ارشيف من :أخبار لبنانية
«الاتفاقية الأمنية» ومسؤولية مواجهة الاستباحة الأميركية للسيادة هل يطلب مجلس النواب الاستماع إلى إفادة السنيورة؟
كتب نبيل هيثم - السفير
تحتاج مقاربة ملف الاتفاقية الأمنية الملتبسة الموقعة بين «حكومة» الولايات المتحدة الأميركية وحكومة لبنان ممثلة بمؤسسة قوى الأمن الداخلي، الى جرأة وطنية تنزع عن الأمر البعد الشخصي أو السياسي الفئوي الضيق، نحو مقاربة من نوع مختلف بما يمثله من انتهاك للقوانين وخرق لسيادة الدولة اللبنانية، خاصة أن السيادة مسؤولية مشتركة، وليست مجزّأة أو حصرية.
في هذا الاستهداف ـ التسلل، «تبدو الدولة اللبنانية بسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية مستباحة ومكشوفة أمام الخارج وكأن هناك من يريد تعميم ثقافة الانحناء أمام «القناصل» و«الدول» و«المؤسسات الدولية»، بدل ثقافة السيادة الحقيقية ومصلحة لبنان الدولة أولا وأخيرا»، كما يردد مرجع سياسي كبير.
ولعل مبادرة مجلس النواب، ومن خلال اللجنة المختصة (لجنة الإعلام والاتصالات) قد أحسن في وضع يده على الملف وبدور محفز لرئيس المجلس نبيه بري الذي رفض اللفلفة وأصر على المضي به الى خواتيمه النهائية، فكان أول الغيث، العثور، بالمصادفة، على «اتفاقية أمنية سرية» بين لبنان والولايات المتحدة، مضمونها بالغ الخطورة.
البديهي هنا افتراض ان المسؤولية لا تقع على مجلس النواب وحده، فما تم اكتشافه بالنسبة الى هذه الاتفاقية ومضمونها، يضع رئيس الجمهورية ميشال سليمان بالدرجة الاولى امام مسؤولية مغادرة موقع المراقبة عن بعد، ورصد الوقائع والانتقال الى الموقع الذي يمليه موقع الرئاسة الأولى الحامية للدستور والقانون، علما ان الاتفاقية تجافي القانون وتتجاوز الدستور الذي تمليه ايضا مسؤولية رئيس الجمهورية المعني حصرا دستوريا بعقد الاتفاقيات الخارجية، كما انه المسؤول بمنطوق قسمه الدستوري بـ«احترام دستور الأمة اللبنانية وقوانينها وحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه».
هذا الاستهداف ـ التسلل، يضع الحكومة أمام مسؤوليتين:
الأولى، بوصفها حكومة وحدة وطنية، عليها أن تواكب المجلس النيابي بمبادرة حكومية تضع الأمور في نصابها وخصوصا ان الخرق، استظل بتغطية حكومية غير واضحة المعالم والأبعاد، حتى الآن، والتي قد تكشفها محاضر مجلس الوزراء ، إن وجدت.
الثانية: مسؤولية الرئيس سعد الحريري شخصيا، في التقاط الكرة ليس من موقع طرفيته السياسية، بل من موقعه كرئيس لحكومة وحدة وطنية، والتصدي جديا لهذا الملف بـ«مبادرة تصحيحية ما»، وخصوصا ان الحكومة التي وقعت الاتفاقية هي حكومة فؤاد السنيورة، الذي يتولى اليوم رئاسة كتلة سعد الحريري النيابية.
ويقول مرجع سياسي إن هذه الاتفاقية الأمنية «لا يمكن التعاطي معها كفعل ماض، فماذا يمنع أن يكون هناك غيرها مخفيا وربما اخطر منها، وقد بات واضحا ان من كان في سدة الحكومة آنذاك انما كان يتلطى بشعار السيادة ليس لطعن سوريا بل لطعن بلده ونفسه وأهله في الصميم».
وما كشفته تلك الاتفاقية، والكلام للمرجع السياسي، «انما يسقط كل شعارات السيادة والاستقلال وإلا ما معنى استسهال التعاطي مع الأميركيين في مسألة حساسة تتعلق بالأمن الوطني، ما يؤكد خفة الفريق الحاكم آنذاك، وطواعيته في الاستجابة لمتطلبات القوى المحرِّضة على المقاومة وعلى سوريا، وعلى استخفافه أيضا بعقول اللبنانيين وبالدستور الذي ينظم أصول عقد الاتفاقيات».
ويكشف المرجع السياسي ان الرئيس السابق اميل لحود سبق له ان رفض تلك الاتفاقية «ولكن يبدو انها مررت في وقت لاحق بمعزل عنه، بعدما قرر اعتبارا من نهاية العام 2006 عدم ترؤس جلسات مجلس الوزراء».
الا ان الأخطر، يتابع المرجع نفسه، ان الدروس التدريبية التي قدمها «خبراء اميركيون» بناء على الاتفاقية المذكورة، قد اعتمدت على نصوص خطيرة، تبيّن ان الجانب الاميركي هو الذي وضع البرنامج التدريبي، ولا صلة للجانب اللبناني به على الإطلاق، وأن متن المواد التي درّسها الخبراء الأميركيون لضباط وعناصر قوى الأمن الداخلي في تلك الدورة، ارتكزت على المفهوم الأميركي للإرهاب، وتحديد الجهات الإرهابية، كما أنها في الجانب الآخر، ارتكزت على بعد تحريضي على «فئات لبنانية» محددة وكذلك على سوريا. وقد تضمن احد الدروس استعراضا للعديد من الحوادث والاغتيالات التي وقعت في لبنان في فترة معيّنة، وصنفتها في الخانة الإرهابية مقرونة بالتحريض وتوجيه الاتهام الى جهات لبنانية موالية لسوريا، وتحديدا «حزب الله»، وقد تم لاحقا حذف بعض العبارات من الكراسات التدريبية».
يقول المرجع المذكور «المشكلة ليست مشكلة جهاز أمني أو قائده، بل هي مشكلة مرحلة سياسية اسمها مرحلة حكومة فؤاد السنيورة، «ولو أردنا تنفيذ قانون محاسبة الرؤساء والوزراء، على المجلس النيابي، استدعاء الرئيس فؤاد السنيورة للإدلاء بما لديه في هذا الملف، ومن المفيد طلب «النصوص الأميركية» التي كانت تدرّس في الدورات التدريبية، حتى نتعرف على المنهج الأميركي في التعاطي مع تأهيل عناصر وضباط قوى الامن في التدريب على المخدرات، ولأي مهمة فعلية كان يراد تأهيلهم».
ويكشف المرجع ان التصدي النيابي «قد لا يقف عند حدود لجنة الإعلام، فثمة تحضيرات من قبل بعض النواب لتقديم أسئلة الى الحكومة، وإن اقتضى الامر تقديم استجوابات لتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018