ارشيف من :أخبار لبنانية
إسقاط حق الشباب بالاقتراع يوجه ضربة للسلطتين التشريعية والتنفيذية
كتب نبيل هيثم
ولّدت مجريات الجلسة التشريعية التي أسقطت حق شباب سن الـ18 بالاقتراع، وقائع سياسية قد تترك بصماتها على المشهد السياسي العام. وتجلت في اجتماع ميشال عون وسمير جعجع وسعد الحريري و«نصف» اللقاء الديموقراطي ومسيحيي 14 آذار الآخرين, تحت سقف اعتراضي واحد على تخفيض سن الاقتراع وإشراك الشباب في رسم الخارطة السياسية في لبنان.
تجلت أيضا في خروج نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وتمام سلام ونائب الجماعة الإسلامية عماد الحوت ونقولا فتوش من سرب أكثرية «لبنان أولا».
الواضح أن شيئا من خلط الأوراق قد حصل, ولذلك أسباب موضوعية تحكمت بمواقف القوى السياسية, وبحركة التصويت على «سن الاقتراع» في مجلس النواب سواء بالاقتراع مع المشروع أو ضده أو بتجنب كأس التصويت المر بالغياب, كما فعل «تيار المردة», لكي «لا يـُحرَج هو أو يـَحرج أحدا غيره ولكي لا يزعل حلفاؤه المسيحيون والمسلمون, فآثر نوابه المغادرة. فما هي تلك الأسباب؟
أبرز التصويت النيابي تأييد قوى أساسية لسن الـ18. وفي مقدمها الرئيس نبيه بري, الذي بدا منسجما مع ما طرحه من عناوين إصلاحية بعد تشكيل الحكومة الحريرية, وفي صدارتها دعوته الى تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، علما أن وقائع الجلسة ونتائجها تطرح أسئلة حول ما إذا كان الفرز السياسي والطائفي والمذهبي الذي أحاط التصويت على سن الـ18, يسهل أم يصعب تشكيل الهيئة واختراق معادلة «النصوص والنفوس» التي تقابلها؟
وفي المنحى ذاته, يأتي تصويت كتلة الوفاء للمقاومة التي كانت أول المبادرين الى إعداد مشروع التعديل الدستوري، انطلاقا من مبدأ ان «حزب الله» لا يستطيع إلا أن يكون مع هذا العنوان, لاعتبارات عدة، أخذا في الاعتبار أن عنصر الشباب من تلك الفئة العمرية بين 18 الى 21 سنة يشكل العمود الفقري المركزي, سواء على مستوى البيئة التنظيمية للحزب, بما تبرزه من ثقل شبابي عميق في المقاومة و«مغذياتها» الطالبية والكشفية.
تضاف الى ذلك, اعتبارات سياسية عامة متصلة بـ«الوجه الآخر» للحزب, الذي تم تظهيره بوضوح في الوثيقة السياسية الثانية, في ما يتصل بالطموحات الإصلاحية والتغييرية, ومن ضمنها تخفيض سن الاقتراع ببعده الشبابي دون ايّة أبعاد أخرى سياسية او عددية لا يعتد بها في ظل اتفاق الطائف.
وأما بالنسبة الى وليد جنبلاط, فإن الواضح من الطريقة التي اعتمدها في تصويت الحزبيين في «اللقاء الديموقراطي» انه انسجم مع المسار السياسي الذي انتهجه منذ انقلاب «2 آب» على «14 آذار», فوقف في نقطة وسطية، وحافظ على تمايز بين خط الـ«ضد» وخط الـ«مع», مبرزا خصوصية حزبه التقدمي المؤيدة للحق الشبابي من جهة وتنوّع تكتله النيابي من جهة ثانية.
على ان ملاحظة معبرة, يمكن استخلاصها من أداء الشخصيات السنية التي غردت خارج سرب «14 آذار» و«لبنان أولا», وخالفت توجـّه تيار المستقبل, الذي انضوت تحت عنوانه على مدى السنوات الخمس الأخيرة بحيث اتخذت من التصويت فرصة لتمرير رسائل سياسية.
فالنائب تمام سلام, وكما هو معلوم يمثل مدينة بيروت, ويمثل ذاكرة تاريخية تقليدية, بدا تصويته مع سن 18 اقرب الى محاولة إظهار خصوصيته وإعادة رسم هويته السياسية والبيروتية تحديدا, وبالتالي التحرر من العنوان العريض «الطاغي» الذي انضوى تحته. ولهذا كان خروجه من «التقليد» الى الحيوية نقطة تسجل له.
ويكمل تصويت النائب عماد الحوت, السياق التمايزي الذي سلكته الجماعة الإسلامية عن 14 آذار وتيار المستقبل منذ ما بعد الانتخابات وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. فضلا عن التصويت ان المدرج في جانب آخر في كون الجماعة تعتبر نفسها معنية بعنصر الشباب, ولا تعتبر نفسها معنية بمراعاة أطراف سياسية إسلامية تراعي أطرافا سياسية مسيحية أخرى.
ويعكس تأييد الوزير محمد الصفدي تخفيض سن الاقتراع, توقه الى التقاط فرصة تمايز وخصوصا ان ثمة من يتحدث عن مرارة سياسية شعر بها الرجل في أوقات متعددة, وقد يكون وجد في هذه المحطة فرصة لتأكيد خصوصيته السنية, والطرابلسية, لاستثمارها في محطات سياسية لاحقة لها علاقة بنادي المرشحين لرئاسة الحكومة.
أما الرئيس نجيب ميقاتي, فقد بدا تصويته من جهة اقرب الى «مبادرة تذكيرية» تؤكد تمايزه واستقلالية قراره ومن جهة ثانية لكسر «السم» الذي كان يمكن أن يتجرعه الانزلاق غير المحسوب نحو جعل مطلب 18 سنة «مطلباً شيعياً بحتاً»، بينهما هو مطلب وطني إصلاحي لا يخصّ جهة بعينها.
يبقى في هذا الجانب نقولا فتوش, الذي يأتي تصويته استمرارا لعملية تصفية الحساب التي بدأها للاقتصاص ممن طعنوه في الظهر, وترجمها في خطوة أولى بحجب الثقة عن حكومة سعد الحريري. لكن أهمية موقفه المؤيد تخفيض سن الاقتراع تبرز في تميّزه مسيحيا بعيدا عن الاصطفافات الممتدة من بكركي وحتى آخر صرح ديني أو سياسي.
وأما في الجانب الآخر الذي التقى فيه الأضداد على إعدام الحق الشبابي بالانتخاب, يبرز الاعتراض العوني على المشروع وبمنطق تبريري ضعيف, لم يقنع حلفاءه والآخرين. إلا أن الأسباب قد تبدو ماثلة خلف الوقائع السياسية التي حكمت التأييد العوني في التصويت الأول وصولا الى سحب التأييد. وتتمحور كلها حول الساحة المسيحية وموقع الجنرال عون وتياره السياسي فيها.
ويقال ان الاعتبار الأساسي الذي حكم موقفه, هو الحفاظ على «التراكم الايجابي» الذي استعاده بعد حكومة الوحدة الوطنية, ولا يريد التفريط فيه على أبواب انتخابات بلدية قادمة, إذ يخشى من تأييده المشروع ان يرتد موقفه على الجمهور المسيحي. إضافة الى انه سعى من خلال اعتراضه الى إقفال الأبواب أمام خصومه من بكركي الى معراب للحؤول دون لجوئهم الى المزايدة عليه او ان يستثمروا على موقفه في الساحة المسيحية.
ولم يخف سمير جعجع يوما انه مع المبدأ الإصلاحي بمنح الشباب حق الاقتراع. الا ان تصويته الاعتراضي نبع من رفض مبدئي أولا, ومن خلفه هاجسه العوني الدائم بالإضافة الى هاجس آني يهدف الى الحفاظ على مساحته التي أوجدها لدى الجمهور المسيحي. لكن المفارقة الواضحة في موقف القوات, هي انها تقدم نفسها على مستوى الجامعات وعلى مستوى إعادة التنظيم انها استعادت قوتها وحيويتها من خلال عنصر الشباب والجيل الجديد, فكيف يستوي هذا وذاك على نفس السطح.
وفيما يشكل موقف مسيحيي 14 آذار, صدى للموقف العام في 14 آذار, يبقى ان تيار المستقبل, ساير الحلفاء المسيحيين، لكنه خالف عنوانه كتيار تطويري غايته إصلاح النظام السياسي والعبور الى الدولة, وبالتالي شارك في توجيه ضربة سياسية الى رئيس حكومته سعد الحريري وهو ما يزال يحبو خطواته الأولى على طريق الانجاز والإصلاح.
السفير
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018