ارشيف من :أخبار لبنانية
إسرائيل الخائبة بلا استراتيجيا هجوميّة
يحيى دبوق/ نقلا عن جريدة الاخبار
انتقلت استراتيجيا إسرائيل المتّبعة تجاه المقاومة، من مكان إلى آخر خلال السنوات الثلاث والنصف الأخيرة. سُجِّل في هذا الإطار تغييرٌ تبعَ قدرات حزب الله وتقدير نيّاته. فبعد حرب 2006 مباشرة، انكبت "إسرائيل" على تحقيق جهوزية طموحة استعداداً للحرب المقبلة، وكان شعار القادة الإسرائيليين في تلك الفترة، وفي مقدمهم وزير الحرب إيهود باراك، ورئيس أركان جيشه غابي أشكنازي، أن النصر سيكون حاسماً وجازماً وسريعاً. إلاّ أنّ "إسرائيل" بدت كأنها تتهيأ للحرب الماضية أكثر من أنها تتهيأ للحرب المقبلة، أي حرب برية تسحق فيها الأعداء وتحرز نصراً سريعاً لا لبس فيه، فيما الجانب الآخر يجري استعداداته واستكمال جهوزيته، بصمت ومن دون ضجيج، والتهيّؤ لمواجهة برية وغير برية بامتياز، من دون أن يكتفي بـ«سكرة» انتصارات تموز، أو الاكتفاء بالبناء عليها.
أدركت إسرائيل، ربّما متأخّرة، أنّ قدرتها على الحسم السريع في الحرب البرية لم تعد قائمة. فقدرات أعدائها باتت أكثر هولاً وأكثر تأثيراً، قياساً بقدراتهم عام 2006. ولم يعد سلاح البر، تالياً، قادراً على أداء المهمّة والدخول البري إلى لبنان. ويبدو أن ما التقطته تل أبيب استخبارياً، من هنا وهناك، كوّن لديها صورة مغايرة عمّا كانت تعتقده أو تريده للحرب البرية، ما استتبع منها تغييباً لمفهوم «السحق البري» من قاموسها العملي والإعلامي، فانتقلت إلى البحث عن استراتيجيا أخرى قد لا تُنهي حزب الله أو تستوعب تهديده نهائياً، لكنها كافية ـ لتعذّر وجود حلّ آخر ـ للمراهنة على ردع المقاومة عن تفعيل قدراتها، أو عن أن تسبب حرباً لا تريدها إسرائيل، وهي غير جاهزة لخوضها. وهذا ما أوضحه السيد نصر الله في خطابه.
في ظل غياب الحلّ العسكري الحاسم، أعادت "إسرائيل" تحديد أهدافها: المدنيّون في لبنان، كموضوع لاستراتيجيّتها الجديدة تجاه حزب الله. وكان رائد هذا التحول قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، غادي أيزنكوت، وحديثه عن «عقيدة الضاحية» واستهدافه للمدنيين اللبنانيين في حال تجدُّد المواجهة مع حزب الله. لاحقاً، طورت "إسرائيل" هذه «العقيدة»، لتهدّد البنية التحتية المدنية في لبنان. وتعامل المسؤولون الإسرائيليون مع هذا «الحل»، على أنه «حل سحري» وحاسم حيال المقاومة. وبحسب تأصيل تل أبيب لعقيدة الضاحية المطوّرة (التهديد بضرب البنية التحتية)، فإنها تخدم إسرائيل في اتجاهين: ردع حزب الله عن الفعل الابتدائي نحوها، أو ردّ الفعل على اعتداءاتها، وفي الوقت نفسه إسقاط مشروعية المقاومة وتحويل سلاحها إلى عبء وخطر على لبنان.
تلهّت "إسرائيل" في «حلّها السحري» طويلاً. وتسابق المسؤولون الإسرائيليون نحو تهديد البنية التحتية في مناسبة أو من دون مناسبة. بل تحوّل التهديد إلى لازمة كلامية تسبق وتلحق حديثهم عن لبنان. إلا أن إعلان السيد نصر الله بصورة غير مباشرة امتلاك المقاومة لقدرات غير مسبوقة في تاريخها، وإعلانه «التحدي» ووجود النية في استخدامها، أي عقيدة تدمير تل أبيب مقابل عقيدة الضاحية، أفرغ استراتيجيا "إسرائيل" من مضمونها. بل يمكن القول إن إعلان المقاومة لقدراتها ولنيّة استخدامها، أبقى تل أبيب من دون استراتيجيا فاعلة. لقد جاء كلام السيد نصر الله دقيقاً ومباشراً وعميقاً إلى درجة لم يبقَ لاستراتيجيا "إسرائيل" أيّ مساحة تهديد كي تواجهها، وأبقى بالتالي مسؤولي الدولة العبرية بلا ردّ على تهديد الساحة الشمالية، مع خيارات محدودة لجهة المبادرة إلى اعتداء، أو ردّ فعل على عمل مقاوم تجاهها.
من ناحية ثانية متّصلة، أسقط كلام السيّد نصر اللّه الهدف الثاني من «عقيدة الضاحية». إذ إن جزءاً أساسياً من توجيه التهديد بتدمير البنية التحتية للبنان، مخصص لمواجهة حزب الله انطلاقاً من الساحة الداخلية اللبنانية نفسها، وخاصة أن تل أبيب تدرك أن أطرافاً لبنانية تتقاطع معها في المقاصد، وتتطلع، كما "إسرائيل"، إلى ضرب المقاومة، وتتلقّف بالتالي كل تهديد إسرائيلي لتكرّر هجومها على سلاح المقاومة، والعمل على إظهار حزب الله بأنه عبء على لبنان بعدما كرّس نفسه طوال السنوات الماضية قوةَ دفاع وتحرير في وجه أعدائه. هكذا أراد وزير الحرب إيهود باراك وغيره من المسؤولين الإسرائيليين في الأشهر الاخيرة، أن يُفهموا اللبنانيين، بمساعدة من شركائه في المقاصد، أن بنيتهم التحتية المدنية معرضة للدمار، وأن سلاح حزب الله هو سبب لتدمير لبنان، لا للدفاع عنه.
أفشل خطاب السيد نصر الله هذا المخطط، وأعاد تكريس سلاح المقاومة قوةً فاعلة في لبنان مقابل التهديدات الإسرائيلية. بل أفهم اللبنانيين، من جديد، أن سلاح المقاومة هو قوة حماية حقيقية: فعقيدة الضاحية ستواجَه أيضاً بعقيدة تل أبيب، أي تدمير مقابل تدمير، وبالتالي ردع إسرائيل عن الإضرار بلبنان. فهل ستواصل بعض الأطراف اللبنانية إزعاج المقاومة من الداخل؟ للأسف نعم.
كلام نصر الله لم يكن محاولة لتحقيق الردع، لأنه كان متحققاً قبل الخطاب
في إطار التعليق الإسرائيلي المحدود إلى الآن، رداً على كلام السيد نصر الله، حاولت تل أبيب طمأنة جمهورها إلى أن تهديدات حزب الله لا تشير إلى نيات عدائية ابتدائية لديه، وليست إلا محاولة منه لتحقيق الردع ضد إسرائيل ومنعها من القيام بما يخشاه. وبحسب بعض المعلقين، فإنّ هدف الجانبين هو منع الآخر من الوقوع في حسابات خاطئة تؤدي إلى انفجار لا يريدانه. وكان لافتاً في هذا الإطار تركيز صحيفة هآرتس على موضوع التماثل بين تل أبيب وبيروت لجهة الدمار، وحديثها عن «المدينتين المهدّدتين بالخراب». لكن لتصويب الأمور، فإن كلام السيد نصر الله لم يكن محاولة لتحقيق الردع، لأنه كان متحققاً قبل الخطاب، بل لتعرية إسرائيل من استراتيجيا ضرب البنى التحتية اللبنانية، ومنعها من الاعتداء ابتداءً أو ردّاً على فعل مقاوم، وبين المطلبين فارق كبير جداً.
قبل أيّام، أكمل نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، ما بدأه السيد نصر الله. فأوضح أن هدف المقاومة هو منع "إسرائيل" من مجرد التفكير بأصل الاعتداء على لبنان، لا أن تحسب خطواتها بناءً على التفكير بموازين الربح والخسارة. وإن كان السيد نصر الله قد أشار بصورة غير مباشرة إلى القدرة التي وصلت إليها المقاومة، والتي باتت من خلالها قادرة على تحقيق «تفوق دفاعي» مقابل القدرة الهجومية الإسرائيلية، فقد أشار الشيخ قاسم إلى أن وجهة المقاومة هي تحقيق مزيد من هذه القدرة، تُنهي أصل موضوع الاعتداء الإسرائيلي. وستقف "إسرائيل" أمام هذا الكلام طويلاً. إنها الخطوة اللاحقة التي ستعمل عليها المقاومة، أو قد تعلنها، وعلى "إسرائيل" أن تجد حلاً لها في ظل حدود الخيارات المتاحة أمامها، التي باتت مقلّصة جداً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018