ارشيف من :أخبار لبنانية

المعادلة الجديدة والمراجعة المطلوبة

المعادلة الجديدة والمراجعة المطلوبة
معن بشور - "السفير"

كان خطاب الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في ذكرى الشهداء القادة مليئاً بالإشارات والدلالات السياسية والاستراتيجية، العسكرية والأمنية، الراهنة والمستقبلية، المحلية والإقليمية، غير أن أمراً واحداً فيه يحتاج منّا جميعاً، لا سيّما أصحاب القرار في بلادنا، الى التوقف أمامه، والتدقيق فيه، والتأمل بأبعاده واستخراج النتائج المترتبة عنه.
 
فهذا الخطاب عبّر بوضوح مقنع، وبصدقية أكّدتها التجارب، عن رؤية استراتيجية شاملة لحال عربية وإقليمية وعالمية في طور التغيير، لا سيّما لجهة القوانين التي تحكم الصراع العربي ـ الصهيوني، بل إن هذا الخطاب بتزامنه مع تصريحات لقادة فلسطينيين ومسؤولين سوريين وإيرانيين، يظهر أن هذه الرؤية باتت موضع تفاهم عميق وشامل على مستوى المنطقة، وقاعدة صلبة لسياسات ومبادرات ومواقف يمكن الاعتماد عليها لصوغ معادلات جديدة على مستوى الأمة.
فلقد كشف الخطاب بما أحدثه من إرباك وقلق على مستوى العدو تلازماً مع فضيحة الموساد الجديدة في دبي على خلفية اغتيال الشهيد القائد الفلسطيني محمود المبحوح (أبو العبد)، وبما أطلقه من ثقة واطمئنان على المستوى اللبناني والعربي والإسلامي، أن هناك حقائق استراتيجية جديدة برزت منذ حرب تموز ـ آب 2006 في لبنان، وحرب غزة كانون الأول 2009 وكانون الثاني 2010، وما تلاهما من ترتيبات واستعدادات، لم يعد ممكناً القفز فوقها أو تجاهلها، كما لم يعد ممكناً القفز عنها بعد حقيقة كبرى سطّرتها أيضاً المقاومة العراقية الباسلة ولا تزال وكذلك المقاومة الأفغانية والباكستانية في تغيير صورة العالم.
 
وأولى هذه الحقائق أن معادلة التفوق المطلق للكيان الصهيوني على أمتنا قد سقطت نهائياً، وأن توازن ردع حقيقي وجّدي قد برز، وهو توازن يتجه تدريجاً لمصلحة قوى المقاومة والممانعة في الأمة اذا استمرت في خططها واستعداداتها ومواقفها المبدئية وسياساتها الجامعة.
 
وثانية هذه الحقائق أن العدو في ظل هذا السقوط لمعادلة التفوق المطلق قد بات أسير معادلة أخرى، طالما شكونا منها نحن العرب في عقود صراعنا الطويل معه وهي التعويض بالتصعيد الكلامي عن المأزق الفعلي الذي يعيشه، فهو بات «يقول كما كّنا، وبتنا نفعل كما كان» حسب مقولة أطلقناها في الأيام الأولى من حرب تموز 2006.
 
وثالثة هذه الحقائق المستخرجة من الحقيقتين السابقتين، أن جميعنا، حكاماً وغير حكام، مدعوون الى مراجعة عميقة وشجاعة وجذرية لسياسات تم انتهاجها على مدى عقود في ما يتعلق بالصراع مع عدونا، سياسات كانت، ولا تزال، قائمة على التنازلات المتواصلة عبر اتفاقات ومبادرات ومفاوضات تعزز في العدو عنجهيته وكانت تروج بيننا لمنطق اليأس والاستسلام.
 
في ظل هذه المراجعة يمكن لنا أن نستعيد مثلا «لاءات» الخرطوم الشهيرة: «لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف» وهي لاءات حملها الى السودان آنذاك رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل أحمد الشقيري إثر حرب 1967، لتتبناها القمة العربية وعلى رأسها القائد الخالد جمال عبد الناصر الذي حملت سيارته آنذاك جماهير السودان وقد زحفت الى مطار عاصمتها لتقول للزعيم الخارج للتو من هزيمة قاسية: «إن من كان شعبه معه لا يمكن أن يُهزم»، ولتطلق معه ورشة الاستعداد لحرب الاستنزاف تمهيداً لعبور تاريخي عام 1973 أعاد للأمة ثقتها بنفسها رغم محاولة اغتياله السريعة عبر «خيمة 101»، واتفاقات فك الارتباط وصولاً الى معاهدتي كامب ديفيد.

وفي ظل هذه المراجعة، يصبح ممكنا لأهداف بسيطة واضحة قاطعة «كالتحرير والعودة» أن تتصدر المشهد السياسي من جديد، فلا نبقى أسرى عقلية معالجة نتائج الهزائم بالمزيد من الهزائم، وفي الانزلاق الى معالجة نتائج النتائج، ونتائج نتائج النتائج، حتى تصبح قضية وطنية وقومية كبرى كقضية فلسطين مجرد قضية تجميد بناء مستعمرات استيطانية (لم ننجح حتى الآن في وقفها رغم خطب أوباما نفسه)، وتصبح قضية إنسانية متصلة بأبسط حقوق البشر كقضية حق العودة خاضعة لمساومات وتنازلات من هنا وهناك، بل متراجعة أمام مخططات «الترحيل» الصهيوني لمن بقي من الفلسطينيين في أرضه تحت شعار «يهودية الدولة» أو «التهجير الأخوي» من جديد لمن خرج من أرضه قبل عقود وتحت شعار «رفض التوطين» أو «الوطن البديل».

وكي لا يسيء أحد الظن بنا، ويتهمنا بأننا ننقل الناس من يأس غير مبرر الى أمل كاذب، فإننا لا نقصد بالمراجعة المطلوبة قفزاً فوق حقائق الواقع الراهن، واستخفافاً باعتبارات موضوعية، تتصل بموازين القوى الإقليمية والدولية، بل ندعو من خلالها الى اعتماد منهجية جديدة في التعامل مع هذا الصراع المصيري، منهجية اعتمدها لبنانيون وفلسطينيون وعراقيون في مقاومتهم، واعتمدها مسؤولون عرب في دمشق وعواصم أخرى في ممانعتهم، واعتمدها أبناء الأمة وأحرار العالم في تمسكهم بالثوابت، فأثبتت الأيام نجاعة رهانهم ونجاح حساباتهم، بل قدرة على كسر الحصار تلو الحصار، سياسياً كان ذلك الحصار أم غير سياسي، وليس من قبيل المصادفة أبداً أن يتزامن خطاب السيد نصر الله، مع قرار أميركي بتسمية سفير في دمشق بعد سنوات خمس عجاف مرّت على العلاقة السورية ـ الأميركية، ومع زيارة مسؤول أميركي كبير لبيروت ودمشق وسط تصريحات «متفائلة» وإيحابية أطلقها في العاصمتين.

فمن يحترم نفسه إذن يحترمه الناس جميعاً، ومن يعتمد على ذاته في حماية شعبه ووطنه يردع الآخرين عن مجرد التفكير بالتحرش به، ومن يتمسك بحقوقه دون تفريط، ودون مزايدة أو استعراضية أيضاً، يفرض هذه الحقوق على جدول أعمال أعدائه أولاً بأول.
 
وبهذا المعنى يكتسب خطاب السيد نصر الله، ومعه مواقف شجاعة أخرى صدرت في السياق ذاته، أهمية مضافة، فهو ليس مجرد دعوة للمقاومة بل هو دعوة للمراجعة أيضا، كما هو نموذج لروح المصالحة المطلوبة والمتلازمة طبعاً مع فكرة المشاركة.

مقاومة، مراجعة، مصالحة، مشاركة، عناوين كبرى لاستراتيجية المواجهة مع التحديات والتكيف مع المتغيرات الواقعية والفعلية الجديدة.

أمّا من ينكر وجود هذه المتغيرات، فليسمح لنا هذه المرة أن نتهمه نحن، «الخشبيين» في نظره، بأنه هو صاحب «خطاب خشبي».
2010-02-19