ارشيف من :أخبار لبنانية
صلوات أميركا وعظات إسرائيل
ليست الحرارة التي استقبل بها بنيامين نتنياهو في واشنطن، منبعثة من النار المتقدة في مدفأة البيت الأبيض من الجناح الغربي أمام طاولة العشاء الحميمة التي جمعته إلى باراك أوباما الذي اكتشف فجأة ما عاد وأكده نتنياهو نفسه بأنهم أصدقاء، وأن خلافاتهم تقع كلها تحت هذا السقف الدافئ، بل جاءت هذه الحرارة وعلى نحو واضح من ذلك الطريق التي اختاره نتنياهو للوصول إلى البيت الأبيض، بعد أزمة افترض أكثر المتفائلين بانفراجها أن تستمر على الأقل إلى ما بعد عودة أوباما من رحلته الآسيوية، والطريق الذي نعنيه والذي لا يغلق في وجهه باب في واشنطن من الكابيتول إلى البنتاغون إلى البيت الأبيض ليس سوى
لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية: إيباك.
جاء انعقاد المؤتمر السنوي لإيباك هذا العام، مناسبة مثالية لإعادة إنتاج الكيمياء السحرية التي تسري في عروق العلاقة الإسرائيلية - الأميركية، وهو إنتاج ما فتئت إيباك مسؤولة عنه منذ تأسيسها في أوائل خمسينيات القرن الماضي عندما اصطدمت بتعنت وزارة الخارجية إزاء طلباتها وصولاً إلى اصطدامها المباشر بالرئيس دوايت ايزنهاور الأمر الذي جعلها تغير اسمها وإستراتيجيتها في آن معاً، فاتجهت نحو المؤسسة التشريعية (الكونغرس) والنخبة الأميركية - السياسية والاقتصادية، حيث ستؤمن لها هذه الإستراتيجية على الدوام تنفيذ ما تريده من الإدارة التنفيذية الأميركية، ولا سيما إنجاز أهداف متوالية مرتبطة بإسرائيل ومصالحها، وهو ما عبّر عنه نتنياهو نفسه في خطابه في المؤتمر عندما قال (من رئيس إلى آخر، ومن كونغرس إلى آخر، ظلّ التزام أميركا بأمن إسرائيل ثابتاً لا يتزعزع). وعلى حين يأتي هذا الكلام في إطار وصف دقيق للالتزام الأميركي بإسرائيل وأمنها ومصيرها، فإنه يشير في الوقت نفسه إلى أن هذا الالتزام ليس سياسة استنسابية يكون الأخذ بها وفقاً لرؤية الإدارة أو الكونغرس، بل تحوّلت مع الزمن إلى أحد (المبادئ المطلقة) للسياسة الأميركية عموماً.
يمكن الانتباه إلى طبيعة التراكيب اللغوية التي استخدمها نتنياهو، ما جعل خطابه (عظة) لائقة برعية يفترض أن تستلهم منها توجهاتها ورؤيتها، (فالقدس ليست مستوطنة، بل هي عاصمتنا) ويضيف الواعظ ما عنده من معارف للشعب الجاهل: (في الحقيقة - كان يكذب ويزيّف) (أن الشعب اليهودي بنى القدس منذ ثلاثة آلاف سنة وهو يبني القدس اليوم)!.
في وقت تبدو فيه خطب المسؤولين الأميركيين أمام إيباك نفسها وكأنها تلاوة لصلاة سياسية، لكثرة ما فيها من تكرارات وخاصة الالتزام بإسرائيل ومصيرها والذي حسب هيلاري كلينتون - وكما جاء في صلاتها - التزام صلب صلابة الصخر.
لا تخفي هذه التعبدية الاحتفالية في هيكل إيباك، ذلك الخلاف الحاصل في الرؤية الإستراتيجية بين تل أبيب وواشنطن، وعلى حين أن الخلافات السابقة، كان يمكن حلّها على حساب الشعب الفلسطيني، يبدو راهناً أن هذا (الحساب) لم يعد يكفي وحده، نظراً للحسابات الأخرى المعقّدة وخصوصاً منها ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، الأمر الذي يشير إلى أن الطرفين يمكن أن يتوصلا إلى (تسوية ما) مؤقتة ريثما يتاح للإدارة الأميركية من امتحان إستراتيجيتها الإقليمية قبل الأخذ بالخيار الإسرائيلي في حال فشلها وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه إسرائيل. ومن المؤكد أنه إذا عادت إسرائيل إلى طاولة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، فإنها ستعمل ما أمكنها على جعل هذه المفاوضات استثماراً خاصاً للوقت اللازم للإدارة الأميركية، ما يعني تماماً أن هذ المفاوضات لن تصل إلى أي نتيجة، مهما كانت السلطة الفلسطينية مستعدة لإبداء التنازلات.
بهذا المعنى، لم يتراجع نتنياهو مطلقاً عن خطة بناء المستوطنات، وكل ما فعله في واشنطن لم يكن سوى منحها وقتاً إضافياً، بينما يواصل أعضاء إيباك لقاءاتهم مع أعضاء الكونغرس والتي تتجاوز الألفي لقاء خلال العام الواحد، أي بمعدل ستة لقاءات يومياً ما يجعل الكونغرس مقيماً داخل جدران هيكل إيباك.
ليست مصادفة أن يكون رمز هذه المنظمة نجمة العلم الإسرائيلي وهي تحتوي نجيمات العلم الأميركي، حيث قبالة هذا الرمز يتلو مسؤولو الإدارة صلواتهم السياسية بينما يواصل مسؤولو إسرائيل إلقاء العظات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018