ارشيف من :أخبار لبنانية

عقيدة الجيش بين ضرورات الثبات ومخاطر التغيير

عقيدة الجيش بين ضرورات الثبات ومخاطر التغيير

امين محمد حطيط

مع الزلزال السياسي والامني الذي ضرب لبنان في العام 2005، كان تغيير العقيدة العسكرية للجيش اللبناني هدفاً استراتيجياً لاصحاب المشروع الانقلابي، حيث جهدت راعية المشروع ـ اميركا ـ بالضغط وتهيئة الظروف التي تتيح التغيير، لكن الجيش بقيادته السابقة والحاضرة صمد ثابتاً على عقيدته التي اعتمدها منذ ما بعد اتفاق الطائف وكان ارساها على ثوابت حددت فيها هويته بانه جيش للوطن وليس لطائفة او فئة او حزب، وحدد فيها وضوحاً العدو بانه اسرائيل، وان الصديق هو كل من يمد لبنان بسبب من اسباب الدعم والقوة، وترجمة لهذه العقيدة حددت مهة للجيش الاساسية: بالدفاع عن الدولة ضد اسرائيل وحمايتها ارضاً وشعباً ونظاماً اي (السلطة القائمة وفقاً للدستور) ومهمة ثانوية تجسدت في مؤازرة قوى الامن الامن الداخلي في مهام حفظ الامن ودعمها حيث يكون العبء فوق طاقة تلك القوات.

وفي الميدان كانت السلوكيــات التطبـيقية متآلفة مع الواقع والقدرات وحجم الاخطار، حيث وجد الجيش نفسه بحاجة للكثير من الامكانات ليتصدى لاخطار اسرائيل واحتلالها لارض في الجنوب، وبواقعية تامة وجد قائد الجيش يومها العماد اميل لحود ان «المكابرة والقول بقدرة الجيش وحده على تنفيذ المهمة وتالياً عدم السماح لاي كان بحمل السلاح على الارض اللبنانية الا للجيش اللبناني»، يعني بكل بساطة ترك العدو آمنا في مناطق الاحتلال لزمن لا يعرف مداه، لان الظروف كلها تقطع بان لبنان ليس بمقدوره ان يجهز جيشاً قادراً على منازلة اسرائيل وتحرير الارض، لذلك كان موقف قائد الجيش يومها وبكل واقعية تكريسا للثنائية العسكرية المنسقة: جيش يعمل حيث تمكنه قدراته من العمل، ومقاومة شعبية مسلحة تعمل بوسائل غير تقليدية لازعاج المحتل وارهاقه وحمله على الرحيل. فتعانقت مهمات الجيش والمقاومة لتتكامل في صنع امن داخلي ينفرد الجيش حصراً بالمسؤولية عنه، وعمل ضد العدو الاسرائيلي يقوم كل من الطرفين بما يستطيع حياله. تكامل انتج بعد اعوام عشرة تحريرا للجنوب في معظم ارضه، وامناً للوطن صنف لبنان من اوائل البلدان امنا في العالم.
ان قيام الجيش الوطني على العقيدة المتقدمة الذكر، مكن الجيش من تنفيذ المهام الوطنية في حدود طاقاته وامكاناته، فضلا عن مسألة بالغة الخطورة، تتمثل في تمكين الجيش من المحافظة على وحدته في اخطر ظرف من الانقسام الداخلي. والكل يذكر ان الجيش قبل هذه الهوية الوطنية والعقيدة الواضحة، كان سريع العطب والاهتزاز، اذ انه انقسم على نفسه طائفيا ومناطقيا ثلاث مرات في اقل 12 سنة.

ورغم ما ذكر من ايجابيات تأتي محاولات تغيير عقيدة الجيش باملاء اميركي، والتزام وتعهد من قبل بعض القوى الداخلية في لبنان، ويطرح السؤال: لماذا التغيير؟ وكيف؟ وهل ان الامر ممكن؟

التغيير الذي تريده اميركا ينـصب على امرين: العدو وتبعاً له الحليف والصديق، والثاني المهمة. فاميركا التي لا ترى في اسرائيل عدوا للبنان، تريد من الجيش ان يسقط هذا الامر من عقيدته في مرحلة اولاً، ثم يطور العلاقة العسكرية مع اسرائيل الى تفاهم مرحلي يتبعه تنسيق وعمل مشترك ضد عدو مشترك تحدده اميركا. وعدو اميركا واسرائيل اليوم هو الارهاب بمفهومهما، وهو مصطلح غربي تخلط فيه اميركا بين المقاومة التي تتصدى للاحتلال الاميركي والصهيوني للارض العربية والاسلامية، وبين عصابات الاجرام والقتل التي عملت بمعظمها بتوجيه او تحفيز اميركي من اجل تشويه صورة المقاومة وتنفير الشعوب منها.

وهنا توقف المتابعون مليا عند توصيف وزير الدفاع اللبناني لمهام الجيش اليوم بانها «مكافحة الارهاب» و«حفظ الامن» لتضيع مهمة الدفاع ضد اسرائيل او لتتراجع الى مرتبة متأخرة، ثم كانت وشوشات حول وعود اطلقها بعض المسؤولين هنا وهناك باتجاه التغيير. مواقف اثارت السؤال هل ان الجيش اللبناني بدأ في تبديل العقيدة؟ هواجس تثار والرد نراه بالقول «لا» لان الامر ليس بهذه السهولة، للاسباب التالية:
في الشكل والصلاحية: ان عقيدة االجيش هي ثمرة سياسة الدولة بكليتها، ونتيجة للقرار التوافقي الذي لا يمكن ان ينفرد به سياسي واحد مها كان شأنه وموقعه.

للآلية والتبرير: لا يمكن لاي مسؤول ان يبرر للجيش تغيير عقيدته، لان الخطر الاساس الذي يتهدد لبنان هو بالمنطق وبحكم الواقع والحقيقة اسرائيل التي ما زالت تحتل الارض وتهدده صباح مساء، وان الجيش اللبناني بقدراته الحالية لا يستطيع منفردا ان ينجز تحرير ما تبقى ولا يدفع الخطر ان وقع.

في النتائج والمفاعيل: ان اي تحول جدي للجيش عن عقيدته حتى يكون كما تريد اميركا «اداة لمحاربة الارهاب بالمصطلح الاميركي» وما يستتبع ذلك من مواجهة مع المقاومة التي تصنفها اميركا «ارهاباً»، ان اي تحول سيعني بكل بساطة وضع الجيش في الاتجاه الخطأ وتعريضه للمصير المرفوض.

لكل هذه الحيثيات والاسباب نرى ان الهواجس التي ينميها تصريح سياسي من هنا او سلوك مسؤول من هناك، هي وان كانت جديرة بالاهتمام والحذر منها، على الاقل شكلاً ولفظاً، فانها تبقى هواجس غير قابلة للصرف والتفعيل في ميدان التطبيق العملي، فالجيش اللبناني الذي حفرت فيه السنوات الاربعون الماضية ابلغ الآثار، والتي منها ومن المنطق السليم والواقع اجترح عقيدته العسكرية فحدد عدوه بها وضمن وحدته وحصنها لن يلبي طموحاً او رغبة لدى احد فيترك عقيدته وينتحر، وحسناً فعل قائد الجيش مؤخراً فأكد جهوزية الجيش وتصاعد استعداده لدفع اي اعتداء اسرائيلي عن لبنان، بوجه اسرائيل قبل اي شأن آخر، وهذه هي المهمة الاساس وفقاً للعقيدة، قول يرد به على المغامرين بالوطن، ويرفد كلام رئيس الجمهورية ويحسم او يجهض اي وعد او التزام يعاكسه.

2010-03-06