ارشيف من :أخبار لبنانية
منع تعاظم القوّة
فقدت إسرائيل الأمل بمنع التواصل العملياتي بين سوريا وحزب الله. وجاءت قمة دمشق بين الرئيسين بشار الأسد وأحمدي نجاد والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله لتقضي على الأوهام بأي نتيجة لمساعي ضرب سلسلة المقاومة من وسطها. حتى إن عدم مشاركة قائد حماس خالد مشعل في هذه القمة، لم يعد حصر التحالف بين إيران وسوريا وحزب الله، بل أشير إلى أن علاقة حماس بهذه الأطراف الثلاثة تجاوزت حدود التحالف التقليدي بين خصوم لعدو واحد، حتى أصبحت المقاومة في فلسطين جزءاً من الأمن الاستراتيجي لمحاور الأطراف الثلاثة.
قبل ذلك، كانت إسرائيل قد فقدت الأمل في ردع مباشر لحزب الله عن القيام بإعادة بناء قوته العسكرية وفق منظومة قتالية مختلفة. جاء القرار 1701 وانتشار جنود القوات الدولية، وهوامش منتزعة خارج بنود القرار الدولي للوحدات الفرنسية والإسبانية والإيطالية، كل ذلك لم ينفع، ومعه لم تنفع تقارير تيري رود لارسن، وكل منظومة ضبط الحدود لم تحل دون وصول ترسانة ضخمة من الأسلحة إلى المقاومة في لبنان. إسرائيل تقول إن جزءاً من هذه الترسانة نشر حتى جنوبي نهر الليطاني أيضاً. لكن التقارير الرسمية لقوات الطوارئ تنفي وجود إثبات على ذلك. وحزب الله يرفض الإشارة إلى الأمر.
حصل أن أعلنت المقاومة مرة واحدة قيام مجموعات منها بتفكيك أجهزة تنصّت إسرائيلية وضعت على خطوط شبكتها الخاصة قرب حولا. يومها شاهد الإسرائيليون وبحضور قوات اليونيفيل والجيش اللبناني ومن تسنّى له من الأهالي، مجموعات متخصّصة من سلاح الهندسة في المقاومة تقوم بعملها. لكن لم يكن أحد منهم يحمل مسدساً أو يرتدي ثياباً عسكرية.
قبل ذلك أيضاً، فشلت إسرائيل في ردع قيادة حزب الله عن المضي في خطة بناء جهوزية من نوع خاص. جاء اغتيال القائد العسكري الحاج عماد مغنية بهدف تصفية حساب قديم، وبهدف توجيه ضربة إلى الخطط الجديدة التي قامت بعد حرب تموز. لكن الذي حصل هو أن رجال مغنية ورفاقه أكملوا ما كان قد خطط له، وأضافوا ما كان يأمل به الراحل. وترافق ذلك مع فشل محاولات ردع سوريا عن القيام بتوفير عناصر الدعم اللوجستي للمقاومة.
الغارة على دير الزور لم تغيّر في الوضع. واغتيال العميد محمد سليمان لم يعدل في خطط بشار الأسد. والرسائل المتتالية إلى دمشق عبر الأتراك والأوروبيين والأميركيين وآخرين، لم تغيّر في موقف الأسد الذي كان يردّ بالمزيد من الانتماء إلى هذه المهمة. أما المغريات فقد وضعها جانباً منذ اليوم الأول.
مرعاما 2007 و 2008 من دون تحقيق أي نتائج على صعيد خطة احتواء عملية بناء القوة لدى المقاومة في لبنان. لكن إسرائيل واجهت بعد أشهر قليلة أزمة من نوع مختلف: الأمر لا يقتصر على تعزيز قوة حزب الله في لبنان، بل إن «محور الشر» يعمل بمساعدة حزب الله على نقل التجربة إلى قطاع غزة، وهناك عملية بناء لقدرات حماس وبقية فصائل المقاومة، بطريقة تشير إلى أن العدوان على القطاع لم يحقق نتائجه السياسية ولا نتائجه العسكرية.
وفي الوقت نفسه، صار قادة العدو يعدلون يومياً في تعدادهم لكمية الصواريخ الموجودة لدى حزب الله. وبعدما فقدوا الأمل في وقف عملية التزود بصواريخ مدمرة ذات أمداء كبيرة ودقة إصابة مميزة، باتوا يتحدثون عن السلاح الكاسر للتوازن، ويشرحون أن الحديث يدور عن أنظمة متطورة للدفاع الجوي، تُنقل من روسيا إلى سوريا فحزب الله، أو من إيران إلى سوريا فحزب الله. وقد تراكمت التهديدات حتى بلغت ذروتها عشية تصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم التي أشارت إلى أن أي اعتداء إسرائيلي على سوريا سوف يواجه بحرب تنتقل إلى قلب المدن الإسرائيلية. يومها لم يفهم أحد حقيقة الأمر.
وسرعان ما وصل أحمدي نجاد، وعقدت القمة الثلاثية، ثم انطلقت الدبلوماسية الأميركية نحو تهدئة الأمور، وتوقف عدّاد إسرائيل عن العمل، وتراجعت التهديدات القاسية، واتخذت على الأرض خطوات عملانية، بينها وقف العمل بخطوة عسكرية ـــــ أمنية ضد هدف داخل الأراضي السورية.
وسط كل ذلك، لم يكن حزب الله مستعجلاً الإعلان عما يملكه من صواريخ كالتي أشار إليها أمينه العام في خطاب 16 شباط. لكن الدافع الرئيسي، كان ضمن سياق ما انتهت إليه قمة دمشق، بأن الرد على أي عدوان إسرائيلي على لبنان أو سوريا سوف يواجه بحرب شاملة، وأن هذه الحرب تحتاج إلى أدواتها. وما قاله السيد نصر الله هو أن الجهوزية الدفاعية والهجومية باتت جاهزة للعمل. كانت تلك الإشارة الأكثر خطورة خلال كل الفترة التي مرت على حرب تموز.
من يومها، صارت إسرائيل تجد نفسها أمام خيارات محدودة، وهامش المناورة يضيق أمامها، وكل الخطط التي وضعتها بقصد الردع أو التهديد أو الضغط انتهى مفعولها، لكن ذلك لا يحول دون بقاء جدول أعمال قياداتها السياسية والأمنية والعسكرية يتضمّن في رأس أولوياته بنداً رئيسياً: كيفية الحد من تعاظم القوة النوعية لدى الطرف الواقف قبالتنا في الشمال. لم يعد قادة إسرائيل يريدون من كل أجهزة الأمن سماع نتائج العدادات التي لا تتوقف عن العمل.
صاروا يريدون تفصيلات مهمة، تتصل بنوعية ما يصل ونقاط التمركز والانتشار. وهو الأمر الذي يحتاج إلى بنية استخبارية استثنائية... وهذا ما يفسر الاحتدام القائم حالياً لحرب الجواسيس على ضفتي الحدود!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018