ارشيف من :أخبار لبنانية
اغتيال الشهيد المبحوح يثير السجال حول جدوى الاغتيالات خصوصاً في عصر الثورة الرقمية
حلمي موسى/ نقلا عن جريدة السفير
يندر أن أثارت عملية اغتيال بهذه السرعة سجالاً متناقضاً إلى هذه الدرجة في وسائل الإعلام الإسرائيلية حتى وهي تشدّد على أن لا شيء يؤكد أن الموساد يقف خلف اغتيال الشهيد محمود المبحوح. ورغم التأكيد المتواصل بعدم توفر قرائن فإن قلة قليلة من الإسرائيليين تجرأت على محاولة إلصاق تهمة الاغتيال هذه بجهات غير إسرائيلية. وللصدفة فإن نائب رئيس الموساد السابق رافي إيتان تجرأ حتى على القول بأن آخرين أقدموا على ذلك من أجل تشويه صورة "إسرائيل" الناصعة.
وتتناقض هذه الفكرة السخيفة مع التباهي الذي وسم تعليقات الكثير من المعلقين الإسرائيليين الذين غمزوا في البداية بأن الثناء في الأمر يعود إلى حنكة وشجاعة رئيس الموساد الحالي الذي أرهب أعداء "إسرائيل" بمسلسل اغتيالاته. والواقع أن أغلب التعليقات في الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية الأخرى باتت تنطلق من الرغبة في التغطية على إخفاق الموساد أو السعي لتجنيب "إسرائيل" إخفاقات مثل هذه في المستقبل.
فوجود ما لا يقل من ستة أسماء نشرتها شرطة دبي لضالعين في العملية في "إسرائيل" لا يجعل المشاركة الإسرائيلية في العملية وهمية. كما أن محاولة الصحف الإسرائيلية إخفاء حقيقة أن أحد هؤلاء, على الأقل, استصدر جوازاً بنفسه من ألمانيا باسم حاخام يعيش في "إسرائيل" وبناء على وثائق إسرائيلية لا يبقي هامشاً من الشك بأن الأمر يتعلق بإسرائيليين.
ومن المؤكد أن الضجة الدولية التي وقعت جراء استخدام "إسرائيل" لجوازات سفر بريطانية وإيرلندية وفرنسية وألمانية سوف تهدأ بعد حين. ولكن هذه الضجة في اللحظة الراهنة تلحق أشد الضرر بـ"إسرائيل" التي أعلن عدد من أبرز قادتها أن شهر شباط/ فبراير الجاري هو شهر حاسم على صعيد الموقف الدولي من المشروع النووي الإيراني. ولا يأخذ كثير من المعلقين الإسرائيليين برأي القائمين على وزارة الخارجية من أن الإخفاق الإسرائيلي في دبي سوف لن يترك آثاراً بعيدة المدى على العلاقات مع الدول ذات الصلة. ويرى أغلب هؤلاء أن بريطانيا, التي سبق ونالت من "إسرائيل" تعهّدات بعدم استخدام جوازات سفرها في عمليات مشبوهة, سوف لن تمر مرور الكرام عن الأمر. كما أن فرنسا التي سارعت لإدعاء أن الجواز مزور سوف تجد نفسها في موضع بالغ الحرج إذا ثبت أن الجواز الفرنسي الذي استخدمه الموساد كان دبلوماسياً. والشيء نفسه يسري على ألمانيا التي أصدرت جواز سفر أصلياً بناء على وثائق إسرائيلية مزورة بشكل رسمي.
والواقع أن السجال لا يدور فقط حول ما إذا كانت عواقب هذه العملية سيئة أم مقبولة، وإنما يتجاوز ذلك ليدور حول جدوى الاغتيالات من ناحية وأضرارها في عالم التقنيات الرقمية والبصمة البيومترية. وذهب بعض المعلقين إلى حد الإشارة إلى أن الاغتيالات التي تعتبر ناجحة نالت هذه الصفة فقط، لأنه لم يتم الكشف عن عيوبها.
وهكذا فإن زعيم ميرتس السابق يوسي ساريد يكشف النقاب في مقالة له في «هآرتس» عن أنه كان عضواً في لجنة تحقيق برلمانية في إخفاق الموساد في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عمان. ويبين أنه في المداولات التي سبقت تلك العملية لم يثر البتة سؤال حول أثر اغتيال كهذا على العلاقة مع الأردن إذا تم اكتشافه. وكتب: «هل يصدق انه في المشاورات التي سبقت الخروج، ألم تطرح المسألة الاردنية لنقاش جدي؟ وهل من الصحيح تنفيذ اغتيال لفلسطيني ما داخل الارض السيادية لدولة عربية مجاورة لها بنا علاقات صداقة وحساسية خاصة؟ وكيف يرد الملك الحافظ للثقة، بعد ان يتبين له ان اسرائيل خانت ثقته على نحو مضر وقح جداً؟
لم يسأل بنيامين نتنياهو، ولم يجب الموساد على ذلك».
وفي كل الأحوال فإن المعلق السياسي في «معاريف» بن كسبيت كان بين أول من تغنوا باغتيال الشهيد المبحوح إلا أنه كان أيضاً بين أول من تحدث, بعد كشف شرطة دبي للتفاصيل, عن أنه «نجاح تكتيكي وفشل استراتيجي». بل طالب من طرف خفي بالتحقيق في تصرفات الموساد لأن الأمر لو جرى في بريطانيا «لعقدت جلسة مناقشة في البرلمان», ولو حدث في اميركا «لساد حرج كبير حيال مثل هذا الاداء». ووصل الأمر بالمعلق الأمني في «هآرتس» أمير أورن ليس إلى المطالبة بإجراء تحقيق في القضية وإنما إلى المطالبة بإقالة رئيس الموساد مئير داغان بسبب فشـله في خلق تفكير جديد يتناسب والوضع الجديد.
ولكن معلقاً أمنياً آخر في «هآرتس», يوسي ميلمان يشدّد على أن الاغتيال تم بنجاح وأن كل ما عدا ذلك تفاصيل. وهذه فكرة يرددها في الغالب المعلقون العسكريون الذين ينظرون للمسألة فقط من الزاوية الضيقة لزوال تهديد وليس من الوجهة الكلية لمبدأ الاغتيال.
والحقيقة أن السجال حول جدوى الاغتيال كان قائماً على الدوام، ولكن في السنوات الأخيرة وبعد أن غدا «القتل خارج القانون» سياسة رسمية في إسرائيل تراجع هذا السجال إلى أدنى مستوى. ومع ذلك, وفي حمى السجال المستجد يشير بن كسبيت إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي في وقت اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله الشهيد عباس الموسوي تمتم عندما وصله الخبر من رئيس الأركان إيهود باراك بأنهم اغتالوا الموسوي: «مجانين». كما أن رئيس شعبة الاستخبارات في حينه الجنرال أوري ساغي اعترف بأن اغتيال الموسوي كان خطأ ولم تؤخذ فيه بالحسبان المخاطر المتوقعة.
يندر أن أثارت عملية اغتيال بهذه السرعة سجالاً متناقضاً إلى هذه الدرجة في وسائل الإعلام الإسرائيلية حتى وهي تشدّد على أن لا شيء يؤكد أن الموساد يقف خلف اغتيال الشهيد محمود المبحوح. ورغم التأكيد المتواصل بعدم توفر قرائن فإن قلة قليلة من الإسرائيليين تجرأت على محاولة إلصاق تهمة الاغتيال هذه بجهات غير إسرائيلية. وللصدفة فإن نائب رئيس الموساد السابق رافي إيتان تجرأ حتى على القول بأن آخرين أقدموا على ذلك من أجل تشويه صورة "إسرائيل" الناصعة.
وتتناقض هذه الفكرة السخيفة مع التباهي الذي وسم تعليقات الكثير من المعلقين الإسرائيليين الذين غمزوا في البداية بأن الثناء في الأمر يعود إلى حنكة وشجاعة رئيس الموساد الحالي الذي أرهب أعداء "إسرائيل" بمسلسل اغتيالاته. والواقع أن أغلب التعليقات في الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية الأخرى باتت تنطلق من الرغبة في التغطية على إخفاق الموساد أو السعي لتجنيب "إسرائيل" إخفاقات مثل هذه في المستقبل.
فوجود ما لا يقل من ستة أسماء نشرتها شرطة دبي لضالعين في العملية في "إسرائيل" لا يجعل المشاركة الإسرائيلية في العملية وهمية. كما أن محاولة الصحف الإسرائيلية إخفاء حقيقة أن أحد هؤلاء, على الأقل, استصدر جوازاً بنفسه من ألمانيا باسم حاخام يعيش في "إسرائيل" وبناء على وثائق إسرائيلية لا يبقي هامشاً من الشك بأن الأمر يتعلق بإسرائيليين.
ومن المؤكد أن الضجة الدولية التي وقعت جراء استخدام "إسرائيل" لجوازات سفر بريطانية وإيرلندية وفرنسية وألمانية سوف تهدأ بعد حين. ولكن هذه الضجة في اللحظة الراهنة تلحق أشد الضرر بـ"إسرائيل" التي أعلن عدد من أبرز قادتها أن شهر شباط/ فبراير الجاري هو شهر حاسم على صعيد الموقف الدولي من المشروع النووي الإيراني. ولا يأخذ كثير من المعلقين الإسرائيليين برأي القائمين على وزارة الخارجية من أن الإخفاق الإسرائيلي في دبي سوف لن يترك آثاراً بعيدة المدى على العلاقات مع الدول ذات الصلة. ويرى أغلب هؤلاء أن بريطانيا, التي سبق ونالت من "إسرائيل" تعهّدات بعدم استخدام جوازات سفرها في عمليات مشبوهة, سوف لن تمر مرور الكرام عن الأمر. كما أن فرنسا التي سارعت لإدعاء أن الجواز مزور سوف تجد نفسها في موضع بالغ الحرج إذا ثبت أن الجواز الفرنسي الذي استخدمه الموساد كان دبلوماسياً. والشيء نفسه يسري على ألمانيا التي أصدرت جواز سفر أصلياً بناء على وثائق إسرائيلية مزورة بشكل رسمي.
والواقع أن السجال لا يدور فقط حول ما إذا كانت عواقب هذه العملية سيئة أم مقبولة، وإنما يتجاوز ذلك ليدور حول جدوى الاغتيالات من ناحية وأضرارها في عالم التقنيات الرقمية والبصمة البيومترية. وذهب بعض المعلقين إلى حد الإشارة إلى أن الاغتيالات التي تعتبر ناجحة نالت هذه الصفة فقط، لأنه لم يتم الكشف عن عيوبها.
وهكذا فإن زعيم ميرتس السابق يوسي ساريد يكشف النقاب في مقالة له في «هآرتس» عن أنه كان عضواً في لجنة تحقيق برلمانية في إخفاق الموساد في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عمان. ويبين أنه في المداولات التي سبقت تلك العملية لم يثر البتة سؤال حول أثر اغتيال كهذا على العلاقة مع الأردن إذا تم اكتشافه. وكتب: «هل يصدق انه في المشاورات التي سبقت الخروج، ألم تطرح المسألة الاردنية لنقاش جدي؟ وهل من الصحيح تنفيذ اغتيال لفلسطيني ما داخل الارض السيادية لدولة عربية مجاورة لها بنا علاقات صداقة وحساسية خاصة؟ وكيف يرد الملك الحافظ للثقة، بعد ان يتبين له ان اسرائيل خانت ثقته على نحو مضر وقح جداً؟
لم يسأل بنيامين نتنياهو، ولم يجب الموساد على ذلك».
وفي كل الأحوال فإن المعلق السياسي في «معاريف» بن كسبيت كان بين أول من تغنوا باغتيال الشهيد المبحوح إلا أنه كان أيضاً بين أول من تحدث, بعد كشف شرطة دبي للتفاصيل, عن أنه «نجاح تكتيكي وفشل استراتيجي». بل طالب من طرف خفي بالتحقيق في تصرفات الموساد لأن الأمر لو جرى في بريطانيا «لعقدت جلسة مناقشة في البرلمان», ولو حدث في اميركا «لساد حرج كبير حيال مثل هذا الاداء». ووصل الأمر بالمعلق الأمني في «هآرتس» أمير أورن ليس إلى المطالبة بإجراء تحقيق في القضية وإنما إلى المطالبة بإقالة رئيس الموساد مئير داغان بسبب فشـله في خلق تفكير جديد يتناسب والوضع الجديد.
ولكن معلقاً أمنياً آخر في «هآرتس», يوسي ميلمان يشدّد على أن الاغتيال تم بنجاح وأن كل ما عدا ذلك تفاصيل. وهذه فكرة يرددها في الغالب المعلقون العسكريون الذين ينظرون للمسألة فقط من الزاوية الضيقة لزوال تهديد وليس من الوجهة الكلية لمبدأ الاغتيال.
والحقيقة أن السجال حول جدوى الاغتيال كان قائماً على الدوام، ولكن في السنوات الأخيرة وبعد أن غدا «القتل خارج القانون» سياسة رسمية في إسرائيل تراجع هذا السجال إلى أدنى مستوى. ومع ذلك, وفي حمى السجال المستجد يشير بن كسبيت إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي في وقت اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله الشهيد عباس الموسوي تمتم عندما وصله الخبر من رئيس الأركان إيهود باراك بأنهم اغتالوا الموسوي: «مجانين». كما أن رئيس شعبة الاستخبارات في حينه الجنرال أوري ساغي اعترف بأن اغتيال الموسوي كان خطأ ولم تؤخذ فيه بالحسبان المخاطر المتوقعة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018