ارشيف من :أخبار لبنانية

المحكمة أو الخرطوشة الأخيرة!

المحكمة أو الخرطوشة الأخيرة!
كتب ابراهيم الأمين - الاخبار

الشرعية القانونية للمحكمة الدولية الناجمة عن قرارات مجلس الأمن الدولي وموافقة الحكومة اللبنانية، ليست كافية لمنح هذه المحكمة أي شرعية أخلاقية أو إنسانية تتيح لها التصرف بأحوال شعب وشعوب وبلد وبلاد. وكل المحاولات التي يبذلها العاملون في المحكمة أو الراغبون فيها أداةً لكشف حقيقة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لن تكون كافية لمنح هذه السلطة الصالحة لاتخاذ قرارات من النوع غير القابل للتشكيك. وباعتبار أن العدالة لا يمكن تجزئتها، فإن الثقة أيضاً لا يمكن أن تجزأ، ومن يرتكب خطأ مهما كان حجمه، فعليه معالجته كي يكون قادراً على مواجهة الآخرين.

كل رجالات المحكمة الفاعلين أو المساعدين لا يتوقفون عن إطلاق المواقف التي تريد إيهامنا بأنهم يعملون بجد. ثم يخرج علينا رئيس المحكمة متحدثاً عن تقدم، ويعطي تقديرات توحي بنتائج بين يوم وآخر، وسرعان ما يعود إلى الطلب من المعنيين التحلي بمزيد من الصبر، وأن الأمور قد تأخذ وقتاً إضافياً. فيما مكتب المحقق العامل تحت سلطة المدعي العام، يشهد تغييرات كل فترة، يخرج رئيس ويدخل آخر، تنتهي عقود محققين ومحللين، ويأتي آخرون يبدأون العمل، وما إن ينهون قراءة الملفات، حتى تكون عقودهم قد انتهت، فيعودون إلى منازلهم، وهكذا دواليك، وفي هذه الأثناء على المكلف اللبناني أن يدفع من جيبه الفارغ أصلاً عشرات ملايين الدولارات التي نحتاج إليها من أجل تحديث مؤسسات القضاء عندنا ومن أجل جعله أكثر عصرية وأكثر استقلالية وإنتاجية.

وبرغم أن هذا الكلام لا يعجب البعض من فريق الادعاء السياسي الذي يعيش حالة انفعال الآن، لأنه ـــــ والله أعلم من أين يعرف ماذا يجري في المحكمة ـــــ سوف يحصل أن تقدم المحكمة على خطوات عملية تقود إلى نتائج «ثابتة» في رأس هذا الفريق بأن من سيقف في قفص الاتهام هو نفسه من ورد اسمه أو جرت الإشارة إليه في تحقيقات توالت على نشرها ثلاث صحف ومجلات فرنسية وألمانية، الفيغارو، دير شبيغل ولو موند. وبكلمة واحدة مجموعة قريبة أو تابعة لـ«حزب الله».

مشكلة فريق الادعاء بكل وجوهه السياسية والأمنية والإعلامية، أنه عندما يعرض لهذا الأمر، لا ينتبه إلى إضافاته، وإلى الإشارة إلى أمور تعدّ مكملة لما ورد في التقارير المنشورة في الصحف الأجنبية، تضاف إليها إشارة إلى أن الاستخبارات السورية هي التي تقف خلف هذه المجموعة، وربما لا يكون لحزب الله علاقة بها، أو أنها ربما شكلت خلية مستقلة لا تأخذ أوامرها من القيادة، إلى آخر ما قادتهم إليه المخيّلة نفسها، التي أنتجت شبكة من شهود الزور، تولّوا الإعلان عن سيناريوهات وضعها من هم في دائرة الادعاء، لكن المشكلة أنها كانت سخيفة إلى حدود، كشف معظمها بعد ساعات من إعدادها.
 
لكن المشكلة هي أن الجرائم التي نتجت من هذه الفبركات ظلت قائمة لسنوات ولا تزال حتى الآن، وربما يدور في خلد مجموعة الادعاء السياسي نفسها، ومن يملك قرار المحكمة، أي الولايات المتحدة الأميركية، أنه يمكن تكرار اللعبة نفسها، بحيث يصار إلى توجيه اتهام إلى جهة، ويبدأ الحصاد السياسي لمصلحة هذه الخطوة، ولا بأس إن كشفت التحقيقات الجدية لاحقاً أنها غير صحيحة، وينتهي الأمر باعتذار، على طريقة الاستخبارات العربية وعباراتها الأخيرة: آسفون!

ما يجري الآن هو على هذا المنوال، وثمة تفاصيل مرعبة عن هذه الحكاية، منذ لحظة تكوّنها كفكرة، إلى مستوى صياغتها كسيناريو متكامل، علماً بأنه يجب مناقشة ما هو الأجدى: هل يجري الكشف مسبقاً لمنع الفتنة، أم يجري فضح المفبركين بعد وقوع الخطأ؟ لكنحقيقة الأمر، أن الولايات المتحدة سوف تقرر في لحظة ما، إذا كانت ستُدخل لبنان في امتحان الجنون من جديد أو لا. ولأن مصلحة الولايات المتحدة مع مصلحة إسرائيل ومصالح الحلفاء من دول المنطقة والغرب، تقضي بمحاصرة تيار المقاومة في لبنان، ولا سيما حزب الله في لبنان، وبعد فشل كل الوسائل بما فيها الحرب الشاملة عام 2006 إلى القتنة الداخلية إلى محاولات الحصار وخلافه والتهديدات، لم يبق في اليد سوى حيلة المحكمة الدولية، والسعي إلى تركيب اتهام لحزب الله تكون نتائجه كارثة على لبنان، ليس بغية تحسين شروط فريق على فريق، بل لأجل تحقيق هدف واحد: ضرب المقاومة.

إن الذين يستعجلون نتائج من هذا النوع من المحكمة، هم المقتنعون مسبقاً بنتائجها السياسية، وهي الإشارة الأكيدة إلى الخلفية السياسية لعمل المحكمة، وبالتالي يصعب على أحد في العالم إقناع أي عاقل في العالم نفسه بأن هذه المحكمة محايدة، وأن ما تقوم به يتّسم بالموضوعية والنزاهة.

ثمة بديهيات، فإذا لم تبادر المحكمة نفسها، وليس أي أحد آخر، إلى التحقيق في شبكة شهود الزور، وفضح من يقف خلف هذه الشبكة ومحاسبته ومحاكمته، فإن من الصعب على أحد أن يوفر أي نوع من الحصانات الأخلاقية أو الإنسانية أو القانونية لما سوف تقوم به المحكمة، بمعزل عن نتائجها... أما المقاومة، فلن يمسّها مجنون هنا أو هناك بسوء!

2010-03-19