ارشيف من :أخبار لبنانية

الخلافات بين مصرف لبنان ووزارة المال: من يحمل الخسائر؟

الخلافات بين مصرف لبنان ووزارة المال: من يحمل الخسائر؟

كتب محمد زبيب

المعلومات التي كشفتها «الأخبار» في عددها الثلاثاء الماضي عن تراكم فائض في حساب الخزينة يبلغ نحو 6500 مليار ليرة (أو ما يعادل 4.3 مليارات دولار)، أثارت صدمة فعلية، ولا سيما أن المشاورات التي يجريها فريق رئيس الحكومة سعد الحريري لإقناع الكتل النيابية الأساسية بالقبول بزيادات ضريبية واسعة لم تتطرّق إلى هذا الأمر إطلاقاً، لأن ذلك كان سيزيد من صعوبة التوافق، وسيمنح المعترضين والمتحفّظين على زيادة ضرائب الاستهلاك حججاً أقوى لإجهاض هذه الإجراءات ومنع إمرارها... فحجم الفائض المذكور كبير جدّاً بكل المقاييس، وهو يمثّل نحو 38% من مجمل الإنفاق المحقّق في العام الماضي، ونحو 145.6% من قيمة العجز في العام نفسه التي بلغت نحو 4462 مليار ليرة، وهو بالتالي يغطّي كامل العجز المتوقّع في مشروع موازنة هذا العام، بما في ذلك الإنفاق الإضافي المتوقّع أن يبلغ 2000 مليار ليرة، وذلك من دون اتخاذ أي إجراء ضريبي استثنائي!

هكذا يقول المنطق، لمن يريد أن يلجأ إليه في ظل «الحلقة الجنونية» المستمرة لجذب المزيد من الودائع بما يفيض عن حاجات البلاد وقدرتها الاستيعابية والاضطرار إلى امتصاصها بأدوات مكلفة جدّاً على الاقتصاد والمجتمع... فالدين الفائض عن الحاجات التمويلية الفعلية بات قائماً، ويتم تسديد الفوائد عليه، سواء تم استثمار هذا الدين وإنفاقه أو لم يتم ذلك. وتكفي الإشارة إلى أن خدمة الدين العام المعلنة رسمياً ارتفعت في العام الماضي وحده من نحو 5304 مليارات ليرة إلى نحو 6087 مليار ليرة، أي بزيادة 783 مليار ليرة، وهذا على الرغم من انخفاض أسعار الفائدة على إصدارات سندات الخزينة الجديدة. ويُتوقع أن ترتفع خدمة هذا الدين بما لا يقل عن 900 مليار ليرة في هذا العام تعبيراً عن الكلفة غير المبررة لامتصاص فائض السيولة عبر وزارة المال. وهذه الكلفة لا تشمل الأداة الأخرى للامتصاص عبر شهادات الإيداع التي يصدرها مصرف لبنان من جهته، والتي بلغت ضعفي ما أصدرته وزارة المال بواسطة سندات الخزينة، وبكلفة أكبر ستنعكس مزيداً من الخسائر المتراكمة في ميزانية المصرف المركزي.


من يحمل الخسارة؟

الصدمة التي أثارها نشر هذه المعلومات ـــــ الفضيحة، اضطرّت وزيرة المال ريا الحسن إلى التعجيل باتخاذ قرار كان مؤجّلاً بانتظار التوافق على مشروع الموازنة والوصول إلى تسوية مع حاكم مصرف لبنان في شأن البدائل لامتصاص السيولة وآليات مساهمة المصارف في دعم الموازنة... فسارعت، بعد التشاور مع رئيس الحكومة سعد الحريري، إلى إبلاغ مصرف لبنان في اليوم نفسه لنشر المعلومات (أي الثلاثاء) بالتوقّف عن إصدار سندات الخزينة حتى إشعار آخر، لأسباب، قال سلامة أمس، إنها تعود إلى الفائض المتوافر في حساب الخزينة، ولاعتبارات ترتبط بمشروع الموازنة...
 
أي إن سلامة قصد أن يوضح أن هذا القرار لا يرتبط فعلياً بمبدأ امتصاص السيولة الفائضة الذي سيستمر بالأدوات الأخرى، وأهمها شهادات الإيداع التي يصدرها مصرف لبنان، وإنما يرتبط بالشكل، أي برغبة فريق سعد الحريري في المحافظة على نسبة عجز وهمية تبدو للآخرين كأنها نتيجة عملية ضبط وتشدد ماليين، وبالتالي تصبح زيادة الضرائب مبررة، بهذا المعنى، ووفقاً للشعار، الذي كان يردده رئيس مجلس الوزراء السابق فؤاد السنيورة منذ أن كان وزيراً للمال في حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري، عن أن «لا إنفاق إضافياً من دون إيراد إضافي».
 
وهذا هو الشعار الذي ساهم في تفاقم أزمات الكهرباء والمياه والنقل وارتفاع أسعار الاتصالات ورسوم البنزين... وهي أزمات تفاقمت مع السنوات في ظل «معزوفة» زيادة الفائض الأولي في الموازنة، وهو الفائض الذي يجري احتسابه على أساس النفقات من دون خدمة الدين العام والإيرادات الضريبية وغير الضريبية، علماً بأن الإصرار على زيادة حجم هذا الفائض «الوهمي» يعبّر عن إصرار يثير القلق على تحميل المقيمين أعباء ضريبية تتجاوز كثيراً ما يحصلون عليه عبر الإنفاق العام، بما في ذلك مسارب الهدر والفساد والتوزيع السياسي والمحاصصة الضيّقة بين المهيمنين على كتل الطوائف والمذاهب.

المسألة تنحصر في الشكل إذاً، لأن إعلان سلامة عن مواصلة امتصاص السيولة من المصارف عبر شهادات الإيداع بعد إعلان وزارة المال التوقّف عن إصدار سندات الخزينة، يعني بوضوح أن جزءاً من الخسائر التي كانت تحملها وزارة المال في الموازنة العامّة، سينتقل إلى ميزانية مصرف لبنان، فيما التوزيع السابق لعمليات الامتصاص كان يوزّع مجمل الخسائر بين الطرفين، وهو أمر لا يعدو كونه مسألة حسابية مجرّدة، باعتبار أن الدولة اللبنانية هي التي تحمل هذه الخسائر في الحالتين، وبالتالي يحملها الاقتصاد والمجتمع عبر الضرائب والرسوم المفروضة لخدمة الدين العام وتسديد الفوائد وعبر رفع أسعار الفوائد والأكلاف عامّة.

وعلى الرغم من الجانب الشكلي لهذه المسألة، فإنّها مهمّة بالنسبة إلى الرقيب الدولي، ولا سيما صندوق النقد الدولي، الذي طالما حذّر في تقريره عن لبنان من الإفراط في تسجيل الخسائر في ميزانية مصرف لبنان وتمويله الخزينة العامّة، كما حذّر من استمرار الفوضى المالية في الموازنة.

موقف سلامة

لقد انتهز سلامة رعايته أمس لمنتدى الاتحاد العام للغرف العربية عن «الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام في قطاع المال والأعمال»، ليشرح موقفه بكل وضوح.

فقد أعلن أن التحكم بالتضخم والحدّ من المضاربة، على الرغم من السيولة المرتفعة، سيبقيان الهدف الأساسي لمصرف لبنان. ومن أجل تحقيق ذلك، سيتابع عن كثب تطوّر السيولة المتوافرة في الأسواق وتأثيرها على تطور أسعار الأصول والخدمات، واضعاً هدفاً بأن لا يتجاوز معدّل التضخّم 4% في عام 2010.

تحديد هذا الهدف اقترن بالإشارة إلى أن السيولة المحررة للتسليف لدى المصارف تبلغ حالياً نحو 15 مليار دولار أميركي، أي إن هذه السيولة لا تزال موجودة لدى المصارف وتحتاج إلى تعقيم وامتصاص لكي لا تتحوّل إلى عامل ضغط على المصارف ومعدّلات ربحيّتها، ولكي لا تنعكس سلباً على الأسواق وأسعار الفوائد.

وقال سلامة، بعد إعلانه قرار وزارة المال بالتوقّف عن إصدار سندات الخزينة، إن مصرف لبنان سيواصل سحب فائض السيولة من خلال إصدار شهادات الإيداع، وذلك منعاً لارتفاع أسعار الأصول والخدمات ومنعاً للمضاربة وحماية لميزان المدفوعات ... إلا أنه غمز من قناة وزارة المال وما تمثّله، بإشارات واضحة إلى خطأ هذا القرار برأيه. فالسيولة المرتفعة التي تدفقت إلى لبنان منذ أيلول 2008، وتحوّل معظمها إلى الليرة اللبنانية سمح، بحسب قوله، بخفض أسعار الفوائد على سندات الخزينة بـ3%، أكانت هذه السندات بالليرة أم بالدولار، وهذا ما يقلّص كلفة الدين العام مبدئياً بنحو 1,5 مليار دولار أميركي، معتبراً أن هذا التقليص سيتحقق مع تجديد الدين تدريجاً وبعد أن تكون قد خرجت السندات السابقة بالفوائد الأعلى من المحفظات، أي إن الموازنة العامّة كانت مستفيدة من عمليات امتصاص السيولة، بحسب ما قال، لينصح بلهجة صارمة «علينا أن لا نعطّل هذا التصحيح الكبير».

موقف فريق الحريري

الا أن مستشار الرئيس سعد الحريري، وزير المال السابق، محمد شطح، يعتقد أن قرار وزارة المال بالتوقّف عن إصدار سندات الخزينة له ما يبرره، مشيراً إلى أن إدارة السيولة هي مهمة ثانوية قياساً على المهمة الرئيسية التي تتطلب الإجابة عن أسئلة أخرى، فالمهم أن نعلم إلى أي مدى يجب تعقيم هذه السيولة؟ أو إلى أي درجة يجب امتصاص السيولة من القطاع المصرفي؟ وأي مستوى من أسعار الفائدة مطلوب في إطار هذه العملية بما ينسجم مع متطلبات الأسواق؟

ويلفت شطح إلى أن كلفة تعقيم هذه السيولة ستترتب على الخزينة اللبنانية في كل الأحوال، إما مباشرة عبر امتصاصها من خلال إصدار سندات خزينة إضافية، وإما بشكل مقنّع عبر إصدار شهادات إيداع وزيادة ودائع المصارف لدى مصرف لبنان. وأوضح أن وزارة المال اضطرّت في الفترة السابقة إلى إصدار سندات خزينة تفيض عن حاجاتها التمويلية بهدف امتصاص السيولة الفائضة من السوق، لأن مصرف لبنان كان قد أوقف لفترة طويلة نسبياً إصدار شهادات إيداع، وبالتالي كان هناك ضرورة للقيام بذلك.

إلا أن العملية أدّت إلى تسجيل فائض كبير في حساب الخزينة، وهذا يعني أن وزارة المال قامت بوظيفتها وبدورها في تأمين حاجات الدولة التمويلية، وبات لديها مبالغ إضافية احتياطية تزيد على المعدلات الموضوعة سابقاً، والتي توازي 1.5 مليار دولار شهرياً على أساس أن حاجات لبنان التمويلية تصل إلى 13 مليار دولار سنوياً.

وقال شطح إن قرار وزارة المال بوقف إصدار سندات خزينة، يعني أن على مصرف لبنان أن يبادر إلى ممارسة مسؤولياته التقليدية في إدارة السياسة النقدية، أي تحديد درجات التعقيم والتوقعات المتصلة بذلك وبرامج الإصدارات وحجم الكتلة النقدية في الأسواق... وفي هذا الإطار تأتي مهمة التعقيم من ضمن تنفيذ السياسة النقدية لتجنب أي انهيارات في القطاع المصرفي، «وهو ما اعتاد مصرف لبنان على فعله».

ويرى شطح أن النتائج المحتملة لتعقيم السيولة من قبل مصرف لبنان عبر إصدار شهادات الإيداع قد تؤدّي إلى خفض أسعار الفائدة على الودائع، فالمصارف مضطرّة لأن تستقطب الودائع بمستويات فائدة منخفضة لتحافظ على ربحيّتها والاستفادة من هامش نسبي بين سعر الفائدة على الوديعة والعائد على التوظيف في شهادة الإيداع، ما سيخلق تزاحماً بين المصارف تتراجع من خلاله الفوائد المدينة.

الاخبار


2010-02-26