ارشيف من :أخبار لبنانية

مؤتمر لـ«المستقبل» وانقلاب إعلامي تمهيداً لـ«التطبيع» مع دمشق

مؤتمر لـ«المستقبل» وانقلاب إعلامي تمهيداً لـ«التطبيع» مع دمشق

كتب خضر طالب - السفير  

انتهى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط من توضيب حقيبته التي ربما يضطر إليها في استراحة قصيرة قد يحتاجها لإيقاظ بعض الحنين إلى الماضي في دمشق...

يذهب وليد جنبلاط بـ»كل صفاته وألقابه»، الموروث منها والمكتسب، فهو استهلك كل الوقت المتاح لكي يذهب بزخم أوسع شريحة ممكنة من جمهوره الذي عاد و»اقتنع» بخيارات زعيم المختارة الذي يلتقط من أعالي الباروك ونيحا إشارات السير في المنطقة، وبات يعرف كل الطرق السالكة التي توصل طائفته إلى برّ الأمان من دون مخاطر الانزلاق عند هذا المنعطف الإقليمي أو ذاك...

يدرس وليد جنبلاط جيداً تجربة «من استبقه» الخطى... يقيس كل خطوة، ويزيل العوائق التي قد تتسبب بتعثّرٍ يعيده إلى لبنان مليئاً بكدمات تترك آثاراً عميقة لا تزول في وقت قريب.

ويعرف وليد جنبلاط جيداً أنه معني باستدراك يؤمن له الحماية بين جمهوره وفي تحالفاته، حتى لا يقع في مأزق الشريك السابق ـ اللاحق في بيروت وعلى طريق دمشق، والذي أربكته تعددية الخطاب السياسي في فريقه، فنجح جنبلاط عبر خطواته الاستباقية في توحيد الخطاب العلني وتعطيل الخطاب الخارج عن الخيارات السياسية الجديدة... ولذلك فهو لن يعود من «حنينه» بأجندة عمل لاحقة، وإنما بخطة لتكريس الخطاب الجديد...

ربما من حظ وليد جنبلاط أنه مُنح ما يكفي من الوقت لصياغة هذا الواقع الذي يخفف عنه عبء ما بعد الزيارة التي قام بها على دفعات حتى صار حصولها عملياً مسألة طبيعية لدى جمهوره الذي لن يُصاب بالصدمة...
 
أما رئيس الحكومة سعد الحريري، الشريك السابق ـ اللاحق من ساحة الشهداء إلى العاصمة السورية، فلم يحصل على تلك الظروف المشابهة ولم يتهيأ، لا شخصياً ولا على مستوى جمهوره، لتلك اللحظة التي سيعانق فيها الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد ويتبادل معه القبلات، وهو ما أوقعه في الارتباك أكثر من مرة على المستوى الشخصي أو على مستوى فريق عمله ونوابه وإعلامه ومسؤولي تيار المستقبل الذين «عزف» كثير منهم على «نغمة» أخرى، مما هدّد بنسف ما قام به من خطوة نحو سوريا بدفعٍ سعودي ينتظر أن يتحوّل إلى رغبة شخصية تترجم إيماناً بالخيار الجديد لا إضطراراً إليه...

وبخلاف جنبلاط، كان على الحريري أن يتّخذ خطوات لاحقة تكرّس تموضعه السياسي الجديد، إلا أنه تأخّر في بعض الخطوات وتعثّر في بعضها الآخر وحُفرت له خنادق في محيطه الأقرب والأبعد... وسارع الحلفاء، بدعم من بعض المقربين الذين لا يجرؤون على مواجهة رئيس الحكومة، إلى الالتفاف حوله لتطويقه وقطع الطريق نحو المسار السياسي الجديد...

انتظر الرئيس الحريري بعد الزيارة حتى «تهدأ النفوس» في محيطه وبين جمهوره... لكن النفوس بقيت متأججة بفعل عدم «استسلام» الرافضين بحدّة للمصالحة مع سوريا والذين استمروا بضخّ شحنات التحريض، مما عطّل الخطوات المفترضة للرئيس الحريري الذي تبلّغ مراراً، مباشرة من حلفاء سوريا أو بواسطة المملكة العربية السعودية، عتباً شديداً على عدم اتخاذ الخطوات اللازمة لـ»تطبيع» مصالحته مع دمشق، وهو يتفرّج ويستمع إلى كلام صادر من محيطه، تسريباً أو على المنابر الإعلامية، يوحي بأنه هو نفسه يقف خلف مراميه التي تستهدف سوريا، ما يضطره في كل مرة إلى توضيح من هنا وسحب تصريحٍ من هناك واعتذارٍ بينهما وبياناتٍ تصحح بيانات...

كان كل ذلك كافياً لأن يعجّل الرئيس الحريري القرار المؤجّل منذ أشهر عندما أوكل إلى اللجنة الخماسية برئاسة أحمد الحريري درس أوضاع التيار.
وبالفعل، سلك هذا القرار طريقه نحو التنفيذ، حيث ينعقد يوم الجمعة المقبل ما يشبه المؤتمر التنظيمي الأول لتيار المستقبل في قريطم بمشاركة منسقي المناطق وأعضاء مجالس منسـقيات المحافظات، حيث سـيتم في خلال هذا المؤتمر تسمية أحمد الحريري المنسق العام، كما سيتم تعيين منسقي ومجالس المحافظات.

واستناداً إلى مصادر عليمة داخل «المستقبل»، فإن هذه التعيينات ستحاول خلق صدمة إيجابية داخل التيار وفي شارعه، برغم أنها قد تأتي بمن يُصنفون في خانة «الصقور» السياسيين إلى بعض المواقع القيادية.

ولعل الاجتماع الأخير بين سعد الحريري وإعلاميي مؤسسات المستقبل المرئية والمسموعة والمكتوبة كان واضحاً في دلالاته السياسية، حيث أعطى رئيس الحكومة ما يشبه أمر العمليات النهائي ليس بفتح صفحة جديدة مع دمشق بل وبطي كل صفحة الماضي معها، داعياً الى وقف التحريض ضد سوريا سواء مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، وقال ان كل أمر يتعلق ليس بالرئيس السوري بل وبكل محيطه يجب أن يكون موضع اهتمام إعلامي في المرحلة المقبلة، وعندما حاول بعض «صقور» الاعلام عنده مناقشته، حول «الهوامش المتاحة» لهم كان جوابه وجواب المستشارين الحاضرين أن باب الاجتهاد قد أقفل نهائياً وما يقوله «الشيخ سعد واضح».

في موازاة ذلك، ثمة قرار حاسم بوقف الصرفيات المالية التي لم «تعد هناك قدرة على تلبيتها»، كما كان في السابق يقول قيادي في «تيار المستقبل»...
ماذا يعني ذلك؟

في النقاش مع مسؤولين في «المستقبل» يتبين أن الرئيس الحريري ليس في وارد الاستمرار في سياسة الإنفاق المالي على الوتيرة السابقة التي كانت قائمة على مدى السنوات الخمس الماضية، وذلك لاعتبارات عديدة من أبرزها مثالاً لا حصراً:

ـ «شحّ» التدفقات المالية التي كانت تموّل المرحلة السياسية، وهذا أحد نتائج التفاهم السوري ـ السعودي.

ـ رغبة الرئيس الحريري بـ»تنقية» الحالة الجماهيرية لتيار المستقبل اليوم في ظل حالة الاسترخاء السياسي وغياب الحاجة إلى الزخم الجماهيري.
ـ فرض توحيد الخطاب السياسي لقيادات وقواعد «المستقبل» بما يناسب الخيارات الجديدة.

والواقع أن هذه الاعتبارات تشكّل حوافز أساسية مطلوب من الرئيس الحريري إنجازها قبل الزيارة الثانية إلى دمشق لـ»تطبيع» العلاقة معها بعد زيارة المصالحة والتعارف الأولى، وبالتالي فإن ما يسبق هذه الزيارة سيطوي عملياً بشكل حاسم مرحلة الارتباك التي أصابت «المستقبل» بعد الزيارة الأولى، من أجل فتح الباب على تموضع سياسي واضح «ينضبط» تحت مظلته كل من يريد السير في هذا الخيار ويخرج منه كل من لا يستطيع التأقلم مع الواقع الجديد لـ»المستقبل»...

لكن، هل ثمة إمكانية لبناء حالة جماهيرية من دون المال السياسي الذي كان «المستقبل» نفسه قد كرّسه كواقع؟

«ليس بسهولة»... تعترف قيادات في «المستقبل»، لكنها تستطرد للتأكيد أن هناك حاجة ملحّة لقرار كهذا، «نريد أن نعرف مَن معنا بالمال ومَن معنا بالقناعة.. نحن نعرف أننا سنواجه مشكلة، لكننا نريد أن نبدأ بخطوة»...

في إحدى «الحلقات» يدور النقاش في التفاصيل حول ما يملك «المستقبل» من مقومات: أيديولوجيا أو خطاب سياسي أم إنفاق مالي؟ «يتطوّع» أحد الحاضرين للدفاع: «خطوة لا بد منها اليوم لتأمين الاستمرار غداً»، يردّ آخر: «كيف ستوقفون المساعدات المالية للناس.. ومن سيغطي هذا العجز عنكم؟»، يندفع ثالث «سيضعف التيار ويصبح كغيره من القوى الأخرى في الشارع السنّي».. ينبري رابع «الرئيس نجيب ميقاتي سيكون البديل»...
في «حلقة» أخرى، كان النقاش محتدماً حول الرئيس نجيب ميقاتي في الشمال والدور الذي يمكن أن يلعبه في ظل تراجع زخم «المستقبل» والإمكانات المتاحة له... ثمة من يريد أن يتخلّى رئيس الحكومة السابق عن «وسطيته» وحسم خياراته «لا مكان للوسطية»، وثمة من يبرّر له هذا السلوك الذي هيأ له اليوم أن يكون «وريثاً» شرعياً لتيار المستقبل، وثمة من يرى أن لا خيار لمواجهة «المستقبل» إلا بالرهان على ميقاتي، لكن بين كل هؤلاء من يرى أن الفرصة أصبحت متاحة لميقاتي لكي يضم إلى صفوفه كل الذين يتفرقون عن «المستقبل» أو سيتفرقون بعد أن يتوقف عنهم الإنفاق المالي...

في إحدى الجلسات قيل للرئيس ميقاتي إن كل الذين سيتركون «المستقبل» سيأتون إليك، فأجاب باقتضاب له مدلوله «لم أتخذ القرار بعد إذا ما كنت سأستوعب هذه الحالة أم لا»!

2010-03-23