ارشيف من :أخبار لبنانية
امتحان دمشق للحريري وجنبلاط: مَعَنا كلّياً أو لا
نقولا ناصيف، الاخبار
ما إن يقول رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي، النائب وليد جنبلاط، اليوم السبت، آخر الكلام للرئيس السوري بشّار الأسد وللشعب السوري، واضعاً خطّاً نهائيّاً بين ما كان عليه منذ عام 2005 وما سيكون عليه مستقبلاً، تصبح زيارته لدمشق واردة في أيّ وقت. يتطلّب ذلك أيضاً أن يكون آخر الكلام آخر ما ينبغي أن يرضي سوريا من أجل أن تستعيد مع جنبلاط علاقة جديدة ـــــ قديمة.
لن تكتفي العلاقة الجديدة بالمصالحة الشخصية بين الأسد وجنبلاط ـــــ وهي أساس الزيارة وجوهرها ـــــ بل ستمهّد لتوازن قوى داخلي يرخي ظلاله على المرحلة السياسية المقبلة. اليوم السبت موعد حسم الخيار والموقع السياسي، أما زيارة دمشق فهي للمصالحة الشخصية. بعدها، لن يكون في وسع الزعيم الدرزي الدفاع عن الوسطية وتبريرها، ولا اتخاذ موقع له فيها على نحو ما صوّر منذ 2 آب 2009، عندما جهر بانسحابه من قوى 14 آذار. على مرّ هذه الأشهر، كان في حاجة إلى وسطية تدير له المرحلة الانتقالية من معسكر إلى نقيضه، ومن العداء لسوريا إلى التحالف معها.
كان الرهان على وسطيّة غامضة أوحت بتحوّل جنبلاط جزءاً لا يتجزأ من المجموعة السياسية المحيطة برئيس الجمهورية ميشال سليمان، أو الكتلة المؤيدة لخطه الوسطي بين طرفي النزاع في 8 و14 آذار، في انتظار أن يطرأ تطور ملموس على علاقته بسوريا. عندئذ يجري الانتقال الأخير الموازي في نتائجه للصدمة التي كان قد أحدثها لدى حلفائه وخصومه في آن، في 2 آب. طوال هذا الوقت، لم يبرهن الزعيم الدرزي على ثبات في تلك الوسطية، ولا على صدق إيمانه بها وجدّيّة نظرته إلى فحواها كلما كان يذكر المقاومة وسلاح حزب الله وفلسطين والمواجهة مع إسرائيل والعلاقات المميّزة مع سوريا.
ولأنه أحد أكثر العارفين بالعقل السوري، وبالطريقة التي تشترطها دمشق لبناء تحالف معها، لا يستطيع جنبلاط إلا أن يصبح بعد مقابلته الرئيس السوري شريكاً جديداً في قوى 8 آذار. والمقصود بذلك ـــــ سواء أُبقيت هذه التسمية أو اضمحلّت ـــــ وجوده في المحور الذي تدعوه دمشق خيار المقاومة، جامعاً ـــــ إلى حزب الله ـــــ رئيس المجلس نبيه برّي والرئيس ميشال عون والنائبين سليمان فرنجية وطلال أرسلان والأحزاب والشخصيات الحليفة تقليدياً لسوريا. واقع هذا المحور أنه جعل خيار المقاومة شرطاً ضرورياً للقول بعلاقات مميّزة لبنانية ـــــ سورية. هكذا، لم يعد اتفاق الطائف قياساً وحيداً لبناء علاقات مميّزة بين البلدين.
يفضي ذلك إلى معيارين آخرين، متلازمين أيضاً لإرساء تحالف سياسي بين سوريا وأيّ من الشركاء الجدد في هذا التحالف. وما صحّ منذ عام 1977 على جنبلاط، وتباعاً على الحلفاء الآخرين الدائرين في الفلك السوري، يقتضي أن يصحّ أيضاً على العلاقة الجديدة بين سوريا ورئيس الحكومة سعد الحريري. وكان ذلك قد صحّ قبلاً على علاقتها بوالده الرئيس الراحل رفيق الحريري:
أولهما، أنه لا أحد يستطيع أن يكون حليفاً لسوريا، وهو يضع قدماً في بورها، وأخرى في فلاحة سواها. يصبح الأمر أكثر تعقيداً عندما تكون القدم الأخرى في المكان الذي تعدّه دمشق معادياً لها، أو مشبوهاً أو صاحب مشروع مناوئ وخطر على استقرارها انطلاقاً من لبنان، ما يوجب محاربته.
قاعدة كهذه أدركها جنبلاط عميقاً وخَبِرها على علّاتها ونتائجها. وكأبيه، مسكون بالمغامرة الخطرة التي تستحق أحياناً ـــــ تبعاً لعبارة الراحل ـــــ العناء، مكث الزعيم الدرزي في الخيار السوري 28 عاماً (1977ـــــ2005)، وفي الخيار المعادي لدمشق خمس سنوات (2005ـــــ2010). كان بكليّته في الخيار الأول، وكذلك بكليته في الخيار الثاني. بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ذهب إلى سوريا، وقال للرئيس حافظ الأسد إنه معه في مواجهة الحكم الجديد في لبنان حينذاك، حتى أتيح لهما قلبه رأساً على عقب. وعندما اغتيل الحريري الأب عام 2005 لم يتردّد في خوض معركة ضارية مع سوريا بلغت حدّ إدانتها عبر التحقيق الدولي ثم المحكمة الدولية، ومجاراة استعداد دولي ظهر جدّياً بادئ بدء في إسقاط نظام الأسد. لم يُعرف عن البيت الجنبلاطي مرة وسطيته، بل نُظِرَ إليه باستمرار على مرّ تاريخه باعتباره مجازفاً، يصنع المغامرة وأخطارها من غير أن يتيقّن من انتصاره فيها. هو أحد قلة من بيوت سياسية لبنانية لا يُشهد لها بالوسطية، بل إنها رأس حربة المواجهة. وعلى قِصَر تجربته السياسية منذ خمسينيات القرن الماضي، يتّسم بيت فرنجية بطباع مماثلة.
ثانيهما، أن النظام السوري لا يستسيغ معادلة تنازل في مقابل تنازل، وخصوصاً عندما تكون المقايضة بين طرفين غير متكافئين على غرار علاقته بلبنان، إبان وجود جيشه على أراضيه، وقبل ذلك منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي وصولاً إلى مرحلة 2005ـــــ2008. لا يُقدّم في لبنان تنازلاً لأن الطرف اللبناني كان قد قدّم له تنازلاً.
قلّما قرنت دمشق تنازلات مؤلمة، أُرغمت عليها، بأنها استجابة لمطلب لبناني، وإن أدّت في نهاية المطاف إلى مصلحة لبنان. عندما سحب الرئيس السوري جيشه من هذا البلد عام 2005، عزا السبب مراراً إلى تنفيذ القرار 1559، وفي أكثر من مناسبة لاحقة قال إن سوريا طبّقت الشقّ المتعلق بها في هذا القرار، وهو انسحاب جيشها النظامي واستخباراتها العسكرية. وعندما أعلن للمرة الأولى التبادل الدبلوماسي بين لبنان وسوريا عام 2008، كان في قرارة نفسه يقدّم تنازلاً للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمجتمع الدولي، على أبواب تطبيع علاقته بهما.
مع ذلك، في هاتين الحالين وسواهما، كانت سوريا تتخذ قرارها في توقيت يُراد أن يعبّر عن سيادتها، فلا توحي أنه كان تحت وطأة ضغوط المجتمع الدولي وتهديده، بل تعيد اتخاذه إلى اتفاق الدولتين السورية واللبنانية. ولا يرمي ذلك إلا إلى أنها لا تقدّم تنازلاً جوهرياً إلا عندما ترغم عليه، من غير أن تكون سبّاقة إليه. إلا أنها لم تنظر يوماً إلى العهود اللبنانية المتعاقبة التي رافقت نفوذها العسكري والسياسي في هذا البلد، وخصوصاً إلى الرئيسين الأكثر تجسيداً لعلاقة التحالف الوطيد بها، إلياس الهراوي وإميل لحود، وفق قاعدة متساوية ومتوازنة. كان على لبنان أن يعطيها لطمأنتها بدءاً من داخله، وكان عليها ـــــ ولعلّها ترى ذلك ثمناً مقابلاً ـــــ ضمان استقراره الداخلي.
بالتأكيد، لا ينتظر جنبلاط من دمشق تنازلاً أو أكثر ثمن رزمة التنازلات التي وجد نفسه مرغماً عليها، كي يستعيد معها تحالفاً قديماً، إلا أن على رئيس الحكومة أن لا يتوقع علاقة متكافئة وندّية ومميّزة في الوقت نفسه، تفضي إلى أن تبادله سوريا تنازلاً يقدّمه بآخر.
عندما استقبلت دمشق رئيس الحكومة في 19 و20 كانون الأول 2009، لم تنظر إلى زيارة كان قد وصفها بالتاريخية باعتبارها تنازلاً ـــــ أو تضحية أبرزَها بإفراط أنصاره وحلفائه ـــــ يقدم عليه، بل تصحيحاً لخطأ جسيم تعتقد سوريا أن الحريري وفريقه السنّي ارتكبه في حقها، سواء باتهامها باغتيال والده أو بإطلاق موجات عداء سياسي وشعبي لم يخلُ من نزعات مذهبية ضدها. وعندما عزم الحريري على فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، لم تنظر دمشق إلى هذا الموقف إلا في كونه تصحيحاً آخر لانحراف طرأ على مسار تقليدي في علاقات البلدين، وتخلّياً عن جعل لبنان موقعاً لخوض معركة إقليمية أو دولية ضد النظام السوري.
والواضح أن سوريا أدركت باكراً، وخصوصاً بعد مصالحتها مع السعودية، أنه لا يسع الحريري الوصول إلى رئاسة الحكومة، ولا التمكّن جدّياً من ممارسة الحكم في ظلّ عداء مستحكم بها. كذلك، لا يسعه ـــــ ولا يريد هو بالتأكيد ـــــ أن يكون في رئاسة الحكومة على صورة الرئيس فؤاد السنيورة على رأس حكومة عام 2005، مناوئاً لها وممسكاً بغالبية وزارية، لكنه عاجز وإيّاها عن ممارسة السلطة بحكومة معطلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018