ارشيف من :أخبار لبنانية
تخريب الانتخابات ومنعها ردّ منطقيّ على منع الإصلاح
كتب ابراهيم الأمين - الاخبار
لا يبدو أن لبنان سيكون أمام فرصة التقيّد بالإصلاحات السياسية والحقوقية المفترضة في تحديث قوانين الانتخابات.
وكما في كل شيء، يغرقنا السياسيون بخطب ومواقف وشعارات لا يلتزمون بأيّ منها. وغبيّ، كل مواطن يصدّق ما يقوله أكثر من 95 في المئة من السياسيين المنتخبين للمجلس النيابي أو المختارين لعضوية الحكومة. وغبيّ أكبر من يراهن على إمكان حصول تغيير جدي في النظام السياسي اللبناني من خلال هذه المؤسسات البالية والهادفة إلى أمر واحد: تجديد النظام من خلال استخدام دماء الناس وعرقهم وثروات بلدهم. وليس هناك من حجّة عند أحد من المتضرّرين من هذا النظام لكي يظلّ موافقاً على ما يجري بحقّنا كل يوم.
ليست البلاد الآن جاهزة لثورة من النوع الذي قرأنا عنه في التاريخ الماضي أو القريب. والقابضون على أرواح الناس وعقولهم من أمراء الطوائف والمال والدماء، لن يتركوا المجال لأحد لكي يدخل تعديلاً من شأنه مراكمة تحولات تقود إلى بناء طبيعي للنظام عندنا، وإلى جعل المؤسسات تعمل بطريقة منهجية تقوم على فكرة أن ما يجري استثماره في المواطن من تعليم وصحة وعمل، إنما هو استثمار يضاف إلى القيمة الفعلية للبلاد وقاطنيها.
وهو الاستثمار الذي ينتج حرية حقيقية تمنع أن يستولي جهله علينا، وتمنع أن نكون تحت وصاية أحد، وتتيح لنا بناء بلد قادر على مواجهة مصيره بنفسه، وأن يختار مصيره وفق قناعات حقيقية، لا خوفاً ولا غصباً.
فريق الغرب من المسيحيين في لبنان لا يزال يغطي سياسات اقتصادية ودفاعية ودبلوماسية يتولى أمرها ورثتهم في السنّية السياسية، والبطريرك الذي خاف على عروبة لبنان، وصال وجال مع أبنائه من ثوار الأرز في التحذير من الخطر الإيراني، لم نسمعه يقول كلمة واحدة عن حليفه الأكبر، فؤاد السنيورة (بما يمثّل داخلياً وخارجياً)، وهو يوافق على بيع ملايين الأمتار لغير اللبنانيين. وبالطبع، لم يحتجّ قادة من الثوار بعدما تبيّن أنهم كانوا من السماسرة الذين قبضوا عمولتهم في ضوء النهار، لا في الليل. وفريق السيادة والحرية والاستقلال، لا ولم ولن يعترض على أي اتفاقية تعقد مع الولايات المتحدة الأميركية أو غيرها من الدول تتضمّن بنوداً تحرّض على قسم من اللبنانيين وتضع شروطاً تجعل أكثر مؤسسات البلاد حساسية تحت رحمة مجموعة من الغرباء الذين دمّروا المنطقة ولبنان، ولا يزالون منذ قرون عدة.
ابناء الثورة نفسها، لا يهتمّون بسؤال وليد جنبلاط عن سببه انتقاله إلى الضفة الأخرى، وهو انتقال، ولو تمّ بصورة تدريجية، لكنه انتقال كامل، ليس لأن سوريا وحلفاءها وضعوا عليه شرطاً بذلك، بل لأن طبيعة الصراع المحتدم في المنطقة وفي لبنان لا تحتمل حرفة الوسطية، وها هو الرئيس ميشال سليمان يدفع ثمن وسطية وهمية، جرى ابتداعها لتغطية التعثر في مشروع 14 آذار الأصلي. ومهما قيل في هذا الأمر، فإن مشكلة من بقي من وسطيين ليست في أن يطلقوا مواقف لا تغضب هذا أو ذاك. وهي معادلة غير حقيقية. ولو كان الوسطيون يريدون توازناً عاماً يحمي البلاد، فلماذا لا يُنتقد الطرفان المتنازعان، بدل العمل على إرضائهما.
لأن الوسطية لا تعني التخلي عن ثوابت مهما كانت كلفتها، مقابل البقاء على قيد الحياة السياسية، ثم إن التنازع القائم ليس على قطعة أرض أو مشروع قصر المؤتمرات، بل على خيارات استراتيجية ليس فيها من موقف وسط: هل نكون في قلب المشروع الأميركي ـــــ الإسرائيلي، ولو أخذ تسميات مختلفة، أم نكون في قلب المشروع الرافض للهيمنة الأميركية والتوسع الصهيوني وبقاء التخلف مسيطراً على النظام العربي. وليختر الوسطيون الموقف أو الجهة التي يريدون، لكن لا يمكنهم التحدث بلغتين، واحدة في الصباح وأخرى في المساء.
وبين التنازع السياسي، ومنع الإصلاحات ولو في حدودها الدنيا، ثمة ما يكمل لنا لوحة البازل أمامنا: إنها القطع التي تجعل شمس التبعية أكثر وضوحاً، أو رسم شجرة المصالح الطائفية المتجذرة في بنياننا الاقتصادي. وتكشف لنا أيضاً رأس الحصان الذي يقود العربة التي تحوي تشكيلاً من علمانيين، يجمعهم الجشع وسرقة المال العام.
وهل من خيار آخر؟
مرة جديدة، سوف تكون الانتخابات البلدية مناسبة للتعبير عن رفض آلية التجديد للنظام العفن، وهي مناسبة يمكن كلّ من يعتقد أنه تعرّض للخداع مرات ومرات أن يستغلّها جيداً، ولأن من الصعب الآن فرض تغييرات تتيح قانوناً عصرياً يمكن الاستناد إليه من أجل تعميمه على الانتخابات النيابية، فلا خيار سوى المقاطعة، وبين أن تكون المقاطعة عملية احتجاج سلبية صامتة، فإن الممكن والأفضل جعلها مقاطعة ناطقة، أي أن يلجأ الرافضون والمتضرّرون ومن يثقون بأنه لا خلاص للبنان إلا بالتخلي عن هذا النظام الطائفي والفاسد ورجالاته، أن يلجأوا إلى تحرك صاخب، فيه الصراخ، وفيه قطع الطرقات، وفيه تحطيم لمراكز الاقتراع ومنع رؤساء الأقلام من الوصول إليها، وتخريب العملية الانتخابية حيث أمكن.
حقيقة الأمر، أن واقع الطبقة السياسية القابضة على روح البلاد والعباد أقفل الأبواب أمام تغيير هادئ. والبديل من التحرك هو صمت الأموات، عندها من الأفضل لمن يعيد الثقة إلى هؤلاء الفاسدين عدم إزعاجنا بأنه معارض ورافض ومحتجّّ.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018