ارشيف من :أخبار لبنانية
شيء ما يجب أن يتغيّر
ريثما تقرّ الموازنة العامة في لبنان، يكون الحوار الداخلي بشأن السياسات الاقتصادية والمالية قد حقق انطلاقة مقبولة بعد زهاء عقدين من الجمود. قد لا يكون الإيقاع سريعاً وفق طالبي الإصلاحات الكبرى والنوعية، وسيتضمن الأمر ربما خلاصات لا تبعث على الرضى، إلا إن اتساع دائرة صنع القرار لتضم طيفاً متنوعاً من الأطراف، كفيل بإحداث تطور في السياسات التي توقفت عن النمو منذ زمن، واقتصر أمرها على الاستجابة لمحفزات الأزمة وانعكاساتها.
البداية مشجعة بعض الشيء، يكفي أن التعرّض بالنقاش لبعض بنود السياسات المتّبعة صار ممكناً، وإن مسّ محرمات الحقبة الماضية لا يعدّ الآن عبثاً بالاستقرار أو مرافعة ضد النمو. لا يعني ذلك أن السياسات الاقتصادية لن تنحاز بعد اليوم ناحية الحلول السهلة والمبسطة، فصمام الأمان ما زال يعمل على نحو يطلق أيدي صانعي القرار باتباع ما يرونه مناسباً بمعزل عن فداحة الثمن، وهم يعوّلون في ذلك على فعالية التمثيل السياسي، القادر بحسبهم على امتصاص الغضب الاجتماعي، أو تبديد مفاعيله بحيث لا يحدث أثراً دائماً.
وإذا كان مبكراً الحديث عن قطيعة مع المسار السابق، فإن تراكم تعديلات وتصحيحات من هنا وهناك قد يفضي إلى مسار جديد. ويغذي هذا الاستعداد الكامن التنوع الاجتماعي والمناطقي الذي بات يشمل الأطراف الأساسيين كافة، فارضاً نفسه على برامجهم وجداول أعمالهم. وفي وسعنا أن نتخيّل مقدار الحيرة التي تنتاب الفريق الليبرالي، بشأن الجمع بين وفائه للنخبة المالية والعقارية التي ولد من رحمها، والتعبير عن المقصيين والمهمّشين اجتماعياً ومناطقياً، بعد أن امتلأت بهم خزاناته وقواعده التنظيمية.
من أهم المكاسب في سياق النقاش الراهن هو تحريك المياه الراكدة وهزّ ثوابت موروثة. فالقطاعات الإنتاجية، السلعية والخدماتية على حد سواء، لم تعد محلاً للتجاهل التلقائي والبديهي. المطالب المزمنة لتلك القطاعات ستلقى صدى ما، وستنعكس بهذا القدر أو ذاك في بنود الموازنة، ولو على نحو يقلّ كثيراً عن مستلزمات النهوض بها. يحدث ذلك دون تغيير في الآراء المتداولة على مسرح القرار الاقتصادي، بل إنه جزء من الواقعية السياسية التي لا بد منها لإدارة الحكم التوافقي على نحو بنّاء ومسؤول، هذا فضلاً عن صعوبة الاستمرار في تبنّي الفكرة التقليدية نفسها عن مزايا لبنان التنافسية، التي استخدمت ذريعة لإهمال الصناعة والزراعة. بينما أظهرت تجارب البلدان النامية التي سبقتنا في رحلة النهوض والتصنيع براهين مخالفة لآراء الداعين إلى الإفراط في التخصص.
من المكاسب أيضاً، ردّ الاعتبار إلى مبدأ الاستثمارات العامة، وعدم اعتبار الخصخصة (أو عدمها) ممراً وحيداً لإصلاح الخدمات العامة وتطوير البنية الأساسية. ليس مهماً في هذا الصدد التهوين من شأن الشراكة مع القطاع الخاص أو التشجيع عليها، بل المهم أن الخيارات المتاحة هي الآن أكثر تنوعاً وأوسع نطاقاً، وبات ممكناً الاختيار بينها وفق مقياس اقتصادي واجتماعي صحيح.
هناك كذلك الجلبة غير المسبوقة بخصوص المداخيل الريعية. أثير أمر هذه المداخيل في السابق أكثر من مرة، وفرضت عليها ضرائب مخففة، من بينها ضريبة الخمسة في المئة على الفوائد التي تقتطع من المصدر، ثم تحسم لاحقاً من ضريبة الدخل والأرباح، بدعوى تجنّب الازدواج الضريبي(1) . الجديد في الأمر هو بروز ملامح توافق ما بشأن تغيير طريقة التعامل الضريبي مع الأرباح الريعية. لا تقف المصارف نفسها بعيداً عن هذا التوافق، ولو أنها تتسلّح ببعض الشروط. بيد أن المانع الرئيسي الذي يحول دون تعديل السياسات المالية في هذا الاتجاه هو السياسة النقدية، التي لا بد من إرجاعها إلى طاولة البحث.
المراجعة لا تعني البتة التحلل من الالتزامات الثلاثة الأساسية التي وضعتها السلطة النقدية على عاتقها، أي استقرار سوق صرف الليرة اللبنانية، وكبح التضخم، ومساعدة الحكومة على تأمين احتياجات الخزينة، إذ لا بد من إعادة النظر في الأدوات والوسائل المعتمدة في تحقيق هذه الأهداف، أو بالأحرى إسباغ مزيد من المرونة على الطريقة التي تستعمل فيها. وقد أظهرت التجربة أن المبالغة في التحوّط تؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج معاكسة. وأبرز مثال على ذلك هو الطريقة التي يجري من خلالها امتصاص السيولة الزائدة. فهذه العملية التي تحصل بطريقتين: مراكمة فوائض الاكتتاب بسندات الخزنة، وإصدار شهادات إيداع، تمثّل على المدى القصير ضمانة تجاه التضخم (مع العلم بأن بناء الاحتياطيات الصافية يجري الآن دعماً للدولار لا لليرة)، لكنّ تكاليفها الضخمة ترتّب أعباء إضافية على الخزينة وعلى موازنة المصرف المركزي (في المناسبة أين تختفي هذه الأعباء؟)، حيث يضطر هذا الأخير في نهاية المطاف إلى تكبير محفظته من السندات الحكومية، أي إنه يعمد ببساطة إلى ما يعرف بـ«تنقيد الدين العام». وهذا له مفاعيل تضخمية ثقيلة، ما لم تنجح الحكومة في تدبير موارد مالية غير مقترضة من أجل استرداد هذه السندات في المستقبل.
❞من المبكر الحديث عن قطيعة مع المسار السابق ❝الفرصة متاحة لتغيير شيء ما. قد لا يحصل ذلك دفعة واحدة، ولا بناء على تنازلات جوهرية وطويلة الأمد يقدمها طرف لآخر، بل ربما من خلال مراكمة تصحيحات جزئية وموضعية لا تستدعي تضارباً حاداًً في المصالح. قد يطيل ذلك أمد الرحلة، لكن لا بأس إذا كانت الأمور تمضي قدماً. في هذه الأثناء، لا بد من توفير مزيد من الحصانة للفئات الشعبية والهشة، بمعنى عدم تعريضها لمزيد من الضغوط والأعباء خلال فترة الانتظار، وفي الوقت نفسه ينبغي تطوير المداولات الداخلية لتشمل بعض مندرجات السياسة النقدية، التي تستحق أن تكون بؤرة النقاش اللاحق.
(1) قلّص هذا الحسم إيرادات ضريبة الدخل والأرباح بمقدار 0.5% من الناتج، أي إنّ الحصيلة الصافية للضرائب على فوائد الودائع والسندات تساوي 200 مليون دولار (0.6% من الناتج) فقط، بينما يبلغ الرقم الإجمالي المعلن 372 مليوناً (1.1% من الناتج).
* رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018