ارشيف من :أخبار لبنانية
الوقت العربي الضائع
سليمان تقي الدين - "السفير"
أعطى النظام العربي فرصة إضافية مجانية لإسرائيل والإدارة الأميركية لتقطيع الوقت والاستنزاف السياسي والأمني للوضع الفلسطيني والعربي.
يتحرّك الموفد الأميركي جورج ميتشل في مفاوضات غير مباشرة من دون أفكار محددة أو معلنة. منظمة التحرير تضع جدول أعمال مثالياً أو خيالياً لبحث مسألة الحدود النهائية للدولة الفلسطينية على خط 1967.
لكن هذا الوهم لا يفيد في حفظ ماء الوجه لسلطة «أوسلو» الواقفة في العراء نتيجة إدارتها السياسية الفاشلة. تعالج إسرائيل صورتها «الفاشية» التي تحدث عنها الرئيس السابق للمحكمة العليا التي تمثلت في جرائمها ضد الإنسانية في غزة ووثقها تقرير «غولدستون».
غير أن «الفاشية» تستعجل التدابير والإجراءات لتغيير الوقائع الفلسطينية وتتهيأ لحرب تدميرية على فلسطينيي الداخل وعلى الجوار.
يأتي نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ليضبط الخطوات الإسرائيلية على التوقيت الأميركي الذي يعيد تجميع القوى ويتخفّف من الورطة العراقية وانتشار الجيش الأميركي المعرّض لضربات قوية. يبيع الأميركي العرب فكرة التفاوض ليأخذ منهم المزيد من الاسترخاء ويحاصر أي نقاش جدي في مصير «العملية السلمية» التي وُلدت ميتة في قمة بيروت العام 2002 ولا أحد يتداول بنودها ومضمونها.
لكن العرب منشغلون أيضاً بالعملية السياسية في العراق بهدف تكوين السلطة في البلد الغارق بمشاكل الاحتلال والفوضى والنزاعات الأهلية.
تكوين السلطة بما أفرزه الاحتلال لن ينهض بالتحديات الكبرى الاقتصادية والاجتماعية وقد عمّ الفساد والنهب المنظم لثروته والتدمير الممنهج لمؤسساته وغياب المصالحة الوطنية ومساعدة دول الجوار.
وفي مصر الدولة القاطرة يغيب الهمّ العربي أصلاً وتضغط عليها مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية وأزمة انتقال السلطة من شرعية متآكلة وفاقدة لأي رصيد، إلى شرعية جديدة لا يبدو أن المجتمع مهيأ لاستيلادها ديموقراطياً، فيتعاظم التدخل الأميركي لترتيب ولادتها من خارج القوى السياسية العاجزة، ومن دون تعريض النخبة الحاكمة والمؤسسات للاهتزاز.
أما باقي المسرح العربي فقد اتجه إلى تبريد نزاعاته الأمنية في اليمن والسودان ولبنان لأن أميركا تسعى لاحتواء هذه النزاعات بالتركيز على الملف الإيراني وتجميع الأوراق باتجاه الضغط عليه لبناء عناصر التسوية، وإلا توفير شروط الحرب.
في هذا الوقت الذي تشغله الإدارة الأميركية بترميم خطتها وسد ثغرات إمساكها بمفاصل المنطقة وتحسين أوضاع حلفائها، ينكفئ العرب أكثر على مشكلاتهم الداخلية ويتركون المسرح لدول إقليمية فاعلة تزداد حضوراً في كل القضايا والملفات.
وبرغم الإنجاز العربي اللبناني (السوري السعودي) الذي احتوى التوتر الأمني والتشنج السياسي، تحتفظ الأطراف السياسية بطروحاتها السابقة في المسألة الوطنية ويصرّ بعض هذه الأطراف على الطعن بشرعية «المقاومة» وسلاحها.
يشترك الفرقاء اللبنانيون في تحديد «موضوع» الحوار، وتسمية «الخطر» ويفترقون في فهم التحديات والتعامل معها. ويلتقي هؤلاء موضوعياً عند تغييب دور الدولة وواجباتها.
هناك من يلتزم الدفاع الوطني وحده، وهناك من يتواطأ مع هذا الشكل من الدفاع بحكم الأمر الواقع، وهناك من يمارس اعتراضاً علنياً لتعطيل إنتاج إجماعات وطنية، فيضغط بالانقسام السياسي على الخطة الدفاعية من أساسها. ما يجمع بين المتحاورين هو النظرة المجتزأة النابعة من شرعية مواقعهم الطائفية. هنا يحدّد الموقع الطائفي المفهوم الوطني مثلما يحدّد مفهوم الإصلاح.
لا ينتج النظام الطائفي إصلاحاً كما اكتشف أحد نواب «كتلة الوفاء للمقاومة»، وهي مع التوافقية الطائفية وهذا النظام. لكن النظام نفسه لا ينتج الوطنية أيضاً بل «وطنيات» على قياس الطوائف والطائفيات. هذه الطائفيات التي لا تتفق على خفض سن الاقتراع أو الإصلاحات البلدية أو معالجة شؤون الإدارة بمعيار واحد، لا يمكن أن تسلّم بالتكامل بين الدولة والمقاومة، ولا أن تقبل المقاومة «في كنف الدولة» إلا لفظياً لتظهير خروج المقاومة عن الدولة.
وإذا كان بيان الحكومة قد جمع المتناقضات (الشعب والجيش والمقاومة) فلا ندري أوجه التكامل وطبيعته خارج ممارسات الأمر الواقع اليومية للتعاون اللوجستي.
فهل ستبحث طاولة الحوار مثلاً دور الدولة في الدفاع المدني وإعداد الملاجئ والمستشفيات وفرق الإغاثة وتتبنى إجراءات اقتصادية اجتماعية وخدماتية في حالة الطوارئ، وهل تتآلف الحكومة في الإدارة السياسية والدبلوماسية، وهل ستحمل ملف التعاون الأمني الدفاعي إلى دمشق كما فعلت المقاومة.
وهل تتبنى طاولة الحوار إجراءات صارمة بحق العملاء وشبكات التجسس والتخريب الإسرائيلية والأميركية و(العربية) للدفاع عن لبنان والمقاومة. وهل تضع الموازنة بنداً مستقلاً لمعالجة أضرار الحرب المفتوحة على لبنان أمنياً والمرشحة للانفلات عسكرياً في أي وقت تراه إسرائيل مناسباً لها. وهل المقاومة نفسها تطرح هذه الهموم والهواجس وتساهم في إعداد اللبنانيين خارج الميدان الحربي للتعاطي مع الحرب المحتملة كحدث وطني شامل.
وماذا أعدّت المقاومة وحلفاؤها للناس كي يكونوا شركاء فعليين فيتحمّلون نتائج شراكتهم بإرادة حرة. أسئلة كانت وما تزال على المستوى اللبناني والعربي لا جواب عليها.
لدينا قطيعة مدهشة بين الخطاب السياسي وأدواته ووسائله. لدينا مقاومات وتضحيات وليست لدينا طريقة لإدارة المجتمع. أمس في إسرائيل انعقدت حكومة استثنائية لتحضير الرأي العام، لفحص الاستعدادات المدنية من ملاجئ ونزوح محتمل ووقاية من الأسلحة الكيماوية.
الشركات نقلت برامجها ومعداتها الثمينة إلى أماكن آمنة. متى نبدأ بمجتمع المقاومة وبثقافة المقاومة على فرض أن المقاومة في خدمة المجتمع والحرب في خدمة الدفاع عن الوطن.
المشهد العربي اليوم، حوار، تفاوض، ثرثرة، سجال، شعارات، واستهلاك لمفاهيم الحرية والوطنية والديموقراطية والعروبة والمواطنة وحقوق الإنسان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018