ارشيف من :أخبار لبنانية

الخطاب المسيحي البديل

الخطاب المسيحي البديل

كتب ادمون صعب

«إن للحضور الإسرائيلي قريباً منا، عواقب لا حد لها، تتناول مستقبلنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ناهيك بعواقبه على الصعيد الدولي (...) فإسرائيل جعلت من التوطين الممنهج والإعمار الحثيث محوراً لسياسة احتلال وانبساط ومدى حيوي. فكلما زاد سكانها زاد ثقلها على الحدود وباتت بحاجة إلى مزيد من الحماية»

(ميشال شيحا 1951)
اكتملت «الاستدارة» الأميركية في اتجاه دمشق بإعلان البيت الأبيض، أول من أمس، تعيين روبرت ستيفن فورد سفيراً جديداً للولايات المتحدة في سوريا، خلفاً للسفيرة مارغريت سكوبي التي كانت سحبت من دمشق قبل خمس سنوات اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وتعززت هذه الاستدارة بزيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية وليم بيرنز للعاصمة السورية، أمس، ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد.
 
وتشاء المصادفة أن يزور بيرنز سوريا وتعلن واشنطن عن تعيين فورد، بعد أربعة أيام على ذكرى مرور خمسة أعوام على استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وقد سبقتها استدارتان في الاتجاه نفسه، الأولى زمنياً لرئيس «اللقاء الديموقراطي» الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي كان بينه وبين سوريا ما صنعه الحداد، كما يقال، وصرح أمين السر في حزبه التقدمي الاشتراكي شريف فياض أول من أمس، بأن جنبلاط أصبح سياسياً على طريق دمشق وبات موعد وصوله إليها قريباً.

أما الاستدارة الثانية فلنجل الشهيد رفيق الحريري سعد الذي أصبح رئيساً لمجلس الوزراء، وكان توجه إلى دمشق قبل نحو شهرين وقابل الرئيس بشار الأسد الذي سبق للحريري أن وجّه إليه أشد الاتهامات بالوقوف وراء اغتيال والده الذي أجمع اللبنانيون على محبته وتقديره، وبكوا على فقده. كما أصروا بشدة على ضرورة ملاحقة القتلة والذين يقفون وراءهم، ومحاكمتهم أمام العدالة الدولية التي أنشئت لها محكمة خاصة مقرها لاهاي في هولندا.

وسط هذه الاستدارات التي جاءت نتيجة لتبدل الأوضاع السياسية

في لبنان والمنطقة، استمر أطراف لبنانيون آخرون على مواقفهم. وفي مواقع متقابلة، بعضها متعارض مع الآخر إلى درجة خطرة جداً خُشي معها، في فترات معينة، أن تهدد السلم الأهلي وتثير فتناً طائفية ومذهبية.

ففي الاحتفال الذي أقيم في «ساحة الحرية» الأحد الماضي في ذكرى اغتيال الحريري، توزعت الأدوار على خطباء أربعة، أجمع المراقبون والسياسيون المعنيون على أن واحداً منها كان متوازناً ومعتدلاً هو رئيس الحكومة سعد الحريري الذي أكد أهمية الوحدة في الدفاع عن الوطن. وقال: «لا سبيل لنا اليوم وغداً للدفاع عن بلدنا إلا بوحدتنا الوطنية». وأضاف: «بهذه الروح نمد اليد للتعاون في سبيل جعل الاستقرار حاجة لبنانية عمومية لبسط سلطة الدولة والقانون».

وأشار إلى أن «(...) التضامن في مواجهة إسرائيل وتعطيل الفتنة هما في مصلحة لبنان أولاً».

وبإزاء هذه الكلمة الجامعة التي أملاها «الشروع في بناء مرحلة جديدة، لبناء علاقات من دولة إلى دولة بين لبنان وسوريا»، وضع رئيس حزب الكتائب الرئيس أمين الجميل ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع نفسيهما خارج هذا المشروع، باستدارتهما في اتجاه آخر يتعلق بالمقاومة وسلاحها، على نحو اعتبر تحدياً لشركاء في الصيغة والوطن لم يكن هناك مجال لتحييدهم نظراً إلى التصاقهم بقضية المقاومة وبمشروع تحرير الأراضي التي لا تزال محتلة من إسرائيل في الجنوب.

ولقد كان مسيحيون كثيرون، في المعارضة والموالاة، يتمنون لو أن مسيحيي 14 آذار اغتنموا ذكرى اغتيال الرئيس الحريري لطرح مشروع إصلاحي ينطلق من الطائف وضرورة إكمال صيغته، وخصوصاً لجهة رئيس الجمهورية الذي أجبر المسيحيون على التنازل عن صلاحياته كرئيس للسلطة الإجرائية لحساب مجلس الوزراء الذي تحول مركزاً للقرار السياسي والإداري والأمني والمالي والدفاعي إلخ... دون أن يوضع له نظام تطبيقي ينسجم مع دوره الجديد، فضلاً عن تحديد صلاحيات نائب رئيس الحكومة، وربما إحداث أكثر من نائب للرئيس السنّي، بحيث يكون هناك نائب ثان ماروني، وثالث درزي إلخ.. بغية جعل المشاركة في السلطة حقيقة واقعة. وربما، قياساً على ذلك، يكون هناك نواب لرئيس الجمهورية، بعدما لم يعد الرئيس الماروني مطلق الصلاحية، مما يجعل كل المكونات تتشارك في السلطة، وتتعاون في ما بينها من أجل مصلحة لبنان.

بل كان مفترضاً في هؤلاء المسيحيين قيادة معركة تجديد النخب السياسية في البلد عن طريق طرح مشروع قانون للانتخاب طالما انتظره اللبنانيون وكان أحد أبرز بنود الإصلاحات التي جاء بها الطائف وأدرج تحت بند «ج» من وثيقة الوفاق الوطني وفيها: «تجرى الانتخابات النيابية وفقاً لقانون انتخاب جديد على أساس المحافظة، يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمّن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله وفاعلية ذلك التمثيل، بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات»، كأن يطرح مشروع يأخذ بالنسبية التي يختار عبرها المسيحيون ممثليهم في مرحلة تأهيلية، على ما اقترح الرئيس حسين الحسيني، على صعيد القضاء مع صوت تفضيلي على صعيد المحافظة.

ولماذا لا تتحقق الثورة في النظام على أيديهم، بعدما فقدوا صفة الفريق الحاكم المتسلط عن طريق أخذ المبادرة في الدعوة إلى تأليف اللجنة التي ستبحث في إلغاء الطائفية السياسية، بدل معارضتها، وملاحقة مشروع خفض سن الاقتراع حتى يأتي جيل جديد من الشباب المسيحي إلى القيادة والسلطة بعدما انكفأ الجيل الذي اكتوى بنار الحروب وذاق مرارة الخيبات فهاجر أو استنكف عن الاهتمام بالسياسة. إضافة إلى مشروع اللامركزية الإدارية الذي من شأنه إنعاش الأطراف ووقف النزوح إلى المدن، والحد من الهجرة إلى الخارج عبر إيجاد مشاريع إنتاجية في الجبال والأرياف.
 
هذا ما كان مؤملاً. ولا نظنه كان بعيداً عن تفكير كل من الشيخ والحكيم.

إلا أن ما حصل، ويا للأسف، هو أن الدورين اللذين تطوعا لهما، تأكيداً لثوابتهما في مواجهة الاستدارات، كانا التصويب على المقاومة. وقد تبعا في ذلك البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في حديثه إلى مجلة «المسيرة» وقوله، إن فرص الحرب قائمة في استمرار ما دام «حزب الله» يريد أن يقوم مقام الدولة، والطرف الذي يملك السلاح يستقوي على الآخرين». ثم ما ورد في رسالته في عيد مار مارون من أن «تهديد السلاح» من قوى عقائدية شمولية دينية وأصولية هو إنهاء لهوية لبنان ومعناه ودوره (...)».

فقال جعجع: «إن بقاء أي سلاح خارج مؤسسات الدولة اللبنانية بات يشكل عبئاً لا قدرة للبنان واللبنانيين على تحمله وهو ما قد يستجلب اعتداءات خارجية».
ودعا الجميل إلى «ألا يكون على أرض لبنان أي سلاح غير سلاح الشرعية اللبنانية تحت أي ذريعة». داعياً إلى «أن تحتكر الدولة من خلال مؤسساتها الشرعية كل القرارات السيادية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم والتفاوض».

وقد عبّرا بذلك عن هواجس كادت أن تكون مشروعة لولا وجود رئيس ماروني للجمهورية، كان قائداً للجيش، وقائد ماروني للجيش لا يريان رأيهما ويؤكدان أن البلد الذي تُحتل أرضه لا تحرره سوى المقاومة، وخصوصاً إذا كان العدو متفوقاً على جيشه وقواه المسلحة بنحو كبير عدة وعدداً وتسلحاً إلخ.. أو لا يحظى هذا الجيش بالسلاح النوعي الذي يجعله قادراً على الدفاع عن أرضه.

ولقد وضع هذا الموقف المسيحي نفسه في مواجهة خطرة مع المقاومة التي ردت عليه بلسان الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في «خطاب التوازن» مع التهديدات الإسرائيلية أول من أمس بقوله: «أن نلغي سلاح المقاومة كلام خطير جداً لأنه يعني أولاً، بالحد الأدنى، تبريراً كاملاً لأي عدوان إسرائيلي، حتى ولو لم تقدم المقاومة ذرائع، كما يقولون، وللأسف الإسرائيليون أنفسهم لا يقولون هذا. فما يقوله بعض اللبنانيين لا يقوله بعض الإسرائيليين».
وسأل: «هل هذا استدعاء للحرب؟ وهل هذا استدعاء للحرب الإسرائيلية على لبنان؟ وهل نحن أمام ظروف 1982 جديدة؟ وهل يجد البعض أن أحلامه وطموحاته ومشاريعه التي تبخرت في الآونة الأخيرة لا طريق لها إلا من خلال حرب إسرائيلية على لبنان»؟

وفي اعتقادنا أن لا مصارحة داخل فريق 14 آذار، إذ لو كانت هناك مصارحة لعرف مسيحيو هذا الفريق أن ثمة تفاهماً ضمنياً بين الرئيس سعد الحريري والسيد حسن نصر الله، بدعم المقاومة والمحافظة على سلاحها من جانب الحريري، في مقابل وضع نصر الله قرار الحرب والسلم في يد الدولة وتعهده بعدم استعمال سلاح المقاومة في الداخل، وعدم منح إسرائيل ذرائع لشن حرب على لبنان كما حصل في تموز 2006. وعلى هذا الأساس تألفت الحكومة الوفاقية.
لذلك أكد نصر الله في خطابه: «نحن لا نريد حرباً حتى لا يخرج أحد في لبنان غداً وينظّر عن قرار الحرب والسلم».

وكرر: «نحن لا نريد حرباً، ليس خوفاً ولا جبناً ولا ضعفاً. نشتاق إليها ولا نريدها».

وإذا لم يطمئن هذا الكلام لنصر الله المسيحيين الخائفين ـ وربما يكونون على حق في شعورهم بالخوف ـ فقد يطمئنهم كلام العماد ميشال عون من الدوحة أن «لا داعي للخوف والقلق»، مشيراً إلى أنه جراء بعض القلق الإعلامي «يصبح الناس بدل أن يفكروا كيف سيبنون مستقبلهم يفكرون كيف سيتركون لبنان».
وقال: «لبنان لن يفقد استقراره بعد اليوم، وإسرائيل لن تحارب لأنها لن تستطيع أن تحول أي معركة إلى انتصار أو إلى إنجاز سياسي».
إننا أمام حافلة اقتطع بعض ركابها تذاكر ذهاب وإياب، والبعض الآخر تذاكر ذهاب فقط. فمنهم من ذهب وعاد في الوقت المناسب، فيما البعض الآخر ينتظر، وقد يطول انتظاره!

ورب قائل: إذا كانت الاستدارة المسيحية متعذرة حالياً في اتجاه الشام، فلتكن في اتجاه المستقبل بخطاب سياسي بديل، لا خوف فيه ولا يأس.


2010-02-18