ارشيف من :أخبار لبنانية

الحوار العائد إلى بعبدا: لبنان واحد، صامد ومقاوم

الحوار العائد إلى بعبدا: لبنان واحد، صامد ومقاوم

كتب ادمون صعب - السفير

«(...) إن جميع البلاد هي كلبنان من حيث تفهمها للوحدة العربية، هذه هي الحقيقة، إلا أنني أفضل اتفاق المسيحيين والمسلمين على إمبراطوريات عظيمة ليست مستقلة».
رياض الصلح
(في «المكشوف» ـ 31 آب 1944)

العاصفة التي أثارها إعلان الرئيس ميشال سليمان عن «الطبعة الجديدة» لهيئة الحوار الوطني، قد لا تهدأ بسهولة. ذلك أن ثمة من استكثر على الرئيس أن يكون له مجلس استشاري على غرار مجلسي النواب والوزراء للنظر في القضايا الوطنية التي يعجز عن حلها هذان المجلسان المسربلان بالانقسامات السياسية والاصطفافات الطائفية والمذهبية.

ذلك أن الدور الذي أناطه اتفاق الطائف برئيس الجمهورية، بعد نقل الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها إلى مجلس الوزراء، بقي من دون آلية تحدد ماهية أن يكون الرجل «رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن»، وما يتعيّن عليه قانوناً ودستورياً أن يتصرف في حال تعرضت وحدة الوطن للخطر. وأين هي حدود صلاحياته في هذا الشأن، بإزاء مجلس النواب ومجلس الوزراء الذي يترأس جلساته حين يحضر من دون أن يكون له حق التصويت.

كذلك لم يلحظ الدستور الطريقة التي يفترض في الرئيس اعتمادها من أجل السهر على «احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه». وكلها عبارات تلقي على عاتق رئيس الجمهورية تبعات كبيرة وتجعله مسؤولاً عن أمور هي غاية في الأهمية تتعلق بسلامة الوطن وبديمومته، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بوجوده وبديمومته، إضافة إلى سلامة شعبه وأمنه واستقراره.

ويرى اختصاصيون في القانون الدستوري أن كل واحدة من الفقرات المتصلة بصلاحيات رئيس الجمهورية تحتاج إلى تفسير وآلية للتنفيذ من ضمن المؤسسات، وإلا اختل التوازن بين السلطات، واضطر الرئيس للجوء إلى أساليب مخالفة للقانون والدستور تضعف موقع الرئيس الذي يجب أن يكون رقيباً على كل السلطات وموجهاً لها.

وأياً تكن الاعتبارات التي جعلت الرئيس يستعجل إنجاز قائمة الشخصيات التي ستُدعى إلى جلسات الحوار المستأنفة، فإن ثمة اعتباراً واحداً لا بد أن يكون قد تقدمها هو الخطر الداهم الذي شكلته التهديدات الإسرائيلية للبنان والأصوات التي انطلقت من بعض الأوساط وخصوصاً المسيحية منها، حيال طرق جبه أي اعتداء قد يتعرض له لبنان، والإيحاءات التي أشاعتها هذه الأصوات في الأجواء السياسية بعد رد الأمين العام لـ«حزب الله» على التهديدات الإسرائيلية في ما يشبه توازن الرعب: مدينة مقابل مدينة، ومطار مقابل مطار، ومصنع مقابل مصنع إلخ... ثم قمة دمشق الثلاثية التي ضمت الرئيس السوري بشار الأسد، والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، والأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، والتي جاءت رداً حاسماً على الغطرسة الإسرائيلية، وأفهمت قادة العدو أن لبنان ليس متروكاً، ولن يكون وحيداً في حال تعرضه لأي اعتداء إسرائيلي.

وإذ نظر سليمان إلى قمة دمشق التي لم يحضرها لبنان رسمياً، أدرك بحدسه كما بعقله الاستراتيجي أن لبنان مطلوب منه إظهار قوته الذاتية في مواجهة إسرائيل عبر وحدته الوطنية، والتفاف شعبه حول جيشه أولاً، ثم احتضان مقاومته التي تعتبر الرادع الأقوى للغطرسة الإسرائيلية، لا بل القوة التي لا تُرد في حال تعرضت الأرض اللبنانية لأي اعتداء إسرائيلي.

ولأن مثل هذا الموقف يحتاج تشكيله إلى دوزنة خاصة لا علاقة لها بنتائج الانتخابات، مختلفة عن الدوزنة التي تألفت بها هيئة الحوار يوم دعا إليها الرئيس نبيه بري في 2 آذار 2006، ومختلفة أيضاً عن الطاولة الثانية التي دعا إليها الرئيس سليمان بعدما نقلها من المجلس النيابي إلى القصر الجمهوري.

ومن الطبيعي أن تثير الدوزنة الجديدة لطاولة الحوار ردود فعل في بعض الأوساط، نظراً إلى حرص كل فريق على تغليب وجهة نظره في ما يتعلق بموضوع السلاح، فيما ينصب اهتمام رئيس الجمهورية على تقديم صورة إلى العالم، وإلى العدو الإسرائيلي بالدرجة الأولى، يظهر فيها لبنان بكل مكوناته السياسية، والإثنية، والطائفية، والمذهبية، والعلمانية داعماً للجيش ومحتضناً للمقاومة، صفاً واحداً متراصاً.

ولئن شبّه بعضهم هيئة الحوار الجديدة بالمجلس القبلي، فقد حذر بعضهم الآخر أعضاء المجلس من الوقوع في السفسطة، داعياً الرئيس سليمان إلى أن يتصرف على طريق رئيس القبيلة.

وكان السفير الكويتي في بيروت مطلع أحداث 1975 عبد الحميد البعيجان يقول إن اللبنانيين يحتاجون إلى روحية القبيلة حيث يجتمع أفرادها في خيمة رئيس القبيلة، فيعرض كل واحد وجهة نظره، ثم يتخذ شيخ القبيلة القرار النهائي، فيطيعه الجميع.

وكان البعيجان يضيف: إن اللبنانيين مرضى بداء السفسطة الذي يؤدي بهم إلى جدل بيزنطي لا طائل تحته، مذكراً بحصار السلطان محمد الثاني عام 1453 للقسطنطينية وتهديدها بالسقوط، فيما كان أهلها يتناقشون في «جدل بيزنطي» حول كم شيطاناً يستطيع واحدهم أن يوقف على رأس دبوس، اقتحم جنود السلطان المدينة في 29 أيار من تلك السنة وكان ما كان...

وبحسب البعيجان فإن اللبنانيين يحتاجون إلى من يُصغي إلى الرأي ونقيضه، ثم يقدم التوليفة.

وهذا هو المطلوب من الرئيس سليمان، إذا كان للحوار أن يحقق المرتجى منه.

2010-03-04