ارشيف من :أخبار لبنانية
"إسرائيل" تثبت أن أهميتها السياسية تكمن في قدرتها على صنع الأزمات وليس حلها
تشتد الهجمة الدبلوماسية الأميركية على إسرائيل هذه الأيام. فبعد الضغط الذي مارسته إدارة أوباما على وزراء الخارجية العربية للسماح للسلطة الفلسطينية بالنزول عن شجرة اعتراضها على التفاوض في ظل الاستيطان, وصل المبعوث الرئاسي جورج ميتشل للمنطقة. ومن المقرر أن يصل اليوم إلى إسرائيل نائب الرئيس الأميركي جورج بايدن. وكان قد سبق الجميع في القدوم عضو مجلس الشيوخ جون كيري. وكثيرون يعتقدون أن الهدف من هذه الهجمة هو تشغيل عجلة المفاوضات سواء أكانت عن قرب أم بشكل مباشر بهدف تحقيق تسوية سلمية.
والواضح للأميركيين, مثلما لأغلبية العرب ولكثير من الإسرائيليين, أن حكومة نتنياهو ليست مؤهلة لإنجاز تسوية من ناحية وغير راغبة في إنجازها من ناحية ثانية. لهذا السبب فإن الهجمة الدبلوماسية الأميركية لا يمكن أن ترمي إلى التوصل لاتفاق وهي بالتأكيد ترمي للتظاهر باستمرار الأمل بالتوصل لاتفاق. غير أن الإلحاحية في التظاهر في هذا الوقت بالذات ترتبط بموضوع آخر له صلة ما بالتسوية وهو الموضوع الإيراني.
وقد حاولت الحكومة الإسرائيلية الحالية, أكثر من سابقاتها, أن تجعل الموضوع النووي الإيراني موضوعها الأول الذي يغطي على كل المواضيع الأخرى. فالتركيز على هذه المسألة وتضخيم المخاطر الكامنة فيها يخدم في إخفاء الخلافات الداخلية حول التسوية مع العرب ويبرر التشدّد أمام الغرب. إذ يكفي القول بأن إسرائيل تواجه خطراً وجودياً من المشروع النووي الإيراني حتى تغدو مطالبتها بـ«التنازل» للفلسطينيين أمراً يعزز الخطر.
وتظهر كثرة من التقارير الصحفية الإسرائيلية أن الهدف الأميركي الأبرز هذه الأيام هو ضمان انضباط إسرائيل وعدم إقدامها على أي فعل عسكري أهوج ضد إيران. ويساعد على تعزيز هذا الانطباع كثرة الأحاديث الرسمية الأميركية عن أن العمل العسكري في الخليج يعني إشعال النار قرب برميل بارود. وقد أشار إلى ذلك العديد من المسؤولين الأميركيين في الإدارة والجيش والكونغرس فضلاً عن الأكاديميين.
ولكن الغريب في الأمر أن الأميركيين يعرفون أكثر من غيرهم باستحالة إقدام الإسرائيليين على مهاجمة إيران من دون علمهم وموافقتهم. فأميركا «دولة مجاورة» بما تمتلكه من قوات ومعدات في كل من البحر الأبيض وتركيا والعراق فضلاً عما تملكه من معلومات ومعدات في كل من الأردن والسعودية. ومن شبه المستحيل أن تفلح طائرة إسرائيلية في الإقلاع من أي مطار إسرائيلي من دون أن تكون عرضة لاطلاع القوات والمعدات الأميركية. وإذا كان الهجوم العسكري الإسرائيلي على إيران ذا عواقب على الاستقرار الإقليمي والدولي فمن المؤكد أن بوسع الأميركيين منعه, قبل إقلاع الطائرات, وإحباطه بعد إقلاعها.
لذلك ليس منطقياً التأكيد بأن الأميركيين يحجون إلى إسرائيل وحدانا وزرافات وعلى أعلى المستويات بقصد التأكد من أن إسرائيل لن تفاجئهم بهجوم على إيران.
ومن المؤكد أن الحديث في هذا الجانب هو في الغالب حديث في سياق استمرار الإقناع بأن أميركا تفعل شيئاً لكبح جماح إسرائيل التي لولا الضغط الأميركي لأشعلت المنطقة والعالم. والحقيقة أن هذه تبدو مثل لعبة فارغة إذا أخذنا بالحسبان ما سبق لصحيفة «معاريف» أن نشرته على لسان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال غابي أشكنازي. إذ قالت الصحيفة إن أشكنازي يؤمن بأن الضربة العسكرية الإسرائيلية لإيران هي خيار افتراضي لا يمتلك أسس تجسيده في الواقع.
وربما لهذا السبب ورغم تشوش العلاقات بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو يصر كثير من المعلقين الأميركيين والإسرائيليين على أن الجيش الأميركي يرى في قيادة الجيش الإسرائيلي صمام أمان يمنع حدوث مفاجآت. وقيادة الجيش الإسرائيلي هي الجهة الوحيدة التي يمكن أن توصي بعمليات حربية صغيرة كانت أم كبيرة ولا تجري الأمور من خلف ظهرها. ففي الجيش الإسرائيلي هناك شعبة الاستخبارات التي تضع التقييم السنوي واليومي للوقائع وتحدد مستويات الخطر. وهناك شعبة العمليات التي تحدّد مدى نجاعة أي فعل وربما عواقبه. وربما أنه في السنوات الأخيرة أضيف إلى ذلك نوع من المنتدى الأمني الأعلى الذي يخدم بتوصياته القيادة السياسية كطرف من خارج الجيش ويقدّم توصيات مستقلة. ويضم هذا المنتدى عدداً من رؤساء الأركان وقادة الاستخبارات السابقين.
ويكتب المعلق الأمني أمير أورن في «هآرتس» أن «إسرائيل ليست مركز العالم. بل أنها ليست قوة عظمى.... والخروج المبادر للحرب, أو لعملية يمكن أن تتدهور إلى حرب, ينطوي على مخاطر ترتبط بطول نفس الاقتصاد, الجيش والذخر الدبلوماسي. والحكومة, بوصفها المسؤول عن مخازن الجيش, مضطرة لأن تأخذ بالحسبان أيضا التأثيرات السلبية للنجاح العسكري, فما بالكم بالفشل, على قدرة تحمل جبهة داخلية عصبية وهشة».
ومع ذلك يشدّد أورن على أن الإدارة الأميركية تسارع بضربة وقائية سياسية إلى منع نتنياهو من المخاطرة بضربة وقائية عسكرية. وهذا ما يفسره زميله في «هآرتس» ألوف بن على النحو التالي: «الاستعدادات للحرب تمنح إسرائيل أهمية دولية لم يسبق لها مثيل. فرئيس الولايات المتحدة باراك اوباما، الذي حافظ على مباعدة في بدء ولايته، يطيّر الى هنا الآن قطاراً جوياً من مسؤولي الادارة الكبار الذين يطلبون من نتنياهو ضبط نفسه... يتبين ان التهديد الاسرائيلي بإشعال حرب اقليمية يشغل الادارة اكثر من الاحتلال والمستوطنات في الضفة. وليس الساسة وحدهم قلقين: فممثلو شركات الاستثمار العالمية عندهم فضول ان يعلموا «متى ستهاجمون» كأساس للمقامرة على أسعار النفط. يتبين أن أهمية إسرائيل الاقتصادية كامنة في قدرتها على صنع أزمات، لا في التقنية العليا، ولا في المشاريع الإنشائية وأكياس البمبما التي يتغنى الاسرائيليون بها».
حلمي موسى - صحيفة "السفير"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018