ارشيف من :أخبار لبنانية

مواعيد الانتخابات البلدية تحتضر وتحاصر الحكم والحكومة الحريـري أمـام معادلـة «الإبعـاد والابتعـاد»

مواعيد الانتخابات البلدية تحتضر وتحاصر الحكم والحكومة 
الحريـري أمـام معادلـة «الإبعـاد والابتعـاد»

كتب خضر طالب

بدأ تراكم المعطيات يفرض استنتاجاً مبدئياً مفاده أن الانتخابات البلدية والاختيارية «تحتضر» مواعيدها المفترضة والمتوقعة، بحكم «نزعات» متعددة تنحو نحو تأجيل تلك الانتخابات إلى أجل محدّد مسبقاً، وقد لا يطول أمده.

ربما يكفي تكوين تلك القناعة لرسم أفق المرحلة المقبلة على مستوى الأداء الحكومي الذي ما زال يعيش حال مراوحة مزمنة، وكأن الحكومة عالقة في دوامة «الجدل البيزنطي» من دون أن تتمكن من الخروج نحو ترجمة أي من النقاشات التي جرت، أو تلك التي يمكن الاتفاق على عناوينها بيسر تفادياً للاشتباك السياسي.

قد تكون قاعدة «تعليق» الملفات ناجحة في إدارة التسويات الجارية، لكنها أصبحت تشكّل عبئاً إضافياً على الواقع الحكومي، وخصوصاً على رئيس الحكومة سعد الحريري الذي لم يستطع حتى اليوم اختراق الجمود نحو تسجيل إنجاز رسمي لحكومته الأولى، برغم «المؤازرة» التي يوفرها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي يدرك أنه سيصاب عاجلاً أو آجلاً بسهام الاتهامات بالعجز عن الحكم، بل والفشل في إدارة الأزمة...

عملياً، إذا «طارت» الانتخابات البلدية والاختيارية بالتأجيل الذي يزيد عن شهرين، يكون الحكم والحكومة قد أصيبا بنكسة كبيرة، تضاف إلى عدم القدرة الظاهرة في إجراء التعيينات الإدارية. فرئيس الجمهورية لطالما أكد الإصرار على إجراء هذه الانتخابات في مواعيدها، ورئيس الحكومة سيكون معنياً بتحمّل تداعيات العجز عن إجرائها، وهو ما زال في أول الطريق نحو بناء رصيد لم يراكم فيه، حتى اليوم، سوى الخطاب السياسي الذي «يعزف على وتره منفرداً» ولم يحفّز فريقه للعزف على ذات «الطبقة»، بالإقناع أو بالإكراه، فانعدم التناغم داخل «فرقته» بفعل استمرار القسم الأكبر من «الأوركسترا» بالعزف القديم، وإن على طبقة منخفضة...

ثمة كلام كثير عن طبيعة ما يجري في جوار الرئيس الحريري، وما إذا كان يجري بعلمه وتناغم معه أم أنه يحصل بغير رضاه، خصوصاً بعد أن ظهرت ملامح ثنائية فرضت نفسها في خطابي سعد الحريري وفؤاد السنيورة في 14 شباط.

صحيح أن «الثناء» انهال على الرئيس الحريري من قبل خصومه السابقين، لكنه أُرفق بتشديد على «عدم الاعتراف» بخطاب الرئيس السنيورة وعلى إعلان البراءة منه، برغم ما كان يطرح ذلك الثناء من هواجس حول أسباب تلك «الازدواجية» وسقفها ومشروعيتها داخل المستقبل وعند الرئيس الحريري... بل وأبعد، إلى الغطاء السياسي السعودي الذي يفترض أنه يحمي خطوات الرئيس الحريري ويساعده في العبور إلى حيث كان اتفق مع الجانب السوري وجاءت ترجمته في زيارة الحريري إلى دمشق، تلك الزيارة التي سحبت منه حق «إمساك العصا من الوسط»، وأصبح محكوماً بنتائجها وموجباتها التي تفرض عليه «ضبط» الخطاب السياسي، لفريقه كحدٍّ أدنى، وهو ما لم يحصل حتى اليوم في رأي «الخصوم السابقين».

في بعض المعلومات المتداولة أن رسائل غير مباشرة تبلغها الرئيس الحريري قبل مهرجان ساحة الشهداء من مقربين من دمشق، فيها امتعاض من عدم انضباط بعض المقربين تحت سقف التهدئة. بل وتحدّثت تلك المعلومات عن اتصالات سورية ـ سعودية في هذا الشأن، على الأرجح أنها كانت خلف الزيارة التي قام بها إلى لبنان رئيس جهاز الاستخبارات في المملكة العربية السعودية الأمير مقرن بن عبد العزيز قبيل إحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، ولم تخضع طبيعتها للتفسير المقنع، مما أوحى باحتمال ارتباطها بضبط الخطاب السياسي لمهرجان 14 شباط. لكن حيثياتها قدّمت مؤشرات تحتاج قراءتها إلى مزيد من الوقت، خصوصاً ما ارتبط منها باللقاء، الوحيد المعلن خارج الإطار الرسمي، للأمير مقرن مع الرئيس نجيب ميقاتي الذي استقبل بعد أيام قليلة وزير الثقافة في المملكة عبد العزيز خوجة.

وبغض النظر عن ما يمكن أن يحمل ذلك من استنتاجات حول المعادلة التي تتعامل معها المملكة على صعيد الوضع السنّي في لبنان، فإن عدم «انضباط» خطباء 14 شباط تحت سقف خطاب الرئيس الحريري فتح شهية التفسير في أوساط قوى 14 آذار كما في أوساط الخصوم السابقين.

وهنا تبدو المفارقة واضحة في مقاربة قوى 14 آذار لاختلاف الخطاب السياسي بين الحريري وحلفائه، حيث يوضع هذا الاختلاف في سياق «اضطرار» الحريري كرئيس حكومة، في حين أن الآخرين قالوا ما لا يستطيع هو قوله بحكم موقعه.

أما في الضفة الأخرى فالمقاربة تأخذ شكل أسئلة تحدد الأجوبة عليها مسار الحكم على طبيعة «التنوّع» في الخطاب السياسي لتيار المستقبل، لكن ذلك لم يلغ تجدّد الرسائل إلى الحريري التي تبلّغها تحت عنوان الإشادة بخطابه، لكنها تضمّنت دعوات أكثر وضوحاً بضرورة «توحيد الخطاب السياسي» لتيار المستقبل ومنع «العناصر غير المنضبطة» من «التغريد خارج السرب»...

أما في الرسائل غير المباشرة إلى الرئيس الحريري، فإن فيها إيحاءات كافية بأن نجاحه كرئيس حكومة مرتبط بشكل مباشر بخطوتين رئيسيتين تتلخصان بمفهوم «الإبعاد» و«الابتعاد»: الأولى بضرورة إعادة النظر بفريق عمله وتشكيل فريق يكون متفاعلاً ومتجانساً معه، والثانية تعزيز تموضعه السياسي بابتعاده عملياً عن القوى التي تتمسّك بخطابها السياسي طالما أنه لم يستطع جرّها معه إلى خطابه، وخصوصاً القوات اللبنانية، بحيث يصبح خارج نطاق التأثّر بخطابها ومواقفها وحساباتها.

«يجنح» بعض خبراء فك الرسائل المشفّرة إلى الاعتقاد بأن إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية وإنجاز التعيينات الإدارية، ومجمل العمل الحكومي، مرتبط على الأغلب بما سيقدم عليه رئيس الحكومة من خطوات خلال الأيام المقبلة في الاتجاهين المحددين.

بأي أذن سيسمع الرئيس الحريري وأي الرهانين هو الأقرب إليه؟
ربما يكون الجواب هو الذي يطلق عجلة العمل الحكومي.. أو يكرّس الثنائية...


2010-02-23