة عديدة على وزراء فوجئوا بخبر تعيينهم من خلال وسائل الإعلام، وآخرين لم يستشاروا قبل التعيين فاعتذروا عن المشاركة في الحكم. هذا عدا كل الذين يصيبهم الإحباط ويخيب ظنهم عند صدور مرسوم تشكيل الحكومة خلافاً لما كانوا يتوقعون أو يتمنون. كل هذه الأمثلة للتدليل على هامش التحرك الواسع المتروك للرئيسين في اتفاق الطائف، وقبله، لدى تأليف الحكومات.
للبحث تتمة
[ وزير سابق
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018