ارشيف من :أخبار لبنانية
وليــد وتيمــور والدروس المكلفة
كتب واصف عواضة - السفير
ما من أحد في لبنان يمتلك «الجرأة المفرطة»، أو على الأصح الجموح الذي يبلغه وليد جنبلاط عندما يخاصم. وفي المقابل ما من أحد يملك الشجاعة التي يختزنها عندما يعيد حساباته فينكفئ ويصالح. يذهب جنبلاط إلى أبعد مدى في المرحلتين، رحلة الذهاب ورحلة العودة، وغالبا ما تكون الدروس مكلفة للبلد وللطائفة الدرزية وله أيضا.
عندما اغتيل كمال جنبلاط في 16 آذار 1977 أي قبل ثلاثة وثلاثين عاما، لم يكن وليد قد بلغ الثامنة والعشرين من العمر، ولعله شعر مبكرا بثقل العباءة التي ألقيت على كتفيه، ولم يكن قد تحضّر لها جيدا، حتى أن الزعيم الراحل لم يكن قد هيّأ تماما نجله الوحيد لهذه التركة الثقيلة. وكان على الزعيم الشاب ان يخوض تجارب مضنية، نجح في بعضها وأخفق في البعض الآخر. ولعل أهم ما نجح فيه في تلك المرحلة انه عرف كيف يتجاوز الأحقاد التي أورثه إياها الشهيد الراحل، فذهب الى دمشق في أربعين كمال جنبلاط وقال للقيادة السورية بشجاعة مفرطة انه لن يسمح لمقتل كمال جنبلاط بأن يغتال موقفنا القومي.
سامح وليد جنبلاط في ذلك الحين ولم ينس. قالها في أكثر من مناسبة، وكان اختزان الحدث الكبير طوال أربعة وثلاثين عاما مكلفا أيضا. أول أمس وعبر قناة «الجزيرة» قرر وليد ان يسامح وينسى، وهو تحول له ما بعده، لأنه لا يريد ان يورث تيمور وليد جنبلاط والاجيال المقبلة أحقادا ورثها عن كمال جنبلاط، وحملها طويلا تحت إبطيه. بعد اربعة وثلاثين عاما يفاضل جنبلاط بين التهور والحكمة، فيختار الحكمة، لأنه يعرف جيدا ان التهور لا يودي به وحده، بل يجرف معه الكثير من الأقربين والأبعدين.
في كتابه «كمال جنبلاط الرجل والأسطورة» كتب ايغور تيموفييف: «كان ربيع 1976 بالنسبة الى كمال جنبلاط فترة الخيار الأخلاقي البالغ المسؤولية. فالتحدي السافر الذي واجه به دمشق يبدو لبعض المراقبين مغامرة محكوما عليها بالفشل مسبقا، بل لعلها أقرب الى الجنون. فهو عندما راهن على الحسم العسكري ألقى في حومة الرهان بكل ما يملك. وهو ربما لم يكن يتصور بالكامل العواقب المحتملة لتصرفاته».
لم يكن كمال جنبلاط متهورا، بل كان حكيما ومبدئيا. وقد تعلم وليد الكثير من تجربة والده الذي ذهب بعيدا ولم يعد، او على الأصح قرر الا يعود، فحمل الإبن طويلا اعباء هذا القرار الشجاع. اليوم لا يريد وليد جنبلاط ان يحمل خليفته ولا الدروز أعباء مضاعفة. ولعل تيمور ينظر اليوم بصمت مطبق الى تجربة والده ويستفيد منها. وغدا عندما يضع وردة على ضريح جده في المختارة، سيفتح صفحة بيضاء ليكتب فيها بدقة متناهية تاريخا جديدا لزعامة المختارة. وهو في النتيجة يعرف ان والده انسان، يخطئ ويصيب، وكانت «لحظة تخل» كما قال، وجل من لا يخطئ. فهل يستطيع الرئيس بشار الأسد تجاوز هذه المرحلة؟
لقد كانت الفحوص السورية حتى الآن قاسية، وفي مستوى قسوة جنبلاط في الأعوام الماضية. لقد ذهب وليد في «حكمة العودة» الى أبعد مدى فقرر ان يعترف بالخطأ ويسامح وينسى. ولعل لدى بشار الأسد الكثير من الحكمة ليلاقي جنبلاط في آخر الطريق، فيسامح ويتجاوز وينسى وإن غدا لناظره قريب .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018