ارشيف من :أخبار لبنانية

كيف ندخل فلسطين من باب أميركا؟!

كيف ندخل فلسطين من باب أميركا؟!

سليمان تقي الدين،السفير

ماذا يبقى من فلسطين إلى حين نضوج التسوية السياسية؟ على ماذا يفاوض العرب بعد تهويد القدس والجزء الأكبر من الضفة الغربية؟ وأي حق للعودة مع يهودية الدولة ونقل حدودها إلى حيث يثبت جنودها وقطعان المستوطنين؟ في عقدين من الزمن رسخت إسرائيل وجودها، وفي عقدين آخرين احتلت باقي الجغرافيا الفلسطينية، وضمت أجزاء من جغرافية الدول المجاورة... وفي العقدين الأخيرين شرعنت مشروعها لدى معظم النظام الرسمي العربي. هل نبالغ إذا قلنا إن بعض العرب صار ينظر إلى إسرائيل كجزء من التوازن الإقليمي وجزء من أمنهم؟ تحوّل الفشل العربي إلى عقدة خوف من استمرار الصراع والمواجهة ومن كل مَن ينخرط فيهما. أدار العرب ظهورهم لفلسطين وراحوا يغطّون عجزهم بتسليم مقاليد أمورهم لأميركا. أميركا هي الحاجز الأكبر بينهم وبين فلسطين. هي التي مهما تقلّبت عهودها تجد في إسرائيل الحليف والصديق كما يكرّر نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، «الصهيوني دون أن يكون يهودياً».

في المنظار الإسرائيلي ترى أميركا المنطقة، ومن خلال المصلحة الأميركية تؤدي إسرائيل دورها. الغرب خلق المشروع الصهيوني، والمشروع الصهيوني في خدمة الغرب. لم تتغيّر هذه المعادلة أبداً. لن تفتح طريق فلسطين إلا إذا تعرضت مصالح الغرب للمفاضلة بين الحقوق العربية وإسرائيل. الغرب يأخذ العرب في اتجاه آخر غير فلسطين. ثروات العرب مصادرة وكذلك إرادتهم. مَن كان يتخيّل يوماً أن الغاز المصري يسيل مباشرة إلى الدولة العبرية وتغلق الحدود العربية بوجه الفلسطينيين؟ مَن كان يتصوّر أن الدولة العبرية تضع شراكتها في الثروة المائية العربية في مقدمة مطالبها؟ مَن كان يعتقد أن تطبيعاً ولو تجارياً يخترق دولاً عربية بعيدة عن ساحة المواجهة؟ إسرائيل لم تهزم هذه الدول عسكرياً بل سياسياً ونفسياً.

هزمتهم لأنهم منظومة من الدول العاجزة والخائفة على سلطات حكّامها ونخبها. هزمتهم لأن أميركا أدخلتهم في علاقات التبعية لها. لم ينكسر المقاتل العربي، ولم يتخاذل المواطن العربي.

تخاذلت قيادة العرب لأنها صارت جزءاً من مصالح منفصلة عن شعوبها. لن نسترد فلسطين بمعركة عسكرية خلفها جبهة سياسية مسروقة لهموم واهتمامات وقضايا وأزمات. صرنا نخاف من النصر حتى لا نضيّعه في المساومة. المجتمع العربي مهزوم ولو انتصر في معركة، لأنه لا يستشعر تقدماً في حقوقه ونمط عيشه. حتى الكرامة الوطنية صارت مجتزأة في مجتمعات منقسمة على ذاتها.

الأقلية الصهيونية المحاصرة بالصواريخ تشتغل على المجتمع العربي أكثر مما نشتغل نحن عليه. تجتذب تيارات سياسية وتجتذب العملاء. تدير نظاماً أمنياً إرهابياً في العالم وتتسلّط على المجتمع الدولي. إسرائيل تبيع دولاً كبرى صناعات متقدمة خاصة في السلاح. ما زلنا نستورد مصافي النفط أو النفط المكرّر ونستورد الغذاء في أرض المياه الضائعة في البحار.

تملك إسرائيل أحدث أسلحة الدمار ولا نعرف كيف نبرّر امتلاكنا بضعة آلاف من الصواريخ لا تحميها إلا جبالنا وودياننا ومغاورنا وعزيمة المقاومين. نكاد نجعل المقاومة نقيصة والكرامة الوطنية عيباً ونحاور في ما بيننا على كيف نعيد التاريخ إلى الوراء، ونختبئ تحت ألف ذريعة على لعبة السياسات الطائفية التابعة الذليلة لاستمرار صفاء عيشها. نستعطي صداقة أميركا ونحن ندرك أنها لا تقيم لنا وزناً أو اعتباراً ما لم نتمسك بحقنا ونثبت عليه.

نحاكم الرأي السياسي ولا نحاكم الخيانة العظمى. ارفع راية طائفتك «وقل ما يدهش العالم». خذ مال الدولة واصنع مجداً. اسند ظهرك إلى كنيسة أو جامع أو قبيلة أو عصبية وخذ أهلهم إلى الهلاك تصير بطلاً. أعظم تجارة هي الخوف وأكبر ضحية هو الحق، وأنجح سياسة هي الإفقار، وأبلغ فكرة هي الكذب!

قلنا: «السلام خيارنا الاستراتيجي»، كأننا من قبل ملأنا البر حتى ضاق عنا ـ وظهر البحر نملأه سفينا». كنا نشجع إسرائيل على استراتيجية الحرب. لا يصنع السلام إلا موازين القوى. نحن العرب كنا نصنع العجز.
العجز لم يكن عن ضعف بل عن غياب الوعي والإرادة. ليس أقوى من الحاكم العربي حين يقمع شعبه. ليس أسخى من الحاكم العربي وهو يشتري سلاحاً لمواجهة تريدها أميركا، في كل حروب الخليج وعلى جبهاته المتعددة.

لم نعد نسأل أنظمة العرب أن تحارب من أجل فلسطين بل نسألهم ألا ينضموا إلى أعدائها. كنا في الماضي نعتقد أن الصراع العربي الإسرائيلي عائق أساس في وجه التقدم العربي. خرج معظم العرب من هذا الصراع وها هم في قعر سلّم التقدم. شرّع وزراء الخارجية المفاوضات غير المباشرة فكشفت إسرائيل عن مشروعها لابتلاع القدس.

صرنا نخاف من كل اجتماع عربي أن يغطي المزيد من العدوانية الإسرائيلية. يستخدم العرب شرعية الجامعة العربية لمحاصرة ما بقي من مقاومة. النظام الرسمي العربي يحاصر فلسطين وإسرائيل تغتصبها...

2010-03-13