ارشيف من :أخبار لبنانية
الحرب الأمنية المخفية بين إسرائيل والمقاومة نظرة "حزب الله" إلى الأبعاد والأهداف وأين المسرح ؟
كتب ابراهيم بيرم
لم يعد خافياً ان اغتيال الرمز القيادي العسكري في "حزب الله" عماد مغنية، ومن ثم مقتل الضابط السوري العقيد محمد سلمان في ظروف تشير الوقائع الى ان الامر تم ايضأ غيلة، واخيراً وليس اخراً اغتيال القيادي العسكري في حركة "حماس" محمد المبحوح في دبي، اضافة الى اعمال اخرى، كعملية اغتيال علماء نوويين ايرانيين، الى جانب ضرب مفاعل الكبر في سوريا... تدخل كلها، وفق قراءة مصادر قريبة من "حزب الله" في سياق واحد هو ان اسرائيل ما برحت تشن على قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية وحاضنتها سوريا وايران، اوسع واشرس حرب امنية، جند لها العقل العسكري الاسرائيلي، جزءا لا يستهان به من آلته العسكرية والامنية.
هذه الحرب، التي يتوقع لها ان تتوالى فصولاً، والمعد لها ان تمتد الى اجل غير مسمى، هي البديل العملاني الذي شاءت القيادة الاسرائيلية اتباعه بعد حرب تموز على لبنان في العام 2006، لتكون لها من ورائه اهداف ثلاثة اساسية هي:
- الرد بطريقة غير مباشرة على ما لحق بصورة الردع العسكرية لاسرائيل، من آثار وتداعيات سلبية بفعل حرب تموز، لا سيما بعد صدور تقرير "فينوغراد" الذي سجل، في صورة او في أخرى بحصول اخفاق عسكري اسرائيلي في مواجهة قوة "حزب الله".
- ارباك قوى المقاومة ومحوري الممانعة، في اطار سياسة "كي الوعي العربي" الذي شهد بعض الانتعاش والتحول بعد حرب تموز والعجز الاسرائيلي البين عن تحقيق الهدف الاعلى الذي شرعته لحظة شرعت بهذه الحرب، وهو تحطيم "حزب الله" قوة وصورة، واسقاط رمزيته المضيئة من الاذهان العربية.
- الحيلولة دون حصول فترة "فراغ" تكون حافزاً للقوى المعادية لإسرائيل المتربصة بها لاستثمار "صمودها" سياسياً واعلامياً، ولإعادة "تذخير" نفسها، ومضاعفة قوتها وتزويد ترسانتها بالمزيد من الاسلحة والاعتدة.
هذا النهج الاسرائيلي المستجد، والمتطور، له لدى القيادة الاسرائيلية فلسفته ومسوغاته المتكئة على "نظرية الاذرع" او "الروافع" التي اتى بها رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك إيهود باراك الذي بادر الى التصدي لقيادة اسرائيل مجدداً بعد حرب تموز مباشرة، وتداعي صورة اسلافه في ذلك الزمن.
جوهر هذه النظرية وقوامها، وفق دوائر القراءة الاستراتيجية لدى "حزب الله" يقومان على الاتي:
- نحن لا نستطيع، والى اجل غير مسمى، لم يعد في مقدورنا الحاق الهزيمة بـ"حزب الله" من خلال المواجهة المباشرة معه، لذا علينا تغيير مسرح العمليات، وبالتالي اعتماد نظرية "الاذرع".
- ان جوهر هذه النظرية يقوم على محاربة الخصم بأسلوبه، وبطريقته هو، من دون الاضطرار الى الاشتباك المباشر واياه.
- ان نظرية "الاذرع- الروافع" تعتمد على الاذرع العسكرية المتعددة، اي ذراع "الموساد" وذراع الاستخبارات العسكرية التي طورت ميدان دورها من الداخل الاسرائيلي ليطال لبنان والاردن وسوريا، اضافة الى الشين بيت المتخصص اصلاً بمواجهة الفصائل والمنظمات الفلسطينية في الداخل.
بناء على هذا التوجه تفتق العقل الاسرائيلي عن خطة لاعادة الاعتبار الى جهاز "الموساد" وتدعيمه وتحسين صورته واطلاق يده بعدما اخفق في محاولات عدة ابرزها محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، وبعدما نجح "حزب الله" على وجه التحديد في توجيه ضربات موجعة له ابان فترة الاحتلال الاسرائيلي للشريط الحدودي.
لذا لم يكن غريباً ان تبادر اسرائيل، للمرة الاولى منذ قيامها الى كشف اسم رئيس هذا الجهاز، ولم يكن غريباً ان تعين مائير داغان رئيساً له لمرات عدة. فالرجل الذي اطلق عليه لقب "رجل السيارات المفخخة" نظراً لدوره الكبير في ارسال واعداد هذه السيارات التي الهبت شوارع بيروت قبيل العام 1982، وعموماً استخص هذا الضابط في مهمة اساسية هي استعادة هيبة هذا الجهاز المتداعية، واسترجاع الثقة المفقودة به، والشروع بالمهمة الجديدة، وهي فتح باب الحرب الامنية ضد قوى المقاومة ودول الممانعة، وبالتحديد "حزب الله".
وعليه، فإن قراءات الدوائر اياها تقول ان الاعوام الاربعة التي اعقبت حرب تموز العام 2006، شهدت اوسع حرب امنية اسرائيلية على القوى المقاومة والدول الحاضنة لها، وان هذه الحرب قامت على العناوين العريضة الاتية:
- اغتيال رموز قيادية لها دور وموقع اساسيين في عمليات المواجهة مع اسرائيل ، وما التنسيق بين القوى والفصائل المولجة بالمواجهة مثل الشهيد الرمز عماد مغنية، والعقيد السوري محمد سلمان، واخيراً اغتيال القيادي المبحوح في دبي.
وثمة بالنسبة الى الدوائر اياها "قواسم مشتركة" في عملية اغتيال الرموز الثلاثة، ابرزها ان هناك "زجا" لأجهزة استخبارات متعددة في العمليات المعقدة التي افضت الى اغتيال الثلاثة، بينها اجهزة استخبارات تابعة لدول عربية.
واذا كانت عملية اغتيال مغنية قد استهدفت الرمز نفسه والعاصمة والنظام، وهيبة المقاومة وانتصاريها في 2000 و 2006، فإن عملية اغتيال المبحوح التي وقعت قبل ايام كانت من خارج السياق والمألوف. اذ استهدفت عاصمة عربية، كانت حتى لحظة الحدث، تعيش ضمناً على نوع من التفاهمات التي تقضي بالنأي بها عن الصراعات والتفجيرات، رغم انها بالعمق هي مدينة تشكل ساحة تلاق وحضور لكل القوى.
اضافة الى ذلك "فضحت" هذه العملية وبشكل فاقع وفج، ضلوع بعض الاجهزة المخابراتية العربية، في التنسيق مع "الموساد" الاسرائيلي وسواه من الاجهزة العاملة واياه وتلك سيكون لها مستقبلاً دويها ومفاعيلها وتداعياتها.
والى ذلك، اعادت هذه العملية الاعتبار الى مفهوم الصراع على الساحات الخارجية بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ومنذ ان انطوت عملية فرع العمليات الخارجية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي برع فيها القائد الفذ وديع حداد، ومن ثم عمليات منظمة "ايلول الاسود"، اضافة الى عمليات قوى يسارية دولية (كارلوس، بايدر ماينهوف الالمانية، الالوية الحمراء الايطالية، والجيش السري الياباني..) صار الفلسطينيون (غير فلسطينيي السلطة) والاسرائيليون يشاهدون بعضهم في الخارج ويتلاقون صدفة من دون ان يفكر احدهم بإيذاء الاخر.
ولذا بات يخشى ان تكون عملية اغتيال المبحوح اخيرا في دبي بداية النهاية لمرحلة، وانفتاح الباب امام مرحلة اخرى من المواجهات على ساحات الخارج، وبالتحديد العواصم العربية التي غضت اجهزة الامن بقرارات ضمنية اعينها عن نشاط امني وغير امني اسرائيلي.
وفي كل الاحوال، شعرت قوى المقاومة، وخصوصاً بعد حرب تموز ثم الحرب على قطاع غزة، ان اسرائيل تحاول، وبشكل سريع، تجويف كل مشاعر الثقة بالنفس التي راكمتها هذه القوى، وتبديدها سريعاً من خلال عمليات "الاغتيال النوعية" هذه.
- اكثر من ذلك، شاءت اسرائيل ايضاً ان تؤثر سلباً في التحالف القائم بين قوى المقاومة وسوريا وايران، فطال الاستهداف الاسرائيلي ايضاً دمشق نفسها من خلال جعلها مسرحاً لاغتيال الرمز مغنية، ومن ثم ضرب مفاعل الكبر في ايلول 2007، بصرف النظر عن دور هذا المفاعل، وهل هو حقاً قاعدة اولية لمفاعل قيد الانشاء، ام ان الامر يقتصر على حدود الرواية السورية، فالمطلوب كان اظهار دمشق ونظامها في موقع المضروب العاجز عن الرد السريع والثأر.
- توجيه ضربات الى طهران تظهر عجز هذه الدولة التي تطلق التهديدات وتظهر ايضاً ان الذراع الامنية والاستخباراتية الاسرائيلية صارت اطول مما يعتقده البعض، وقد تجسد ذلك في خطف علماء نوويين ايرانيين وضباط من الحرس الثوري الايراني.
وثمة مصادر ايرانية تتحدث عن ان هناك علماء نوويين ايرانيين اختفوا بشكل متتال منذ فترة من خلال التعاون بين اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية الاميركية وبعض اجهزة المخابرات العربية والاقليمية.
- عملت الاستخبارات الاسرائيلية في سياق حربها الامنية المتصلة على المقاومة، على فضح محاولة "تمدد" "حزب الله" في خارج الساحة اللبنانية، او العمل على "توريط" هذا الحزب بصدامات مع عواصم عربية، ومن خلال اظهار انه يتسلل الى فنائها وساحاتها الداخلية، ولو من الباب الذي يحمل في طياته وثناياه جوانب فرعية وهو باب دعم "الفصائل الفلسطينية" واسناد غزة المحاصرة. وقد تجلى هذا الامر في الكشف المزعوم عن خلية "حزب الله" في مصر، اضافة الى الحديث المتكرر عن تسلل للحزب الى داخل شبه جزيرة سيناء عبر بدو هذه المنطقة الصحراوية.
وهذا الامر من شأنه، في الوقت نفسه، ان ينال بشكل او بآخر من صدقية "حزب الله" الذي كان ابلغ من يعنيهم الامر مراراً وتكراراً انه لا يستبطن اي رغبة في ان يكون على تماس مع اي نظام عربي ولا يرغب في تمديد او استنساخ نفسه في خارج الساحة اللبنانية.
- اعادة احياء شبكات التجسس في لبنان للتخريب في الساحة اللبنانية مع التركيز على معاقل الحزب، وساحات الحراك الاساسية بمقاوميه، مستفيدة من حال الانقســــام الداخلي اللبــناني الحاد.
- اشعار قوى المقاومة ودول الممانعة بأن العين الاسرائيلية ساهرة لا تغفو فهي تراقب المسالك البحرية، لكي تحول دون وصول الاسلحة والامدادات عبر مراقبة السفن والبواخر والاعلان من حين الى آخر الكشف عن شحنات اسلحة وضبط امدادات واعتدة وما الى ذلك.
اذا كانت كل هذه المعطيات، متفرقة او مجتمعة، تظهر تنبه القوى المعنية التدقيق بطبيعة الحرب الامنية الاسرائيلية التي كان من الطبيعي ان تستقر وترتفع وتيرتها، في كل مرة يتعطل فيها الاشتباك على المحاور والجبهات التقليدية، فإن السؤال المطروح بإلحاح هو ما طبيعة رد "حزب الله" ودوره في المواجهة، وبالتحديد بعد تلقيه الضرية الكبرى قبل عامين والمتمثلة باغتيال قائده العسكري وعماد جهازه العسكري عماد مغنية؟
بالطبع ليس من الصعوبة بمكان الدخول الى هذه المنطقة "المحرمة" ومنطقة "الكتمان" لدى الحزب، لدفعه الى الافصاح ولو عن بعض الخيوط والخطوط في رده على الهجمة الامنية الاسرائيلية، ولكن الثابت امران الاول ان العقل العسكري للحزب قد نجح في رد وقائي على هذه الهجمة الاسرائيلية، وانه في طور الاستعداد للثأر من الضربة الكبرى التي تلقاها، ولكن في المكان والزمان المناسبين.
بالنسبة الى الشق الاول الواضح ان الحزب اصطنع مروحة ردود متسعة متشعبة ومعقدة. ابرز محطاتها:
- البعث برسائل عملانية الى القيادة العسكرية الاسرائيلية تثبت ان اصابع الحزب نجحت بالتسسلل الى "قدس الاقداس" و"عمق الاعماق" الاسرائيلية، وبالتحديد بلغت مناطق لم تحسب هذه القيادة يوماً ان تصادف فيه، متعاوناً مع الحزب، او عميلاً له. وقد صار على بعد امتار او اشبار من مسؤول اسرائيلي في منتجع ما او مركز، وكانت المسألة عبارة عن رسائل غايتها اقلاق هذه القيادة وافهامها ان العين بصيرة واليد طويلة ايضاً.
- افهام القيادة الاسرائيلية ايضاً امرين الاول ان عملية تعزيز ترسانة الحزب بأسلحة جديدة نوعية متطورة لم تتوقف، وكانت في الذروة في مضامين الخطاب الاخير للأمين العام للحزب والذي تحدث فيه بشكل غير مباشر عن ان مخازن الذراع العسكرية للحزب قد امتلأت بالصواريخ تطال العمق الاسرائيلي، والثاني ان التعاون والتنسيق بين الحزب وبين الفصائل الفلسطينية والمقاومة لم يتوقف للحظة من نهار.
- افهام القيادة الاسرائيلية بشكل او بآخر بأن في مقدور الحزب، اذا ما شاء، ان يجد له مواطئ قدم في ابعد المناطق المحيطة بإسرائيل، ليؤكد لها ان في مقدوره الظهور من حيث تحتسب ولا تحتسب.
لذا لم يكن غريباً ان تبادر اسرائيل الى الاشارة من طرف خفي الى دور محتمل للحزب في الهجوم الغامض الذي ما زال يكتنفه الغموض الذي تعرضت له قبل اسابيع سيارة ديبلوماسية اسرائيلية كانت في طريقها من الاردن الى الداخل الاسرائيلي، ولم يكن غريباً ان يكلف الحزب نفسه عناء الرد على الاتهام الاسرائيلي تأكيداً او دحضاً.
- لم يخفِ الحزب الكلام عن دور اساسي اداه في الكشف عن شبكات وخلايا التجسس التابعة لها التي كشف النقاب عنها في لبنان في الاونة الاخيرة.
وثمة معلومات تنسب الى مصادر قريبة من الحزب تزعم ان جهود الحزب افلحت في الكشف عن 85 بالمئة من هذه الشبكات التي زرعتها اسرائيل في الاعوام الاربعة الماضية في الجسد اللبناني.
- اما بالنسبة الى ثأر الحزب الموعود رداً على اغتيال قائده الرمز عماد مغنية فإن المعلومات تؤكد ان الحزب لم يتوقف عن العمل لتحقيق هذا الثأر منذ سقوط الرجل بالقرب من دمشق، وقد نفذ الحزب اكثر من 26 محاولة في داخل اسرائيل بعضها نجح وبعضها لم يحقق هدفه، ولكن الثابت ان "العملية الكبرى" ما برحت وعداً يكرره الحزب ويهمه ان تقض مضاجع الاسرائيليين، وتفعل فعلها في تصرفاتهم وسلوكهم، وسيقى قائماً بانتظار الظروف الملائمة.
وفي كل الاحوال، فإن المعطيات الموجودة تشير الى ان الاشهر القليلة المقبلة ستكون على موعد مع مزيد من اشكال هذه الحرب الامنية وفصولها.
النهار
لم يعد خافياً ان اغتيال الرمز القيادي العسكري في "حزب الله" عماد مغنية، ومن ثم مقتل الضابط السوري العقيد محمد سلمان في ظروف تشير الوقائع الى ان الامر تم ايضأ غيلة، واخيراً وليس اخراً اغتيال القيادي العسكري في حركة "حماس" محمد المبحوح في دبي، اضافة الى اعمال اخرى، كعملية اغتيال علماء نوويين ايرانيين، الى جانب ضرب مفاعل الكبر في سوريا... تدخل كلها، وفق قراءة مصادر قريبة من "حزب الله" في سياق واحد هو ان اسرائيل ما برحت تشن على قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية وحاضنتها سوريا وايران، اوسع واشرس حرب امنية، جند لها العقل العسكري الاسرائيلي، جزءا لا يستهان به من آلته العسكرية والامنية.
هذه الحرب، التي يتوقع لها ان تتوالى فصولاً، والمعد لها ان تمتد الى اجل غير مسمى، هي البديل العملاني الذي شاءت القيادة الاسرائيلية اتباعه بعد حرب تموز على لبنان في العام 2006، لتكون لها من ورائه اهداف ثلاثة اساسية هي:
- الرد بطريقة غير مباشرة على ما لحق بصورة الردع العسكرية لاسرائيل، من آثار وتداعيات سلبية بفعل حرب تموز، لا سيما بعد صدور تقرير "فينوغراد" الذي سجل، في صورة او في أخرى بحصول اخفاق عسكري اسرائيلي في مواجهة قوة "حزب الله".
- ارباك قوى المقاومة ومحوري الممانعة، في اطار سياسة "كي الوعي العربي" الذي شهد بعض الانتعاش والتحول بعد حرب تموز والعجز الاسرائيلي البين عن تحقيق الهدف الاعلى الذي شرعته لحظة شرعت بهذه الحرب، وهو تحطيم "حزب الله" قوة وصورة، واسقاط رمزيته المضيئة من الاذهان العربية.
- الحيلولة دون حصول فترة "فراغ" تكون حافزاً للقوى المعادية لإسرائيل المتربصة بها لاستثمار "صمودها" سياسياً واعلامياً، ولإعادة "تذخير" نفسها، ومضاعفة قوتها وتزويد ترسانتها بالمزيد من الاسلحة والاعتدة.
هذا النهج الاسرائيلي المستجد، والمتطور، له لدى القيادة الاسرائيلية فلسفته ومسوغاته المتكئة على "نظرية الاذرع" او "الروافع" التي اتى بها رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك إيهود باراك الذي بادر الى التصدي لقيادة اسرائيل مجدداً بعد حرب تموز مباشرة، وتداعي صورة اسلافه في ذلك الزمن.
جوهر هذه النظرية وقوامها، وفق دوائر القراءة الاستراتيجية لدى "حزب الله" يقومان على الاتي:
- نحن لا نستطيع، والى اجل غير مسمى، لم يعد في مقدورنا الحاق الهزيمة بـ"حزب الله" من خلال المواجهة المباشرة معه، لذا علينا تغيير مسرح العمليات، وبالتالي اعتماد نظرية "الاذرع".
- ان جوهر هذه النظرية يقوم على محاربة الخصم بأسلوبه، وبطريقته هو، من دون الاضطرار الى الاشتباك المباشر واياه.
- ان نظرية "الاذرع- الروافع" تعتمد على الاذرع العسكرية المتعددة، اي ذراع "الموساد" وذراع الاستخبارات العسكرية التي طورت ميدان دورها من الداخل الاسرائيلي ليطال لبنان والاردن وسوريا، اضافة الى الشين بيت المتخصص اصلاً بمواجهة الفصائل والمنظمات الفلسطينية في الداخل.
بناء على هذا التوجه تفتق العقل الاسرائيلي عن خطة لاعادة الاعتبار الى جهاز "الموساد" وتدعيمه وتحسين صورته واطلاق يده بعدما اخفق في محاولات عدة ابرزها محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، وبعدما نجح "حزب الله" على وجه التحديد في توجيه ضربات موجعة له ابان فترة الاحتلال الاسرائيلي للشريط الحدودي.
لذا لم يكن غريباً ان تبادر اسرائيل، للمرة الاولى منذ قيامها الى كشف اسم رئيس هذا الجهاز، ولم يكن غريباً ان تعين مائير داغان رئيساً له لمرات عدة. فالرجل الذي اطلق عليه لقب "رجل السيارات المفخخة" نظراً لدوره الكبير في ارسال واعداد هذه السيارات التي الهبت شوارع بيروت قبيل العام 1982، وعموماً استخص هذا الضابط في مهمة اساسية هي استعادة هيبة هذا الجهاز المتداعية، واسترجاع الثقة المفقودة به، والشروع بالمهمة الجديدة، وهي فتح باب الحرب الامنية ضد قوى المقاومة ودول الممانعة، وبالتحديد "حزب الله".
وعليه، فإن قراءات الدوائر اياها تقول ان الاعوام الاربعة التي اعقبت حرب تموز العام 2006، شهدت اوسع حرب امنية اسرائيلية على القوى المقاومة والدول الحاضنة لها، وان هذه الحرب قامت على العناوين العريضة الاتية:
- اغتيال رموز قيادية لها دور وموقع اساسيين في عمليات المواجهة مع اسرائيل ، وما التنسيق بين القوى والفصائل المولجة بالمواجهة مثل الشهيد الرمز عماد مغنية، والعقيد السوري محمد سلمان، واخيراً اغتيال القيادي المبحوح في دبي.
وثمة بالنسبة الى الدوائر اياها "قواسم مشتركة" في عملية اغتيال الرموز الثلاثة، ابرزها ان هناك "زجا" لأجهزة استخبارات متعددة في العمليات المعقدة التي افضت الى اغتيال الثلاثة، بينها اجهزة استخبارات تابعة لدول عربية.
واذا كانت عملية اغتيال مغنية قد استهدفت الرمز نفسه والعاصمة والنظام، وهيبة المقاومة وانتصاريها في 2000 و 2006، فإن عملية اغتيال المبحوح التي وقعت قبل ايام كانت من خارج السياق والمألوف. اذ استهدفت عاصمة عربية، كانت حتى لحظة الحدث، تعيش ضمناً على نوع من التفاهمات التي تقضي بالنأي بها عن الصراعات والتفجيرات، رغم انها بالعمق هي مدينة تشكل ساحة تلاق وحضور لكل القوى.
اضافة الى ذلك "فضحت" هذه العملية وبشكل فاقع وفج، ضلوع بعض الاجهزة المخابراتية العربية، في التنسيق مع "الموساد" الاسرائيلي وسواه من الاجهزة العاملة واياه وتلك سيكون لها مستقبلاً دويها ومفاعيلها وتداعياتها.
والى ذلك، اعادت هذه العملية الاعتبار الى مفهوم الصراع على الساحات الخارجية بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ومنذ ان انطوت عملية فرع العمليات الخارجية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي برع فيها القائد الفذ وديع حداد، ومن ثم عمليات منظمة "ايلول الاسود"، اضافة الى عمليات قوى يسارية دولية (كارلوس، بايدر ماينهوف الالمانية، الالوية الحمراء الايطالية، والجيش السري الياباني..) صار الفلسطينيون (غير فلسطينيي السلطة) والاسرائيليون يشاهدون بعضهم في الخارج ويتلاقون صدفة من دون ان يفكر احدهم بإيذاء الاخر.
ولذا بات يخشى ان تكون عملية اغتيال المبحوح اخيرا في دبي بداية النهاية لمرحلة، وانفتاح الباب امام مرحلة اخرى من المواجهات على ساحات الخارج، وبالتحديد العواصم العربية التي غضت اجهزة الامن بقرارات ضمنية اعينها عن نشاط امني وغير امني اسرائيلي.
وفي كل الاحوال، شعرت قوى المقاومة، وخصوصاً بعد حرب تموز ثم الحرب على قطاع غزة، ان اسرائيل تحاول، وبشكل سريع، تجويف كل مشاعر الثقة بالنفس التي راكمتها هذه القوى، وتبديدها سريعاً من خلال عمليات "الاغتيال النوعية" هذه.
- اكثر من ذلك، شاءت اسرائيل ايضاً ان تؤثر سلباً في التحالف القائم بين قوى المقاومة وسوريا وايران، فطال الاستهداف الاسرائيلي ايضاً دمشق نفسها من خلال جعلها مسرحاً لاغتيال الرمز مغنية، ومن ثم ضرب مفاعل الكبر في ايلول 2007، بصرف النظر عن دور هذا المفاعل، وهل هو حقاً قاعدة اولية لمفاعل قيد الانشاء، ام ان الامر يقتصر على حدود الرواية السورية، فالمطلوب كان اظهار دمشق ونظامها في موقع المضروب العاجز عن الرد السريع والثأر.
- توجيه ضربات الى طهران تظهر عجز هذه الدولة التي تطلق التهديدات وتظهر ايضاً ان الذراع الامنية والاستخباراتية الاسرائيلية صارت اطول مما يعتقده البعض، وقد تجسد ذلك في خطف علماء نوويين ايرانيين وضباط من الحرس الثوري الايراني.
وثمة مصادر ايرانية تتحدث عن ان هناك علماء نوويين ايرانيين اختفوا بشكل متتال منذ فترة من خلال التعاون بين اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية الاميركية وبعض اجهزة المخابرات العربية والاقليمية.
- عملت الاستخبارات الاسرائيلية في سياق حربها الامنية المتصلة على المقاومة، على فضح محاولة "تمدد" "حزب الله" في خارج الساحة اللبنانية، او العمل على "توريط" هذا الحزب بصدامات مع عواصم عربية، ومن خلال اظهار انه يتسلل الى فنائها وساحاتها الداخلية، ولو من الباب الذي يحمل في طياته وثناياه جوانب فرعية وهو باب دعم "الفصائل الفلسطينية" واسناد غزة المحاصرة. وقد تجلى هذا الامر في الكشف المزعوم عن خلية "حزب الله" في مصر، اضافة الى الحديث المتكرر عن تسلل للحزب الى داخل شبه جزيرة سيناء عبر بدو هذه المنطقة الصحراوية.
وهذا الامر من شأنه، في الوقت نفسه، ان ينال بشكل او بآخر من صدقية "حزب الله" الذي كان ابلغ من يعنيهم الامر مراراً وتكراراً انه لا يستبطن اي رغبة في ان يكون على تماس مع اي نظام عربي ولا يرغب في تمديد او استنساخ نفسه في خارج الساحة اللبنانية.
- اعادة احياء شبكات التجسس في لبنان للتخريب في الساحة اللبنانية مع التركيز على معاقل الحزب، وساحات الحراك الاساسية بمقاوميه، مستفيدة من حال الانقســــام الداخلي اللبــناني الحاد.
- اشعار قوى المقاومة ودول الممانعة بأن العين الاسرائيلية ساهرة لا تغفو فهي تراقب المسالك البحرية، لكي تحول دون وصول الاسلحة والامدادات عبر مراقبة السفن والبواخر والاعلان من حين الى آخر الكشف عن شحنات اسلحة وضبط امدادات واعتدة وما الى ذلك.
اذا كانت كل هذه المعطيات، متفرقة او مجتمعة، تظهر تنبه القوى المعنية التدقيق بطبيعة الحرب الامنية الاسرائيلية التي كان من الطبيعي ان تستقر وترتفع وتيرتها، في كل مرة يتعطل فيها الاشتباك على المحاور والجبهات التقليدية، فإن السؤال المطروح بإلحاح هو ما طبيعة رد "حزب الله" ودوره في المواجهة، وبالتحديد بعد تلقيه الضرية الكبرى قبل عامين والمتمثلة باغتيال قائده العسكري وعماد جهازه العسكري عماد مغنية؟
بالطبع ليس من الصعوبة بمكان الدخول الى هذه المنطقة "المحرمة" ومنطقة "الكتمان" لدى الحزب، لدفعه الى الافصاح ولو عن بعض الخيوط والخطوط في رده على الهجمة الامنية الاسرائيلية، ولكن الثابت امران الاول ان العقل العسكري للحزب قد نجح في رد وقائي على هذه الهجمة الاسرائيلية، وانه في طور الاستعداد للثأر من الضربة الكبرى التي تلقاها، ولكن في المكان والزمان المناسبين.
بالنسبة الى الشق الاول الواضح ان الحزب اصطنع مروحة ردود متسعة متشعبة ومعقدة. ابرز محطاتها:
- البعث برسائل عملانية الى القيادة العسكرية الاسرائيلية تثبت ان اصابع الحزب نجحت بالتسسلل الى "قدس الاقداس" و"عمق الاعماق" الاسرائيلية، وبالتحديد بلغت مناطق لم تحسب هذه القيادة يوماً ان تصادف فيه، متعاوناً مع الحزب، او عميلاً له. وقد صار على بعد امتار او اشبار من مسؤول اسرائيلي في منتجع ما او مركز، وكانت المسألة عبارة عن رسائل غايتها اقلاق هذه القيادة وافهامها ان العين بصيرة واليد طويلة ايضاً.
- افهام القيادة الاسرائيلية ايضاً امرين الاول ان عملية تعزيز ترسانة الحزب بأسلحة جديدة نوعية متطورة لم تتوقف، وكانت في الذروة في مضامين الخطاب الاخير للأمين العام للحزب والذي تحدث فيه بشكل غير مباشر عن ان مخازن الذراع العسكرية للحزب قد امتلأت بالصواريخ تطال العمق الاسرائيلي، والثاني ان التعاون والتنسيق بين الحزب وبين الفصائل الفلسطينية والمقاومة لم يتوقف للحظة من نهار.
- افهام القيادة الاسرائيلية بشكل او بآخر بأن في مقدور الحزب، اذا ما شاء، ان يجد له مواطئ قدم في ابعد المناطق المحيطة بإسرائيل، ليؤكد لها ان في مقدوره الظهور من حيث تحتسب ولا تحتسب.
لذا لم يكن غريباً ان تبادر اسرائيل الى الاشارة من طرف خفي الى دور محتمل للحزب في الهجوم الغامض الذي ما زال يكتنفه الغموض الذي تعرضت له قبل اسابيع سيارة ديبلوماسية اسرائيلية كانت في طريقها من الاردن الى الداخل الاسرائيلي، ولم يكن غريباً ان يكلف الحزب نفسه عناء الرد على الاتهام الاسرائيلي تأكيداً او دحضاً.
- لم يخفِ الحزب الكلام عن دور اساسي اداه في الكشف عن شبكات وخلايا التجسس التابعة لها التي كشف النقاب عنها في لبنان في الاونة الاخيرة.
وثمة معلومات تنسب الى مصادر قريبة من الحزب تزعم ان جهود الحزب افلحت في الكشف عن 85 بالمئة من هذه الشبكات التي زرعتها اسرائيل في الاعوام الاربعة الماضية في الجسد اللبناني.
- اما بالنسبة الى ثأر الحزب الموعود رداً على اغتيال قائده الرمز عماد مغنية فإن المعلومات تؤكد ان الحزب لم يتوقف عن العمل لتحقيق هذا الثأر منذ سقوط الرجل بالقرب من دمشق، وقد نفذ الحزب اكثر من 26 محاولة في داخل اسرائيل بعضها نجح وبعضها لم يحقق هدفه، ولكن الثابت ان "العملية الكبرى" ما برحت وعداً يكرره الحزب ويهمه ان تقض مضاجع الاسرائيليين، وتفعل فعلها في تصرفاتهم وسلوكهم، وسيقى قائماً بانتظار الظروف الملائمة.
وفي كل الاحوال، فإن المعطيات الموجودة تشير الى ان الاشهر القليلة المقبلة ستكون على موعد مع مزيد من اشكال هذه الحرب الامنية وفصولها.
النهار
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018