ارشيف من :أخبار لبنانية

لا ينفعنا أن نكسب العالم ونخسر أنفسنا

لا ينفعنا أن نكسب العالم ونخسر أنفسنا

كتب الفضل شلق - السفير

نخسر أنفسنا عندما نتشتت، عندما يتفتت وعينا، عندما تتكسر جوانيّتُنا، في كل واحد منا، عندما نفقد ذاتيتنا ونصير موضوعاً لغيرنا. هكذا تكون الهزيمة. ليست الهزيمة فقط ان نخسر أمام العدو، بل ان نخسر أمام أنفسنا، أمام نفسنا؛ ان نصير من دون نفس، بلا روح او هوية. ليست الهوية ان تتوحد مع نفسك من دون تناقضات، هي وحدة المتناقضات. كل منا متعدد الهويات، كل منا متناقض الهويات.
 
في وحدة التناقضات تكون الهوية اطاراً للتناقضات. لا تتشكل الهوية الا من عدة هويات. كل منا متناقض مع ذاته. التناقض ليس عيباً. العيب القاتل هو في التشتت، في غياب وحدة التناقضات. منذ ان بدأ بعض الفلاسفة يتحدثون عن التناقضات أساساً للوجود، كانوا يتحدثون ايضاً عن الروح التي تنظم التناقض، عن الروح التي تجري في إطارها حركة التناقضات. من دون ربط بين الاشياء، تموت الاشياء. الحياة هي نظام ما يربط. الموت هو ما يبعثر من دون ربط وتوحد.

لا ينفعنا ان نكسب العالم ونخسر انفسنا، بالاحرى لا نستطيع ان نكسب العالم، نواجهه ونستوعبه، الا عندما نكسب انفسنا. نخسر انفسنا عندما نخسر قضيتنا، حين لا تكون لنا قضية، حين نفقد المعنى والمغزى، حين نصاب بالقنوط والاحباط، حين نيأس من انفسنا. القضية هي الحقيقة المطلقة. ليست قضيتنا حقيقة نسبية، هي الحقيقة المطلقة للكون؛ بها تتحرر الكرة الارضية، بها يتحرر الانسان من نظام يكبله ويشتته ويستغله ويتمتع بنتاج عمله. قضيتنا هي الحقيقة المطلقة. نعرفها لاننا نحن نصنعها. تصير عندنا قضية حين نصنع الحقيقة وكل حقائق الوقائع.

الحقيقة تُصنع، ولا تُكتشف وحسب. لا نستطيع ان نصنع شيئاً، لا نستطيع ان نفعل وان تكون لنا ارادة عندما تكون النفس مشتتة. لا نكون شعباً عندما نصبح من دون روح. شرط الروح ان تنبع من الداخل وان لا تُفرض من الخارج، من خارج النفس، من خارج الذات. نضطر الى التمييز بين النفس والروح، وان نصر ان تكون النفس ذاتاً، وان تكون الروح نابعة منها، حتى لا تكون الروح مواتاً. روحنا مرهونة بان تكون لها قضية، بان تتجلى من الداخل الى الخارج، لا ان تأتي من الخارج الى الداخل وتضع علينا القيود والموانع.

مع العجز، تذوي الروح وتضعف، تتكسر الارادة، نعجز عن صنع الاشياء مادياً وروحياً، نفقد العزم وإرادة الفعل. هذا معنى التشتت، عدم وحدة التناقضات، عدم القدرة على الربط بين الاشياء سواء كانت متناقضة او غير متناقضة. ان تعقل يعني ان تربط. كيف تربط الاشياء. هذا معنى الثقافة. الثقافة تراكم تاريخي للافكار والممارسات، تراكم تاريخي للقدرة على الربط بين الاشياء. الثقافة تحقق الصلة مع الدين واللغة. مع تشتت اللغة يضيع الدين ويتشتت، وتضيع اللغة وتتشتت. يتبعثر كل منهما، الى مذاهب ولهجات، هذا ان كان الحظ جيداَ.

هناك ثبات لدى الدين واللغة والثقافة. وحدها الثقافة تبقى مفتوحة، رغم ثباتها، كي تكون قابلة للتناقضات، وكي تفسح المجال امام امكانات التطور. يرتكز الدين على ثوابت هي المسلّمات العليا، بمثابة الشهادتين في الاسلام؛ وما يشابه ذلك لدى الاديان الاخرى. ترتكز اللغة على ثوابت هي القواعد واصول النحو.
 
من دون بديهيات الدين تحدث مذاهب وحروب اهلية. من دون قواعد اللغة تطغى اللهجات المحلية وتتطور الى لغات منفصلة، الى اثنيات تميّز نفسها. يمكن للدين ان يسترجع مذاهبه، او يهادن في ما بينها. يمكن للغة ان تسترجع لهجاتها وتعيد استيعابها. لكن العلاقة بين الدين والهرطقات، بين اللغة واللهجات هي دائما علاقة ثنائية: اما مع او ضد. لا يتحمل الدين واللغة الا الثبات، ولو حدثت تطورات على المدى الطويل؛ الا الثقافة.

تموت الثقافة اذا كانت ثابتة. على الثقافة ان تبقى مفتوحة، قابلة للتطور، قابلة للتجاوز، قابلة لتجاوز نفسها. زمن الثقافة اسرع بكثير من زمن الدين ومن زمن اللغة.

ارتبطت الاخلاق بالدين، خضعت له من اجل الاستقرار. ارتبطت اللغة بالنحو وقواعده من اجل التواصل والإفهام والافصاح والقدرة على الترجمة، على الترجمة من اللغات والحضارات الاخرى، وعلى الترجمة من تجارب الحياة وتجارب العيش، كي يصير العيش مشتركاً. عن طريق الدين يحدث التمايز؛ العقيدة والطقوس تميز عن الغير. عن طريق اللغة يصير التشابه، يسيطر التشبيه والمجاز. يؤدي الفهم المشترك الى نمط عيش متشابه واندماج في ثقافة موحدة، ولو كانت وحدتها وحدة اختلافات وتناقضات. متى ارتبطت الثقافة بقواعد ومبادئ ثابتة كاللغة والدين، فانها تموت وتفقد مبررها. على الثقافة ان تتغير باستمرار كي تبقى حية، وكي تحافظ على استمرارها. لا يستطيع الانسان ان يتنفس، يطلق العنان لنفسه، وبالدين او باللغة. عليه ان يلجأ للثقافة، للادب والشعر والرقص، الخ... في الثقافة التجاوز للمعطى التاريخي، تجاوز للثقافة الموروثة، في الثقافة اضافة دائمة. هذا ما يبقيها حية فاعلة.

يحدث التغير في الثقافة بالارادة البشرية. الارادة هي السياسة. نسلّم انفسنا للخالق عن طريق الدين. نغرق في دياجير الجهل دون اللغة. نكسب انفسنا بواسطة الثقافة، نكسب الثقافة بالوعي والارادة؛ بهما نضيف الى الثقافة ونتجاوزها ونبقيها حية فاعلة. بالمقابل نكسب انفسنا عن طريق الثقافة. التفاعل بيننا وبين الثقافة، عن طريق التجاوز، هو ما يجعلنا قادرين على احتواء التناقضات ومنعها من الانحدار نحو التشتيت والزوال. زمن الثقافة، كما قلنا، اسرع من زمن اللغة والدين، لكن هذا الزمن هو ما يضيف الحياة الى الدين واللغة.

لا يمنحنا الدين هوية ولا تمنحنا اللغة هوية الا بمقدار ما تسيطر الثقافة على الدين واللغة. الا بمقدار ما يحرك الوعي الثقافة، يقودها ويتجاوزها في آن معاً. في ذلك اخضاع للدين واللغة للسياسة، للارادة. لا يتماسك المجتمع ويبقى، لا يتوحد من دون الوعي وسيطرته على كل شيء آخر.

جوهر الوعي هو المعرفة. يقول بعض الفلاسفة ان المعرفة ليست بالضرورة انعكاساً للطبيعة في الدماغ. يحذر فلاسفة آخرون من سيطرة المعرفة على الطبيعة والمجتمع. في المعرفة ما يمكن ان يقود الى الخراب ودمار البشرية. في العلوم الفيزيائية والانسانية ما يمكن ان يقود الى الخراب والدمار. يفيدنا الدين والاخلاق في وضع ضوابط للمعرفة العلمية. هكذا تبقى حقيقة الدين مطلقة وتبقى حقائق العلم نسبية، وتندرج النسبية العلمية في اطار المطلق الاخلاقي والديني. وتحافظ البشرية على بقائها، وتستخدم نتائج العلم لما يفيد الانسان ولا يضره.

لا خوف على الدين واللغة والثقافة من الاندثار. الخوف على الوعي من التشتت والتبعثر. متى تشتت الوعي ازداد تصلب الدين وتحول الى اصولية جامدة. ومتى تشتت الوعي تخثرت اللغة وتحولت الى صياغات جوفاء لا روح لها.

لذلك يشتد الهجوم على وعينا وعلى ثقافتنا، على وعينا من اجل الوصول الى تدمير ثقافتنا وتدمير الاطار لهويتنا.

ليس الخوف على الدين واللغة والثقافة من الاندثار، الخوف على وعينا ووجودنا من الاندثار. بلورة الوعي هي المهمة الاولى. الحفاظ على الثقافة هي المهمة الثانية. عندها يكون الدين واللغة في مأمن من الاندثار.

2010-03-12