ارشيف من :أخبار لبنانية
الصورة الدمشقية
واصف عواضة - صحيفة السفير
بقدر ما كانت الصورة الدمشقية الثلاثية التي جمعت الرئيسين بشار الأسد ومحمود أحمدي نجاد والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، تحمل الكثير من الدلالات والمعاني والرسائل الكبرى، بقدر ما كانت هذه الصورة مستفزة للكثير من القوى الدولية والإقليمية والمحلية اللبنانية التي قرأت مضمونها جيداً وفهمت ما كانت تتحاشى فهمه.
طبعا ليس الجديد في هذه الصورة لقاء الأسد ونجاد، ولا في لقاء نصر الله بكل من الزعيمين السوري والإيراني، وفي دمشق بالذات. فاللقاءات الثنائية بين القادة الثلاثة كانت قائمة ودورية، منها المعلن ومنها المضمر. الجديد فيها هو حسن نصر الله قائد المقاومة اللبنانية، جنباً إلى جنب مع الرئيسين، في ما يشبه «قمة ثلاثية»، في مرحلة فيها ما فيها من التحديات والتهديدات والنصائح الدولية الملغومة.
قالت الصورة «على رؤوس الأشهاد» إن المقاومة في لبنان هي أمر واقع «وليشرب المعترضون من البحر»، وهي تكريس لحالة شرعية في المنطقة «شاء من شاء وأبى من أبى»، وهي تحولت من ظاهرة «العصابة المسلحة» التي تتلقى الدعم والمساندة من تحت الطاولة، إلى مؤسسة تحجز لها الكراسي ويجري التعامل معها ومع قائدها بمنطق العلاقات بين الدول من دون وصاية أو مواربة. لقد حظيت منظمة التحرير الفلسطينية من قبل بمثل هذه المعاملة، وأدخلت الى الجامعة العربية قبل أن تصبح عضواً كاملاً باسم دولة فلسطين. وليس غريباً أن تصبح المقاومات العربية يوما ما، بنداً رئيسياً للنقاش على جدول أعمال القمم العربية، وأن تنتسب الى الجامعة العربية باعتبارها الممثل الشرعي لخيارات الأمة، ما دامت الأنظمة مجتمعة، عاجزة عن المواجهة ومتمسكة بضروراتها المختلفة. قد يكون في هذا الكلام بعض الطرافة أو المغالاة، لكن هذه المقاومات، سواء في لبنان او فلسطين او العراق، أثبتت أن العجز ليس قدراً مطبوعاً على جبين هذه الأمة، ويفترض التعاطي معها من الآن وصاعداً على هذا الأساس.
لقد راهنت الولايات المتحدة الأميركية، مع حلفائها، غربا وشرقا، على فك التحالف السوري الإيراني، فجاء الجواب من دمشق بإلغاء الحواجز بين البلدين عبر إلغاء التأشيرات، وهي خطوة لم يكن ما قبلها مشكلة لمواطني الدولتين، لكنها تحمل الكثير من المعاني للرد على رسالة النصح التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركية قبل ساعات من وصول أحمدي نجاد الى العاصمة السورية. أكثر من ذلك جاءت الصورة الدمشقية الثلاثية تعبيراً عن تحد يشير الى ان العودة الى الوراء لم تعد ممكنة، وان على واشنطن ان تعيد حساباتها في هذا المجال، في الوقت الذي يستعد فيه سفيرها الجديد للعودة الى دمشق بعد خمس سنوات من القطيعة.
في أي حال، ان الصورة الدمشقية هي بداية تحول كبير في المنطقة له ما بعده، وهي في كل الأحوال «إعلان حرب» ليس بالضرورة ان تكون عسكرية بالحديد والنار والبارود. هي حرب من نوع آخر تستخدم سلاح الموقف الذي طال انتظاره منذ جنح العرب الى السلم الموهوم قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، أملاً في إيجاد حل للقضية الرئيسية فلسطين، فلا تحقق السلم ولا استعاد الفلسطينيون وطنهم، ولا حتى الجزء اليسير منه الذي مسخته التسويات «دولة فلسطينية» لم ينجز منها سوى الاسم.
لا يستطيع أحد بالطبع ان يحدد سلفا آفاق المرحلة المقبلة. لكن المنطقة مقبلة بلا شك على مخاض صعب، حيث باتت الحسابات دقيقة جدا، وأصبح الخطأ مكلفاً جداً. ولا ينتظرن أحد ان تستسلم الولايات المتحدة واسرائيل وبعض الأنظمة العربية لهذه الصورة الجديدة. وليس من باب التنجيم توقع اشتداد الحرب الباردة في ظل الحسابات المكلفة للحرب الساخنة. وما جرى في دبي أخيراً هو عيّنة من هذه الحرب التي لن تقتصر بالضرورة على طرف يضرب، وطرف آخر يتلقى الضربات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018