ارشيف من :أخبار لبنانية
صورة القوّات تطاردها... حتى مع الحلفاء
يقف اليوم رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع في البيال، لمناسبة الذكرى السادسة عشرة لحل حزب القوات، ليوازن بين صورتين: القوات الجديدة التي تجاوزت منطق الحرب، والقوات الصامدة صاحبة التاريخ «النضالي»، التي يستحيل عزلها.
ستنشط ماكينة القوات اللبنانية ابتداءً من ظهر اليوم للقول إنّ القوات تجاوزت منطق الحرب، وهي تتجاوز يوماً تلو الآخر نظرة بعض اللبنانيين السلبيّة إليها، وتسير نحو المأسسة، ومحاولات العزل تفيدها أكثر مما تُضرّ بها.
المهرجان يعني للقواتيين الكثير، لكنه لا يثير اهتمام خصومهم. فبالنسبة إلى هؤلاء استفادت القوات في السنوات الخمس الماضية من «جوّ عام» يتراجع تفاعله مع قيادة القوات يوماً تلو الآخر. وبحسب الخصوم فإن القوات خسرت في السياسة خلال السنوات القليلة الماضية الكثير، وفقدت الكثير من رصيدها على صعيد ثقة المجتمع.
عملياً، سقط قرار حل حزب القوات اللبنانية في 26 تموز 2005 حين أُطلق سراح قائد القوات اللبنانية سمير جعجع. يومئذٍ، حدّد جعجع من مطار بيروت الدولي هدفين. فأوصى القواتيين بالتعاون «مع شركائهم في الوطن بروح مختلفة كلياً عن سنوات الحرب، لأن لتلك الحرب منطقها الذي لم يعد قائماً أو صالحاً ليومنا هذا»، واعترف بوجود «اختلال وعدم توازن في البيت الداخلي نتيجة خمسة عشر عاماً من القهر»، ووعد بعدم توفير أيّ جهد «لمزيد من التفاهم مع حلفائنا على إعادة التأهيل اللازمة». لكن، يتبيّن اليوم أن الهدفَين لم يتحققا. فالعلاقات السياسية والشعبية بين القوات اللبنانية، قيادةً وجمهوراً، وحركة أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر والطاشناق والمردة وغيرهم ممّن يكوّنون مع هؤلاء نحو نصف الوطن، أسوأ مما كانت عليه في أيّ يوم سابق. وقد تحدث جعجع مراراً عن «السوسة التي تنخر مجتمعنا المسيحي»، محذّراً من التعاطف مع «الفريق المسيحي الغائب عن الوعي، والضائع عن المشكلة الفعلية، الذي يسبب خطراً على مستقبل لبنان كله» (20 أيار 2008). وكان جعجع الوحيد تقريباً (مع ميشال معوض) الذي وجد أن المشكلة مع حزب الله تتجاوز السلاح إلى النظرة الكلية للكيان اللبناني. وقد اجتهد جعجع ليظهر بمظهر المتصدي لحزب الله، فلم يترك خطاباً للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله دون ردّ. علماً أن لجعجع حق تسجيل «نظرية اللبنانيين» باسمه في كتاب الاختراعات الخاصة، إذ لا يكاد يخلو خطاب لجعجع عشية الانتخابات النيابية من تخيير اللبنانيين بين «مشروعين متناقضين: لبنان ثورة الأرز أو لبنان الآخر المعروفة مواصفاته (...)». أمّا العلاقة المتينة بين جعجع من جهة وقادة 14 آذار الآخرين فلم تنعكس تلاقياً شعبياً جدياً يتجاوز الغيرة الآنية. ويعترف أنصار القوات والمستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي بأن منطق الحرب الطائفي والاستعلائي ما زال يحكم العلاقات غير السياسية في ما بينهم. وعلى صعيد الهدف الثاني، لم يسجّل للقوات أيّ إنجاز. بل إن منتقدي القوات يؤكدون أن الجهد القواتي تركّز على تبرير استمرار هذا الاختلال (موقف القوات من صلاحيات رئيس الجمهورية، ونائب رئيس مجلس الوزراء يمثّل مثلاً بارزاً).
لاحقاً، دأب جعجع على رفع الصوت، ووضع تحديات لم يتحقق شيء منها. فلقد حدّد المواعيد لإسقاط الرئيس إميل لحود، وكرّر تأكيد عدم قبوله رئيساً لا ينتمي إلى قوى 14 آذار، وافترض أن رؤساء العرب وملوكهم سيقاطعون القمة العربية في دمشق ما لم يُنتخب رئيس للجمهورية اللبنانية، وطلب إرسال قوة عربية إلى لبنان نتيجة فشل حوار الدوحة (قبل ساعات من إعلان نجاح هذا الحوار)، ورأى أنّ من المستحيل إعطاء المعارضة الثلث المعطّل أو تشريع المقاومة في البيان الوزاري، وغيرها الكثير. علماً أن الحكيم لا يفهم «لماذا يرفع عون السقف دائماً بغضّ النظر عن وضع البلد ووضع الناس، ويحاول تقديم طروحات لا أعرف ما إذا كانت مدروسة، أو إذا كانت ستؤدي إلى نتيجة» (18 حزيران 2008).
في موازاة رفع السقف بهذه الطريقة، وتعثّر التوقعات المحلية، يسجل خصوم الحكيم عليه أخطاءً استراتيجية. سواء في ما يتعلق بنظرته إلى الإدارة الأميركية، أو إلى العلاقات السورية ـــــ الدولية. فبالنسبة إلى رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية «واشنطن هي معقل الحرية» (خطابه في واشنطن بتاريخ 14 آذار 2008)، و«كل فروع الإدارة الأميركية» تستحق الشكر «لمساعدتنا ونحن في طريق الحرية». و«نحن» هنا تعني «الأبطال الذين نقاتل من أجل الحرية في الشرق الأوسط». علماً أن «التدخل الأميركي هو كناية عن مجموعة مواقف أميركية بأكثريتها تتلاءم مع المصلحة اللبنانية العليا كما نراها نحن وهذا ليس تدخلاً» (15 كانون الثاني 2006). وهذا مبرَّر فـ«لبنان استراتيجياً دولة صغيرة (...)، وهو يحتاج إلى دعم أصدقائه في الخارج، ولا سيّما الولايات المتحدة» (10 آذار 2008). ويصدّق جعجع أن «أميركا ستساعد لبنان بكل الوسائل، وستمنع أيّ طرف من عرقلة قيام الدولة في لبنان، حتى وإن أجبرتها الظروف على استخدام القوة» (13 آذار 2008). وحرفياً يقول «الحكيم»: «أعِد الولايات المتحدة بأننا سنواصل النضال لتحقيق لبنان حر، سيد، ديموقراطي، مزدهر وعصري» (14 آذار 2008). مع الأخذ بعين الاعتبار أن جعجع لمس في حزيران 2008 «نية أميركية جدية لحل قضية مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل». ويعتقد صاحب «العدوّ وراءنا والبحر أمامنا» (14 شباط 2008) أن «الرئيس (السوري) بشار الأسد ضعيف في الدبلوماسية» (17 تموز 2007). ويردّد بثقة أن «رهان السوريين على إدارة أميركية جديدة، خاطئ وفي غير مكانه» (16 آذار 2008). و«من المستحيل حصول صفقة سورية ـــــ سعودية» (9 تشرين الأول 2009). وبالتالي، فإن «لبنان لن يعود إلى السجن (السوري) الكبير لأن التاريخ لا يعود إلى الوراء»، وأن «أيّ تقدّم أميركي ـــــ سوري لن يحصل على حساب لبنان» (17 كانون الأول 2009).
وبالتالي، بحسب خصوم القوات، فإن مشكلة جعجع مع المجتمع اليوم تجاوزت ما اختزنته الذاكرة، وباتت ترتبط مباشرةً بالأداء السياسي للقوات في السنوات الخمس الماضية، والخيارات الاستراتيجية لجعجع. يضاف إلى ذلك أن رئيس الهيئة التنفيذية لم يستفد من الظروف المريحة نسبياً في هذه السنوات لينطلق في عملية بناء الحزب، فأجّل ذلك إلى اليوم، حيث سيجد من يتربّص به من منطقة إلى أخرى، ومن قطاع إلى آخر، ليثير المشاكل الداخلية ويزيد ارتباكه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018