ارشيف من :أخبار لبنانية

انتخابات مصر النيابية فالرئاسية... وصحة مبارك

انتخابات مصر النيابية فالرئاسية... وصحة مبارك

ٍسركيس نعوم، النهار

عند الحديث عن مصر والتطورات السياسية المستقبلية فيها ولا سيما منها المتعلقة بانتخابات رئاسة الجمهورية المقررة السنة المقبلة (2011) مع جهات ديبلوماسية غربية وعربية كان يُطرح دائماً سؤال واضح ومحدد هو: هل سيتخلى الرئيس المصري حسني مبارك عن الرئاسة يوم انتهاء ولايته الحالية أم يقرر ترشيح نفسه مرة جديدة ربما، اذا تأكد انه لا يملك القدرة على ايصال من يكمل "مسيرته ونهجه" الى هذا الموقع المهم؟ ولم ينبع طرح السؤال في احاديث كهذه، علماً انها لا تزال مستمرة، من رغبة في مناقشة كل الخيارات المطروحة او التي يمكن ان تُطرح وان تكن نظرية في معظمها. بل نبع من معطيات اشارت في حينه وربما لا تزال تشير الى ان مبارك وضع نفسه امام خيارين لا ثالث لهما. الاول، توفير فرص وصول نجله جمال الى رئاسة الجمهورية السنة المقبلة ولكن بطريقة مريحة ومن دون صعوبات وتحديات سياسية وشعبية و"دينية" كبيرة وذلك كي يستطيع ان يحكم او بالأحرى ان يطبق "برنامجه التحديثي" كما يصفه قريبون منه. والثاني، الاستمرار في تحمل اعباء رئاسة الدولة مرة سادسة رغم التقدم في السن والامراض التي ترافقه عادة والتي قد يكون بعضها بدأ في الظهور وذلك ريثما يتم التحضير جيداً لرئاسة النجل جمال او لرئاسة أخرى لا تكون بعيدة كثيراً على الاقل في البداية من رئاسة مبارك.

هل لا تزال فكرة استمرار الرئيس المصري في موقعه ولاية جديدة واردة ومتداولة؟

المصادر الديبلوماسية المطلعة تجيب بنعم عن هذا السؤال. لكنها ترجح في الوقت نفسه ان يبدأ مبارك مراجعة اوضاعه كلها بما في ذلك الصحية منها وذلك كي يتأكد هو شخصياً قبل غيره اذا كان في وسعه الاستمرار في تحمل مسؤوليات الرئاسة، اذ اجريت له جراحتان حتى الآن. واذا كانت الاولى غير خطيرة فان الثانية اقلقت جداً عائلته ومحبيه ومريديه وخصوصاً عندما تحدث اطباؤه عن استئصال الحوصلة المرارية فحسب، وهي جراحة عادية وبسيطة او هكذا صارت، بل ايضاً زائدة لحمية في المصران كان ضرورياً فحصها مخبرياً لمعرفة اذا كانت من طبيعة حميدة او خبيثة. طبعاً أعلن الاطباء ان الفحص اظهر انها حميدة. ولكن ذلك على الاطمئنان الذي وفره للمعنيين لا بد أن يدفع الرئيس مبارك بعد استعادته العافية كاملة وعودته الى بلاده الى التفكير في الخلافة بجدية اكثر من السابق والإعداد لها بل تحديد من سيتولاها وفقاً للظروف التي قد تنشأ. فاذا كانت استثنائية وفجائية فلا بد ان تكون لمبارك خيارات عدة قادرة على الامساك باللحظة او بالأحرى بالاوضاع وترتيب انتقال سلمي مقبول شعبياً وخارجياً من دون اي تحد سياسياً كان او دينياً. واذا كانت الظروف طبيعية وعادية فلا بد ان تكون لمبارك ايضاً خيارات تناسبها يستطيع اصحابها ان يقوموا باكمال المسيرة. وفي الظروف الثانية هذه يمكن القول ان حظوظ وصول النجل جمال مبارك الى سدة الرئاسة تصبح وافرة.

هل من عوائق او بالأحرى من استحقاقات تسبق استحقاق الانتخابات الرئاسية المصرية يمكن ان يكون لها تأثيرها على عملية اختيار الرئيس المقبل لمصر، اذا لم يجدد رئيسها الحالي ولايته؟

لا يمكن الحديث عن عائق او عوائق، بل عن استحقاق سيسبق حتماً الاستحقاق الرئاسي، وهو الانتخابات التشريعية التي يفترض ان تجرى في مصر في خريف السنة الجارية 2010. ويفرض ذلك على الرئيس مبارك وعلى "الحزب الوطني" الحاكم الذي يتزعم بل على تركيبة النظام المساندة للأول، المكونة من مؤسسات حزبية وسياسية ودستورية وامنية وعسكرية، التحوط كي لا تشجع حصيلة الانتخابات التشريعية المقبلة معارضي التجديد لمبارك او توريث نجله جمال على خوض معركة بالغة الشراسة في الانتخابات الرئاسية او بالأحرى لكي تجعلهم يعتقدون ان آمالهم في الانتصار ليست معدومة، الامر الذي يمدهم بمزيد من العزم والقوة والارادة. وهذا يعني انقضاض النظام على القوى المعارضة التي تشكل تهديداً فعلياً له ولرئيسه، وليس قوى المعارضة الرسمية التي تبرر وجودهما والدور، مثل "الاخوان المسلمين" والليبراليين، علماً ان "الاخوان" يشكلون التهديد الابرز. وهذا امر بدأ منذ آخر انتخابات تشريعية وخصوصاً بعد الجزع الذي اثاره في قلب مبارك ونظامه فوز "الاخوان" وحلفائهم بـ80 مقعداً نيابياً في الدورة الاولى او بالأحرى بعد انتهاء الدورة الانتخابية الاولى. اذ استعملت الاجهزة المصرية كل القوة التي لديها، على نحو قانوني وغير قانوني، لمنع هؤلاء من زيادة حصتهم النيابية، ونجحت في ذلك، الا انها لم تكتف بهذا الامر بل تابعت على نحو منهجي منذ ذلك استهداف "الاخوان" في الداخل بكل الوسائل وتحريض العرب والعالم عليهم وخصوصاً بوصفها اياهم ارهابيين. وهذا وصف يقلق هؤلاء ويجعلهم يتغاضون بل يغطون اي قمع للارهاب ولكل من يقوم به وإن تحت شعار الاسلام وسواء كان ما يقومون به ارهاباً فعلاً او محاولة للوصول الى السلطة بطريقة ديموقراطية، علماً ان لا شيء يضمن في حال وصولهم هذا ان يسمحوا لغيرهم باستعمال الطريق نفسها للوصول الى السلطة.

طبعاً لا يمكن منذ الآن التكهن بالتطورات المحتملة في مصر التي لا بد ان تبلغ ذروتها في انتخابات الرئاسة عام 2011. لكن ما يمكن الاشارة اليه هو ان "الاخوان المسلمين" وسائر التنظيمات الاسلامية يطبقون سياسة السيطرة على المجتمع المدني والسياسي والشعبي بالاقناع متحاشين قدر الامكان مواجهة عنف مبارك ونظامه بعنف مماثل لانهم لا يريدون اعطاءه ذريعة لتوجيه ضربة قاضية اليهم باعتبارهم ارهابيين وتالياً لا يريدون ان يحصل مبارك ونظامه مسبقاً على دعم عربي ودولي يجعل من ضربهم امراً مقبولاً بل مطلوباً لـ"سلامة العالم" وخصوصاً بعدما عادت اميركا وغالبية المجتمع الدولي الى تبنّي نظرية ان الامن والاستقرار في العالم المتخلّف اهم وأفضل من الديموقراطية فيه. وهذه العودة ربما تدفع اصحابها الى مساعدة مبارك ليس على البقاء، شبه المستحيل، بل على التوريث سواء لنجله... او لـ"مؤسسته" العسكرية.

2010-03-13