ارشيف من :أخبار لبنانية

رجـــاء لا تتركونـــا وحدنـــا

رجـــاء لا تتركونـــا وحدنـــا

نصري الصايغ، السفير

I ـ حذار من الإصلاح.. عاقبته وخيمة

إذا وجدتم، في مكان ما، في المدى العربي، عملية إصلاحية مؤهلة لنقلة ضئيلة إلى الأمام، فالرجاء إعلامنا بها، وبمكان إقامتها، لأننا نريد أن نرى ونتأكد بأمّ عيوننا، أن معجزة كبيرة، لا صغيرة، قد وقعت بالفعل. ما وجدناه، في تاريخ الحركات «الإصلاحية» الكثيرة، في المدى العربي الكبير، كان حافلاً بأفعال الندامة والتحسّر... فما كان قبل «الإصلاح»، على تخلفه وظلمه واستبداده، خير من عمليات «إصلاحية» بشعارات تقدمية وحدوية اشتراكية ديموقراطية، أدى إلى تطويب الموروث، وتأهيل المخلّع، واجتثاث المعارض، وتأليه الاستنقاع، تحت عنوان الاستقرار الأمني والسياسي.

لا عنوان إقامة للإصلاح.. هناك عناوين للفتنة، للدم، للاغتصاب، للتذابح الأهلي، للتسلط الدكتاتوري، للنهب والسرقة والنشل السلطوي، لاستحضار سيوف المذاهب والطوائف، لاستيلاد «الأعداء» وتصفية «عمالتهم» لفلسطين، عقاباً لعواطفهم وكلامهم ضد الاحتلال.

أمّا من كان يعرف مكان إقامة للإصلاح، في المدى العربي، أو في البقعة اللبنانية المزدهرة بجديد الكلام والنعوت والمواقف، فليدلنا عليه.

بالطبع، ليس مطلوباً من المتفائلين الشرفاء عن جد والراغبين بتحقيق النزر اليسير من الإصلاح، أن يرشدونا إلى النصوص. فالإصلاح ليس نصاً، ولا هو مشروع، ولا هو شعار، بل هو فعل يتحقق إنجازاً، ونصاً يسهر عليه إصلاحيون لممارسته وتطبيقه بحذافيره.. النصوص الإصلاحية تسكن الرفوف والجوارير.. ونفض الغبار عنها، يزكم العقل ويحرّضه على اليأس.

فليدلنا الإصلاحيون على الإصلاحيين العرب.. أو، على إنجاز ملموس.

بالطبع، ليس على المتفائلين بشهامة ونبل وعلى المطالبين بالإصلاح أن يقنعونا بعناوينه الجذابة والمحبطة: المواطنة، المشاركة، الديموقراطية، دولة القانون والمؤسسات، الاقتصاد المنتج، مكافحة الفساد، تداول السلطة، محاربة التوريث، التنمية البشرية، وقف هجرة الأدمغة، مقاومة الاحتلال، حفظ السيادة.
لا، ليس مطلوباً عرض شهادة حال لآمال الإصلاحيين، لأننا سنثبت لهم أنهم في مصاف الحائزين على ورقة فقر الحال. لا جدارة ولا كفاءة لدعاة الإصلاح.
 
انهم ظاهرة صوتية. انهم نشاز نظيف في حمأة التخلف والتراجع. انهم عكازة عاجزة أمام اهرامات الثبات العربي. فالإصلاح الممكن مستحيل لسببين:
أولاً: استشراء قوة المحافظين العرب الجدد، حكاماً ومثقفين ورأسماليين وإعلاميين ورجال دين، مدعمّين بآيات بيّنات، وجلاوزة القمع، وفتاوى الردة، وتعصب العقائد، ومؤيدين، بشبكة أمان إقليمية ودولية وإسرائيلية، تقديراً لما يقدّمونه من خدمات جليلة، أبرزها: المساهمة في قتل فلسطين والتأهل لدفنها، أولاً في بلدانهم، وثانياً، حيث يجب أن تكون دولة فلسطين.

ثانياً: انعدام قوة الإصلاحيين والقادرين على الاصلاح، لأنهم مفتونون بفرقتهم، لا يوحدهم مطلب، ولا تقربهم غاية، ولا تشد أزرهم حداثة. فهم متخلفون، ولكن بلغة تفيض حداثة، كما تفيض «فضائل» حديثي النعمة.

II ـ المقاومة المسلحة.. وسؤال الإصلاح

عقدت في بيروت، ندوة حملت عناوين نقاش كثيرة. تحت عنوان «المقاومة والإصلاح السياسي». وقد حفلت المداخلات بمساهمات كل من سمير سليمان ومخايل عوض وماهر سلوم وعصام نعمان وكمال حديد وموريس نهرا... قيل كلام كثير، كان جله في صلب الموضوع.. اختصر بعض القضايا بما يلي: «الإصلاح يهدف إلى محاربة الفساد. والفساد من طبيعة وجود الاجتماع».. ويحدث ان تتبدّل جوهرية المعضلة، فيصبح الفساد هو الأصل والإصلاح هو العرض». وأشد أنواع المعاناة، إننا كعرب، نحتضن ظاهرة الفقر المطلق أو الفقر المركب الذي يتضمن أنماط فقر في الأخلاق والتربية والاقتصاد والصحة والفكر السياسي... وكل إصلاح لا يطال الفقر المطلق، هو إصلاح فاشل. (سليمان)...

فمن يقوم بهذا المستحيل؟ هل المقاومة هي رأس حربة الإصلاح؟ سؤال أطرحه على نفسي.

تطرق آخرون إلى أزمة العمل السياسي في لبنان وتداخل الخارج بالداخل، ونهاية عصر التدخلات، بعد الحسم في حرب تموز، وفي السابع من أيار. ولبنان بلغ خاتمة جيدة «استنفذ التدخل الخارجي أغراضه. (عوض). على ان الخارج هنا، محصور بمن دعم خيار تصفية المقاومة والالتحاق بالمشروع الأميركي. فهل هذا الخارج وحده يتدخل؟ سؤال أطرحه عليَّ.

وتناول سلوم واقع الإدارة، وبنى الإصلاح على الأخلاق والنظم والتشريعات، وعاد نعمان إلى ضرورة تطبيق النسبية، ولو مع القانون الطائفي(!) وتأهيل القانون الانتخابي ليعاد بناء الوحدة الوطنية. (أليس ذلك من المستحيلات!).

أما حديد ونهرا، فقد شدّدا على ضرورة الإصلاح، من خلال ربط النظام الانتخابي بالوحدة وترابط التحرير بالتغيير.

وفهمت من هذه الأوراق، أن مسؤولية المقاومة مزدوجة: تحرير وإصلاح. فهل الإصلاح مسؤولية المقاومة عن جد؟

إذا عدنا إلى تاريخ المدى العربي، نلحظ أن القرن الماضي حفل بمقاومات باسلة. فبعد رحيل العثمانيين الأتراك مهزومين عن بلادنا، تناوب على تفتيتنا وتجزئتنا وحكمنا والتنكيل بنا، وإحلال الصهاينة في فلسطين، كل من بريطانيا وفرنسا، وحاشيتهما المؤلفة من فلول إقطاع تاريخي مزمن موروث، وفلول تجار كومــبرادوريين ونخب طائفية مطواعة لعصبية الولاء الأعمى، بلغات شــتى: عربية وأجنبية.

ووُجهت هذه السياسة بمقاومات شتى، بحيث نجزم أن القرن الماضي كان قرن المقاومة، واكثر قليلا. وقلما خلت سنة، لم تشهد مقاومة مسلحة باسلة وقوية... أجهضت بعنف ساحق، استعمله المستعمر البريطاني في العراق والفرنسي في سوريا وجبل عامل والضنية والبقاع الشمالي وراشيا، وعنف بريطاني صهيوني في فلسطين. إضافة إلى عنف ايطالي في ليبيا واسباني (بقيادة فرانكو الأبيض) في المغرب، إضافة إلى العنف الحضاري الفرنسي في الجزائر. ولم يمر عام، لم تكن فيه المقاومة أو الثورة، واجباً عربياً.

وكنتيجة لهذا السياق يمكن الاستنتاج التالي:

انه من السهل ان تقاوم وأن تكون مستعداً لبذل الدم حتى الشهادة والتضحية بالغالي والنفيس، مراراً وتكرارا... ويصعب عليك ان تكون مصلحاً ناجحاً، رغم الرخص المطلوب من التضحيات.

III ـ الدولة الغائبة خير منها، مقاومة حاضرة

الإصلاح... فراغ دامس. المقاومة وجود ممتلئ دام. ولقد استطاعت المقاومة بعد قرن من الزمن العربي الحقيقي، ان تصبح قوة اقليمية عظمى في لبنان، ومعادلة صعبة في فلسطين ومشكلة كبرى في العراق.

ان المقاومات راهناً، أشدّ حضوراً وثقلاً من الدول.

تعليق: حاجتنا إلى دول عربية في صيغة المستتر أو في صيغة الغياب؟ أو في صيغة التآمر؟

المقاومة موجودة بالفعل، الإصلاح، موجود بالرغبة. الدولة، قوامها وركيزتها هو اللادولة. لا أحد ينكر وجود المقاومات. وبالإمكان إنكار وجود الإصلاح بسهولة. إذاً: لا علاقة للمقاومة بالإصلاح. لا رابط منطقياً بينهما. لا رابط تاريخياً أيضا. العلاقة الأساس هي بين المقاومة والاحتلال. مرجعية المقاومة، هي العدو المحتل. شرعية المقاومة هي القتال ضد الاحتلال.

نشأت المقاومات في غياب الدولة، أو برغم أنف الدولة. فحاجتنا القومية، عبرت عنها المقاومة، ولم تعبر عنها، إلا نادراً، سلطات جاءت من رحم «فكرة المقاومة»، في بعض الدول العربية، وأساءت إلى الثورة، عبر تمسكها بالبقاء في الحكم.

وعليه. فليس مطلوباً من المقاومة الإسلامية في لبنان، ان تتنكب عملية الإصلاح. وانه من المعيب جداً، ان تنتقد القوى التي تسمّي نفسها إصلاحية ويسارية ووطنية حزب الله، وان تحذف نفسها وتؤبد هذا الحذف، وتطالب المقاومة التي أدّت واجب التحرير بجدارة وتفوق، بأن تتولى عملية إصلاح مستحيلة.
المقاومة، ليست مشروعاً إصلاحياً.. وإن حاولت ذلك، فلن تكون النتائج مفرحة... فحذار الإصلاح والأسباب جليلة. أول الأسباب، أن طبيعة المقاومة الإسلامية وبنيتها الدينية والشعبية، تنتظم فيها عقيدة دينية شيعية حسينية بحتة، فالمنتــظمون فيــها بنسبة تمامية هم شيعة. ويحملون قضية مقاومة الاحتــلال...

كان من المفترض نظرياً أن من يفوز على العدو في العام ألفين، ان تفرش له السجادة الحمراء، لتولي السلطة. يستحيل على المقاومة الإسلامية توظيف انتصارها، حتى ولو رغبت، في مشروع السلطة، لأنها فقط شيعية. وطنيتها الجامعة منقوصة. وبالكاد يقبلها اللبنانيون، كمقاومة، فكيف يقبلون بها في السلطة.

سلطة المقاومة، مشروع فتنة لا ينتهي.

ويستحيل على المقاومة الاسلامية، ان تتحول إلى دولة. الدولة نقيضها. هي استفادت من غياب الدولة. الدولة القوية خطر عليها.. تناسبها الدولة بنظامها الطائفي. فهي منه وفيه.

المقاومة بعد عودتها إلى الضاحية منتصرة على إسرائيل، لم تنجُ من شعار: «هاتِِ سلاحكِِ يا مقاومة». مع شكر مطعون بالنوايا السوداء. هي استكانت إلى أماكن تواجدها الشعبية، فطاردوها بالقرارات الدولية، واستفادوا من عدوان تموز، كي يخنقوها حيّة، والإتيان بجثتها إلى السلطة، كي تشاركهم في الحكم.. وعلى فلسطين السلام... وشدوا الرحال إلى واشنطن وبولتون.

المقاومة لم تضع الإصلاح السياسي منهاجاً لها. جل ما تريده ان تكون محمية من الداخل. تتنازل لتحمي بندقيتها. تتراجع لتتقدم جبهتها. تتخلى لملء الزمن المقاوم بالاستعداد. لا تريد من الدولة، وأركانها، سوى فترة سلام، شبيهة بفترة السماح، التي قد تطول بعد حسم السابع من أيار لا أكثر.
فأي إصلاح من مقاومة، كل همها بندقيتها ومواجهة العدو، والاستعداد لتغيير وجه المنطقة.. وهي لا تقدر على تغيير مدير عام إلا بألف تدخل إقليمي داعم لمطلبها؟

IV ـ فضيلة خرق السيادة اللبنانية

لم تتغير وظيفة لبنان بعد.. منذ نشأته، وهو يواصل استقبال او استدعاء هذه القوى، لنصرة مشروعاته الاستراتيجية.. لم يكن لبنان في أزمنة الصراع الدولي والاقليمي، في حالة سلام مع نفسه.. قواه مستعدة لتنكب مشاريع تتلاقى وأهواءها وثقافاتها ومصالحها ومشاريعها وايديولوجياتها الطائفية.. أو كما يتراءى لها أحيانا أنه يؤمن لها مكاسب ونفوذاً في لبنان. ومن المستغرب ان يفوت هذا الأمر، بعض الناظرين في شؤون لبنان السياسية، ويعتبرون ذلك مؤامرة فقط.. اذ كيف تكون مؤامرة في وضح النهار الطائفي؟ ثقافاتنا السياسية طائفية تدل علينا.. كل طائفة هي موقع قدم لقوة خارجية. وهذا أمر طبيعي. ولقد بلغ التداخل بين الخارج والداخل مبلغاً حيوياً، جعلت كل فريق يعيش مما تيسر له من مال ونفوذ ومصالح وسلاح وصواريخ، من حلفائه.

لا يجوز إنكار هذه الحقيقة، وعدم اللجوء إلى مدلولاتها، في عملية الصراع القائمة في المنطقة. وعليه، لسنا نفهم معنى ان يتوقف تدخل الخارج بلبنان، أو ان تكون السيادة اللبنانية مصانة.. ان السيادة اللبنانية مخترقة من قبل قادتها.. وقد يكون لذلك فضائل قومية أحياناً.

وبما أن الأمر كذلك، ففريق الممانعة والمقاومة، يلزم ان يصر، على القوى الداعمة له، بزيادة الدعم والتنسيق والتخطيط والتذخير والتمويل والتدريب، لمواجهة الحروب المقبلة (ربما!) من قبل اسرائيل وداعميها من العرب البائدة عربيا، والحيّة أميركيا وصهيونيا.

فكيف نطلب من جيراننا: ارفعوا أيديكم عن لبنان؟

لبنان، لا يستطيع إلا ان يعيش في كنف مشروعين متناقضين. هكذا كان، وهكذا هو الآن، وهكذا سيكون. هذه هي طبــيعته. وكل فريق يطالب حليفه الخارجي بدعمه. وغالباً ما تلحــق الهــزائم بمشاريع أميركا.

ولأن المعركة لا تزال في بدايتها، فعلى الممانعين ان يرفعوا الشعار التالي: «لا تتركونا وحدنا»... ويجب ان يكونوا على استعداد أيضا ليرفعوا الصوت عاليا: «ولن نترككم فرادى وحدكم أيضاً».

أما الآخرون، فهم أدرى بشعاب واشنطن.. فليخطبوا ود الكلام المعسول من أوباما.

2010-02-22