ارشيف من :أخبار لبنانية

جعجع في مواجهة حردان

جعجع في مواجهة حردان
إبراهيم الأمين - "الأخبار"

إلى الحوار در. أو إلى الحوار سر. أو إلى الحوار عد، لكنّ النتيجة هي نفسها. فالحوار الذي يريح الجمهور لمشاهدته الخصوم يجلسون على طاولة واحدة، لا يوفر الشعور نفسه للجالسين على الطاولة. وكثيرون من المشاركين سينظرون إلى ساعاتهم متأهّبين للركض خارج القصر أسرع من التلامذة عند سماعهم جرس انتهاء الدرس. لكنّ واحداً سيظلّ جالساً على الطاولة، يرتّب أوراقه وأغراضه بطريقة توحي أنه يتمنّى لو تبقى الطاولة شغّالة 24 ساعة. فلا أحد يمنعه من الكلام. هذا الواحد هو سمير جعجع.


على اللبنانيين كما على المشاركين في طاولة الحوار الأخذ في الاعتبار أن الرجل اضطر إلى الصمت 11 عاماً، وقسم كبير من مجالسيه هم من وفّروا الغطاء السياسي لقرار سجنه الناجم عن حكم قضائي مبرم. وبالتالي، سيكون «الحكيم» معنياً بمعاقبتهم، وليس بيده حيلة اليوم سوى إسماعهم نظرياته عن الحرب والسلم وعن أصول القيادة العسكرية، دون أن يعرض تجربته الشخصية، لأنها تمثّل الكارثة بعينها، إذ هو لم ينجح في أي معركة في مواجهة خصومه من الطرف الآخر، لكنه كان فائق الحرفية والمهنية والكفاءة والأكثر تفوّقاً في تصفية خصومه من أهل البيت. ومن لديه أي شك، فما عليه سوى مراجعة أرشيف الصحف على الأقل. وإذا أراد التعمّق فعليه مراجعة مذكرات الآخرين من رفاق ومشرفين وشركاء.


على أي حال، فإن جعجع يرغب في معاقبة كل هؤلاء. لكنه يريد لنفسه موقعاً متقدّماً لكي ينال علامات الرضى من السيد المستمع في الخارج. وهذا السيد لا يهتم بأيّ من الحاضرين سوى بحزب الله، وكلما نجحت «القوات» في رفع مستوى السجال بشأن سلاح المقاومة، ازداد الكرم السعودي والكويتي والإماراتي وغيره. وبالتالي، فإن جعجع مضطر إلى وضع استراتيجية تتيح له تحقيق الهدفين بضربة واحدة: معاقبة المشاركين من خلال إلزامهم بالاستماع إلى محاضراته التي تدرس اليوم في الجامعة الشعبية، والتركيز على حزب الله لعلّه يطلق مجدداً الأفكار - التي يا للصدف - تأتي متطابقة مع أفكار أميركية وإسرائيلية حيال مستقبل لبنان في الصراع العربي - الإسرائيلي، والموقف من سلاح حزب الله.


لكن مشكلة معينة ستواجه «الحكيم». فقبالته سيجد رجلاً لديه جائزة تقديرية من شركات صناعة الثلاجات، وهو كتلة من الأعصاب الباردة التي تثير الأحبة قبل الخصوم، هو محمد رعد، الذي يمكنه أن يصمت لوقت طويل ثم يطلق تعليقاً كافياً لقلب المشهد قبالته. وللذين لا يعرفون هذا الرجل عن قرب، فهو ماهر في تجاهل ما يجب تجاهله وفي دفع الأمور إلى حيث يكون العقل والمنطق. أما المماحكات، فهو يملك في عقله برنامجاً مخصصاً لعدم استقبالها أصلاً. وسيقول في قلبه: ربما واجبي الجهادي اليوم، أن أتحمّل «زناخة» البعض هنا!


إلا أن ذلك، وإن فكر جعجع في الاستفادة منه لمواصلة الكلام، فهو لن يكفي لاكتمال الصورة، لأنّه يجلس إلى الطاولة رجل تدرّج طبيعياً في «المدرسة اللبنانية»، وبات بمعزل عن موقف الناس منه، محبين أو كارهين أو مغرضين، داهية السياسة اللبنانية. سيصدم جعجع عندما يجلس نبيه بري إلى الطاولة، ويخرج من جيوبه بعض ثعالبه. وسيكون على «الحكيم» استعادة دروس المناورة المضادة، التي ربما نسيها بفعل تقدم العمر، لكنه سيكون مضطراً من جانبه إلى إعداد طروحات وأفكار للرد على ما سيطرحه رئيس المجلس بشأن ملف المقاومة نفسه وملفات أخرى لا يود جعجع السماع بها الآن ولا في أي وقت.

والرئيس بري، الذي يشكو البعض قلة تحمّله لآراء مناقضة، سيكون مضطراً لقول ما يرغب الآخرون في سماعه أو في ما لا يرغبون، وإذا تطلب الأمر، فسيسمع جعجع ومن يوافقه حكاية أهل الجنوب منذ الانتداب الفرنسي إلى قيام إسرائيل حتى اليوم، ويمكنه أن يعطي الحاضرين درساً في التاريخ والجغرافيا وعلم الإحصاء بما يكفي للدلالة على نتائج الجريمة الإسرائيلية المتمادية بحق أبناء تلك المنطقة. ولن تعوزه الحكمة ليقفل نقاشاً عقيماً عن جدوى الدبلوماسية الدولية في استرداد الأرض والحقوق.


كذلك فإن جعجع سيكون مهتماً بأمر آخر أيضاً. فهو وعد أنصاره ومحازبيه بأنه سيستفز العماد ميشال عون على نحو مباشر وغير مباشر، وهو يريده أن ينجر إلى سجال معه على خلفيات متنوعة. في المقابل، هو وعد جمهوره أيضاً بأن مصافحة ستسجل على الشاشة مباشرة بينه وبين سليمان فرنجية، حيث لا يستبعد أن يتقدم جعجع نحو الناجي من المجزرة ليصافحه. وساعتها سيخرج المطبّلون للقول إن الحكيم رجل مصالحة، وهو بادر وتوجّه من تلقاء نفسه، وإنه سبق أن اعتذر عن كل الإساءات التي قامت بها «القوات».


لكن أصعب ما سيربك الحكيم، هو كيفية تجنّب النظر إلى عيني النائب أسعد حردان. فهو سيرى فيهما حقيقة لا تقوى ماكينات إعلام العالم على طمسها. حيث لا يحتاج هذا الرجل من يشرح له حقيقة قائد «القوات» ومقاصده ومربط خيله، وإذا ما حدّق جعجع قليلاً في عيني رئيس الحزب السوري القومي، فستمر أمامه في ثانية واحدة كل المجازر التي ارتكبتها قوى الجبهة اللبنانية بحق محازبي القومي والقوى العلمانية الأخرى، التي كانت العدو الأول لمشروع الدويلة المسيحية.


2010-03-09