ارشيف من :أخبار لبنانية
آخر الاغتيالات (*)
يوسي ميلمان
إنها مسألة وقت ومال إلى أن تنشر بيروت ودمشق وعمان شارات ممنوع دخول العمليات السرية إلى أراضيها. وعندما تتحول هذه إلى «مدن ذكية», أي عندما تنشر فيها تكنولوجيا متقدمة وكاميرات حماية, فما الذي سيحدث بعدها. إذ أنه رغم عداء الأنظمة في الدول العربية, لم يتعذر على رجال الاستخبارات الإسرائيلية, خصوصاً عملاء الموساد, في الأربعين عاماً الماضية التغلغل في عواصمهم. وتشهد على ذلك عشرات عمليات الاغتيال المنسوبة لإسرائيل, من اغتيال حسن علي سلامة وهو من قادة أيلول الأسود في بيروت 1979 حتى اغتيال رئيس الذراع العسكري لحزب الله, عماد مغنية, المنسوب لإسرائيل في دمشق 2008.
والدرس الأهم الممكن استخلاصه من الأحداث التي ارتبطت باغتيال المسؤول في حماس محمود المبحوح في دبي هو أن من الجائز أن تكون هذه إحدى آخر العمليات من هذا النوع. وكما هو معروف, نشر هذا الأسبوع أن خلية الاغتيال استخدمت هويات مسروقة لإسرائيليين وجوازات سفر مزورة وأن رجالها ضبطوا بكاميرات الحماية. إن نشر كاميرات الحماية واستخدام وسائل تعريف بيومترية تغيران قواعد اللعب في عالم الظلال. فهذه الوسائل, المعدة لتشويش عمل الإرهابيين, لن تسمح بعد الآن بتزوير هويات وتضليل السلطات. وللمفارقة, فإن استخدامها يضر تحديدا أجهزة الاستخبارات, التي سيتعذر عليها التكيف مع الواقع التكنولوجي الجديد.
ومن الجائز أن هذه التكنولوجيا الجديدة قد تشوش على وجه الخصوص عمليات الموساد, والذي وفق ما ينسب إليه هو الجهاز الاستخباري الوحيد في العالم اليوم, الذي يعتبر اغتيال الإرهابيين جزءاً من شيفرته الوراثية. لقد تبنّت وكالة المخابرات المركزية والجيش الأميركي في حروب أفغانستان, في الباكستان, في اليمن والصومال والعراق, أساليب الاغتيال التي انتهجها الجيش الإسرائيلي والشاباك في الأراضي المحتلة. غير أن الأميركيين يستخدمون أساساً طائرات من دون طيار وليس عملاء.
ختام عهد
على من يسعى لتخطيط عمليات كهذه في المستقبل, أن يفحص بدقة ما إذا كانت المخاطر المرتبطة باغتيال هذا الإرهابي أو خلافه تساوي الفائدة الناجمة عن العمل. كما سيضطرون للدراسة الجيدة لما إذا كان عليهم تنفيذ العمل في مدينة مثل دبي, حيث مستوى الأمن ليس شديداً على وجه الخصوص, ولكن فيها تكنولوجيا متقدمة, أو في مدينة مثل دمشق, حيث المستوى التكنولوجي متدنٍ لكنها تحتوي وفرة من العملاء السريين اليقظين.
ومن الجائز أن الخلاصة ستكون أن عهد العمليات البطولية, من نمط أفلام جيمس بوند, يوشك على الانتهاء. ففي عمليات كهذه بنيت صورة الموساد كجهاز حازم, يطارد الإرهابيين أعداء إسرائيل في كل زاوية على وجه الأرض. ومن الجائز أن الدرس سيكون أنه في حالات نادرة جدا, يكون فيها هدف الاغتيال, محوراً مركزياً في تنظيم إرهابي مثل حسن نصر الله في حزب الله, تغدو المجازفة مجدية.
ومن المؤكد أن محمود المبحوح وقع في خانة الهدف الجدير بالاغتيال. إذ أنه لعب دوراً مركزياً في العلاقات السرية بين حماس وقوة القدس في الحرس الثوري الإيراني. وقد خرج الصيادون لاصطياده على وجه الخصوص، لأنه كان ضالعاً في إرسال شحنات السلاح من إيران إلى غزة.
لقد ألحق موت المبحوح ضربة قاسية بحماس. وسوف توظف قيادة هذا التنظيم جهوداً ووقتاً لاكتشاف بديل مناسب للقتيل, الذي جر مقتله الأعضاء إلى دوامة الشكوك المتبادلة. إذ يظن قادة رجال العمليات في حماس أن من وصل إلى المبحوح كان بوسعه المساس بأي منا, وهم يبحثون عن ملجأ يختفون فيه، كما يفعل نصر الله.
لقد كانت العملية نجاحا تكتيكيا, سوف تبقى آثاره لفترة تتراوح بين شهور معدودة إلى عامين. وحماس سوف تفيق من الضربة التي أصابتها. ومع ذلك, في السنوات الأخيرة, لا يفلح الموساد والأجهزة الاستخبارية الأخرى وكذلك المستوى السياسي في بلورة موقف واضح بشأن نجاعة الاغتيالات. لذلك, لا توجد أيضاً نظرية مبلورة تحدد من ينبغي اغتياله بين قادة منظمات الإرهاب, ومتى وكيف يتم ذلك.
وبالوسع القول إن العملية المنسوبة لإسرائيل انتهت بنجاح, خصوصاً من الزاوية الاستخبارية. ومن المؤكد أنه لا ينبغي أن نرى فيها ذريعة لاستقالة رئيس الموساد, إذا كان الموساد ضالعاً فعلاً بها. فالمعلومات حول المستهدف كانت دقيقة. وهو لم يرتب في شيء وشعر بأمان في دبي, التي زارها مرات عديدة للالتقاء بإيرانيين.
تحسس في الظلام
عشرة أيام تحسس قادة المبحوح في الظلام ولم يعرفوا سبب موته. أما أعضاء فريق الاغتيال الأحد عشر الذين التقطتهم كاميرات الحماية وتم اكتشاف هوياتهم المزورة في جوازات السفر, وربما أن هناك ستة آخرين سيتم لاحقاً كشف النقاب عنهم, فقد فروا من دبي من دون أذى. وبالمناسبة ليس من المستبعد أن قسماً من التكنولوجيا لحماية دبي وصلتها من شركات إسرائيلية تدير أعمالاً في الخليج. لقد تصرفت فرق الاغتيال ببرودة أعصاب. وكانوا يدركون وجود كاميرات التصوير ويمكن الافتراض أن ما بدا ككبوات صغيرة ـ استبدال الباروكة التي ضبطتها إحدى الكاميرات وخروج أحد أفراد الخلية وقفاز في يده ـ كانت فعلياً تدابير تمت بسبب اضطرار عملياتي, عبر مجازفة مدروسة. كما يمكن الافتراض, بأن مزوري جوازات السفر يعرفون جيداً الجواز الإيرلندي, البريطاني, الفرنسي أو الألماني بشكل لا يقلّ عن معرفة الجهة الحكومية التي تقوم بطباعته في تلك الدول.
أما الخشية من أن المنفذين تم اكتشافهم ولذلك لا يمكنهم مواصلة العمل في الموساد (إذا كان التنظيم فعلا مسؤول عن العملية), لن تتحقق بالضرورة. ومنطقي أن يتم إدراجهم في أعمال إدارية لفترة معينة, يتجنبون خلالها السفر إلى الخارج. وإذا لم تظهر مشاكل خاصة, بعد شهور معدودة يمكنهم العودة لعمليات استخبارية ميدانية.
صحيح أن هناك سحباً خفيفة في الأفق, ولكن إذا لم يتم العثور على قرائن مثيرة, فإن بالوسع الافتراض أن إسرائيل ستنجو من هذه القضية. ومع ذلك أمامها حتى الآن ثلاثة مخاطر. ووفق سوابق الماضي, لن ترتاح بريطانيا قبل أن تتلقى من إسرائيل أجوبة واضحة بشأن استخدام أسماء مواطنيها القاطنين في إسرائيل. كما أن العلاقات مع أجهزة موازية للموساد يمكن أن تتضرر. والأخطر من كل ذلك أن أحدا ما في إسرائيل يمكن أن يلحظ أحد المنفذين في إسرائيل فلا يكتفي بتداول الأمر مع رفاقه وإنما يقوم بنشر ذلك على شبكة الانترنت.
(*) هآرتس 19ـ2ـ2010
إنها مسألة وقت ومال إلى أن تنشر بيروت ودمشق وعمان شارات ممنوع دخول العمليات السرية إلى أراضيها. وعندما تتحول هذه إلى «مدن ذكية», أي عندما تنشر فيها تكنولوجيا متقدمة وكاميرات حماية, فما الذي سيحدث بعدها. إذ أنه رغم عداء الأنظمة في الدول العربية, لم يتعذر على رجال الاستخبارات الإسرائيلية, خصوصاً عملاء الموساد, في الأربعين عاماً الماضية التغلغل في عواصمهم. وتشهد على ذلك عشرات عمليات الاغتيال المنسوبة لإسرائيل, من اغتيال حسن علي سلامة وهو من قادة أيلول الأسود في بيروت 1979 حتى اغتيال رئيس الذراع العسكري لحزب الله, عماد مغنية, المنسوب لإسرائيل في دمشق 2008.
والدرس الأهم الممكن استخلاصه من الأحداث التي ارتبطت باغتيال المسؤول في حماس محمود المبحوح في دبي هو أن من الجائز أن تكون هذه إحدى آخر العمليات من هذا النوع. وكما هو معروف, نشر هذا الأسبوع أن خلية الاغتيال استخدمت هويات مسروقة لإسرائيليين وجوازات سفر مزورة وأن رجالها ضبطوا بكاميرات الحماية. إن نشر كاميرات الحماية واستخدام وسائل تعريف بيومترية تغيران قواعد اللعب في عالم الظلال. فهذه الوسائل, المعدة لتشويش عمل الإرهابيين, لن تسمح بعد الآن بتزوير هويات وتضليل السلطات. وللمفارقة, فإن استخدامها يضر تحديدا أجهزة الاستخبارات, التي سيتعذر عليها التكيف مع الواقع التكنولوجي الجديد.
ومن الجائز أن هذه التكنولوجيا الجديدة قد تشوش على وجه الخصوص عمليات الموساد, والذي وفق ما ينسب إليه هو الجهاز الاستخباري الوحيد في العالم اليوم, الذي يعتبر اغتيال الإرهابيين جزءاً من شيفرته الوراثية. لقد تبنّت وكالة المخابرات المركزية والجيش الأميركي في حروب أفغانستان, في الباكستان, في اليمن والصومال والعراق, أساليب الاغتيال التي انتهجها الجيش الإسرائيلي والشاباك في الأراضي المحتلة. غير أن الأميركيين يستخدمون أساساً طائرات من دون طيار وليس عملاء.
ختام عهد
على من يسعى لتخطيط عمليات كهذه في المستقبل, أن يفحص بدقة ما إذا كانت المخاطر المرتبطة باغتيال هذا الإرهابي أو خلافه تساوي الفائدة الناجمة عن العمل. كما سيضطرون للدراسة الجيدة لما إذا كان عليهم تنفيذ العمل في مدينة مثل دبي, حيث مستوى الأمن ليس شديداً على وجه الخصوص, ولكن فيها تكنولوجيا متقدمة, أو في مدينة مثل دمشق, حيث المستوى التكنولوجي متدنٍ لكنها تحتوي وفرة من العملاء السريين اليقظين.
ومن الجائز أن الخلاصة ستكون أن عهد العمليات البطولية, من نمط أفلام جيمس بوند, يوشك على الانتهاء. ففي عمليات كهذه بنيت صورة الموساد كجهاز حازم, يطارد الإرهابيين أعداء إسرائيل في كل زاوية على وجه الأرض. ومن الجائز أن الدرس سيكون أنه في حالات نادرة جدا, يكون فيها هدف الاغتيال, محوراً مركزياً في تنظيم إرهابي مثل حسن نصر الله في حزب الله, تغدو المجازفة مجدية.
ومن المؤكد أن محمود المبحوح وقع في خانة الهدف الجدير بالاغتيال. إذ أنه لعب دوراً مركزياً في العلاقات السرية بين حماس وقوة القدس في الحرس الثوري الإيراني. وقد خرج الصيادون لاصطياده على وجه الخصوص، لأنه كان ضالعاً في إرسال شحنات السلاح من إيران إلى غزة.
لقد ألحق موت المبحوح ضربة قاسية بحماس. وسوف توظف قيادة هذا التنظيم جهوداً ووقتاً لاكتشاف بديل مناسب للقتيل, الذي جر مقتله الأعضاء إلى دوامة الشكوك المتبادلة. إذ يظن قادة رجال العمليات في حماس أن من وصل إلى المبحوح كان بوسعه المساس بأي منا, وهم يبحثون عن ملجأ يختفون فيه، كما يفعل نصر الله.
لقد كانت العملية نجاحا تكتيكيا, سوف تبقى آثاره لفترة تتراوح بين شهور معدودة إلى عامين. وحماس سوف تفيق من الضربة التي أصابتها. ومع ذلك, في السنوات الأخيرة, لا يفلح الموساد والأجهزة الاستخبارية الأخرى وكذلك المستوى السياسي في بلورة موقف واضح بشأن نجاعة الاغتيالات. لذلك, لا توجد أيضاً نظرية مبلورة تحدد من ينبغي اغتياله بين قادة منظمات الإرهاب, ومتى وكيف يتم ذلك.
وبالوسع القول إن العملية المنسوبة لإسرائيل انتهت بنجاح, خصوصاً من الزاوية الاستخبارية. ومن المؤكد أنه لا ينبغي أن نرى فيها ذريعة لاستقالة رئيس الموساد, إذا كان الموساد ضالعاً فعلاً بها. فالمعلومات حول المستهدف كانت دقيقة. وهو لم يرتب في شيء وشعر بأمان في دبي, التي زارها مرات عديدة للالتقاء بإيرانيين.
تحسس في الظلام
عشرة أيام تحسس قادة المبحوح في الظلام ولم يعرفوا سبب موته. أما أعضاء فريق الاغتيال الأحد عشر الذين التقطتهم كاميرات الحماية وتم اكتشاف هوياتهم المزورة في جوازات السفر, وربما أن هناك ستة آخرين سيتم لاحقاً كشف النقاب عنهم, فقد فروا من دبي من دون أذى. وبالمناسبة ليس من المستبعد أن قسماً من التكنولوجيا لحماية دبي وصلتها من شركات إسرائيلية تدير أعمالاً في الخليج. لقد تصرفت فرق الاغتيال ببرودة أعصاب. وكانوا يدركون وجود كاميرات التصوير ويمكن الافتراض أن ما بدا ككبوات صغيرة ـ استبدال الباروكة التي ضبطتها إحدى الكاميرات وخروج أحد أفراد الخلية وقفاز في يده ـ كانت فعلياً تدابير تمت بسبب اضطرار عملياتي, عبر مجازفة مدروسة. كما يمكن الافتراض, بأن مزوري جوازات السفر يعرفون جيداً الجواز الإيرلندي, البريطاني, الفرنسي أو الألماني بشكل لا يقلّ عن معرفة الجهة الحكومية التي تقوم بطباعته في تلك الدول.
أما الخشية من أن المنفذين تم اكتشافهم ولذلك لا يمكنهم مواصلة العمل في الموساد (إذا كان التنظيم فعلا مسؤول عن العملية), لن تتحقق بالضرورة. ومنطقي أن يتم إدراجهم في أعمال إدارية لفترة معينة, يتجنبون خلالها السفر إلى الخارج. وإذا لم تظهر مشاكل خاصة, بعد شهور معدودة يمكنهم العودة لعمليات استخبارية ميدانية.
صحيح أن هناك سحباً خفيفة في الأفق, ولكن إذا لم يتم العثور على قرائن مثيرة, فإن بالوسع الافتراض أن إسرائيل ستنجو من هذه القضية. ومع ذلك أمامها حتى الآن ثلاثة مخاطر. ووفق سوابق الماضي, لن ترتاح بريطانيا قبل أن تتلقى من إسرائيل أجوبة واضحة بشأن استخدام أسماء مواطنيها القاطنين في إسرائيل. كما أن العلاقات مع أجهزة موازية للموساد يمكن أن تتضرر. والأخطر من كل ذلك أن أحدا ما في إسرائيل يمكن أن يلحظ أحد المنفذين في إسرائيل فلا يكتفي بتداول الأمر مع رفاقه وإنما يقوم بنشر ذلك على شبكة الانترنت.
(*) هآرتس 19ـ2ـ2010
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018