ارشيف من :أخبار لبنانية
نصر اللّه يكشف التفوّق الدفاعي لحزب اللّه
لقد أكد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على نحو قاطع ولا لبس فيه، أن ما تخشاه تل أبيب من قدرة خاصة لدى المقاومة، وهو ما تعبّر عنه من حين إلى آخر مع تهديدات بمستويات مختلفة، بل حاولت الحيلولة دونه طوال السنوات الماضية، بات بالفعل في حوزة المقاومة، التي باتت قادرة على تفعيله واستخدامه ضدها، إذا جازفت وأضرت بلبنان.
تأتي رسالة نصر الله عقب التهديدات السورية التي أطلقها وزير الخارجية السوري وليد المعلم، والموقف الإيراني الداعم بصراحة وحزم... وجاء ذلك كإفهام للدولة العبرية بإمكانات إعدائها ونياتهم، وبالتالي إفهامها حدود قدرتها على اتخاذ قرارات مغامرة.
أسئلة إسرائيل في اليوم الذي يلي كلمة السيد نصر الله مختلفة عن اليوم الذي سبقه... إن كان أصحاب القرار في تل أبيب يستشرفون في الماضي، أو يقرأون أو يقدّرون، نتيجة أي مجازفة قد يقدمون عليها تجاه لبنان وحزب الله، فهم في مرحلة ما بعد الخطاب أكثر يقيناً: كل اعتداء يقابل برد فعل متناسب مع أصل الاعتداء، ومع نتائجه، بل يزيد عليه.
في سياق كلمة السيد نصر الله، وإظهار القدرة والنيات الواردة فيها، مع ملاحظة تواضع الرد الإسرائيلي عليها حتى الآن، كدلالة لا لبس فيها على الارتباك، من المفيد الإشارة إلى الآتي:
يقر حزب الله دون خشية، ودون إظهار أي مستوى من القلق حيال إسرائيل تحديداً، أن قدراته العسكرية باتت أكبر حجماً ومدى وقدرة تدميرية، عمّا كانت عليه في السابق. بالإضافة إلى هذه القدرة، أكد حزب الله وجود النية لديه في استخدامها.
فرض السيد نصر الله معادلة توازن جديدة على تل أبيب، لم تكن قائمة كاملاً في السابق، وهي مختلفة عن معادلات معظم جولات المواجهة الماضية بين الفريقين. أصبح لدى حزب الله تفوق دفاعي حاسم في مقابل التفوق الهجومي للعدو، ولا يتعلق ذلك بمفهوم الارتباك أو الشلل باتجاه الجبهة الداخلية والمستوطنين وحسب، بل في القدرة على ضرب مفاصل أساسية في الكيان الإسرائيلي، منها ما هو اقتصادي ومنها ما هو عسكري، وسكاني... مع نتائج لا تنتهي بانتهاء القتال أو بدفن الموتى. وهي سمة مختلفة كلياً عن سمة مواجهات الماضي، وتصل إلى حد إفراغ مراكز القدرة الإسرائيلية على إدارة القتال نفسه، فضلاً عن الأضرار الممتدة سنوات إلى ما بعد القتال. بمعنى أن سمة معظم المواجهات السابقة، لم تعد قائمة.
لم تعد تهديدات إسرائيل للبنان وللبنانيين ذات فائدة عملية. لقد أفرغ السيد نصر الله هذه التهديدات من مفاعيلها النفسية التي كانت هي الأساس في الدفع إليها إسرائيلياً. على وزير الحرب إيهود باراك، مثلاً، باعتباره رائد التهديد الإسرائيلي للبنان، أن يزن كثيراً كلامه قبل أن يكابر ويهدد من جديد، سيكون لتهديده مفعول متدنًٍّ، إلى حدود الازدراء، الأمر الذي يحتم عليه وعلى المسؤولين الإسرائيليين الآخرين أن يجترحوا وسائل تهديد أخرى إزاء لبنان، من غير المعلوم إن كانت متوافرة لديهم.
في كلام السيد نصر الله معطى جديد، هو أهم من إظهار القدرة نفسها، على أهميتها، أو إظهار لوجهة استخدام هذه القدرة، كرد متناسب مع أي اعتداء إسرائيلي.
إذ أدخل الأمين العام لحزب الله عنصراً جديداً في المعادلة، يوجب على إسرائيل التوقف عنده كثيراً، بعدما أعلن التحدي بأنه قادر ويريد تفعيل ما بات لديه من قدرات، وبالتالي ألزم نفسه وحزب الله برد فعل تناسبي على أي اعتداء إسرائيلي.
وهذا المعطى سيكون حاضراً لدى أصحاب القرار الإسرائيلي قبل اتخاذهم قراراتهم. وسيكون حاضراً إلى درجة لا يمكن أن نستبعد معها القول إن اختبار النيات لم يعد قائماً في المعادلة بين الجانبين.
معنى ذلك أن إسرائيل تدرك أن سيد حزب الله، ألزم نفسه وحزب الله، بأن أي محاولة من إسرائيل لتنفيذ تهديداتها كما ورد على لسان مسؤوليها، سيقابلها رد مناسب لم يسبق للعدو الإسرائيلي أن شهد له مثيلاً في تاريخه، مع ما يترتب على ذلك من معادلات محلية وإقليمية، وتداعيات على الصعيد الدولي.
رغم أنه يَصْعُب تناول مستقبل المنطقة والمعادلات الإقليمية والمعادلات الجديدة في الصراع مع العدو، ثم الانتقال إلى «الحرتقات» الداخلية في لبنان، لا بد من الإشارة إلى أن بعض الأطراف اللبنانيين، بغضّ النظر عن أحجامهم، لا يتحملون أن يكون لبنان قوياً في مواجهة إسرائيل.
إنهم أطراف لبنانيون لا يتحملون أن تكون إسرائيل مقيّدة في مواجهة لبنان، أو ألّا تكون قادرة على شنّ حروب استئصالية لمنبع القوة في هذا البلد، بمعنى ألّا تكون إسرائيل قادرة على فرض إرادتها السياسية على لبنان والمنطقة عموماً... إذ يُفسد ضعف إسرائيل وقدرة أعدائها حضور هؤلاء الأطراف وتأثيرهم في لبنان، ويمنع عنهم تحقق أمنية العودة إلى الماضي، حتى مع ثمن أن يكون لبنان لقمة سائغة في يد أعدائه، على حساب مصلحة لبنان واللبنانيين.
في ما يتعلق بهؤلاء الأطراف، لا يمكن فهم مواقفهم، إلا في أنهم يرون أن قوتهم انعكاس لضعف لبنان وقدرة أعدائه. بمعنى أن تطلعاتهم وأحلامهم مربوطة بتطلعات إسرائيل وأحلامهم، وهذا لا يتحقق إلا مع القدرة الإسرائيلية وفقدان عناصر المقاومة في لبنان لهذه القدرة.
يؤسس ما ورد في كلمة السيد نصر الله أول من أمس، لمرحلة جديدة من المواجهة مع إسرائيل، لم تكن تألفها في الماضي، أو تتصور أنها ستصل إليها. وعلى تل أبيب، بموجب هذه المعادلة، أن تعيد حساباتها، وأن تزن خطواتها أكثر، فكثير من الخيارات السابقة لم تعد قائمة ومتاحة أمامها.
الاخبار
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018